الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾أوّل من كفر به، أو أوّل فريق أو فوج كافر به، أو : ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك : كسانا حلة، أي كل واحد منا. وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به. وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله :﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ إلى قوله :﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة﴾ [البينة: ١-٤] ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. ويجوز أن يراد : ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعني من أشرك به من أهل مكة. أي : ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً، مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل : الضمير في ( به ) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به. والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى :﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: ١٦] وقوله :
كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا ***
وقوله :
فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ ***
يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً وإلا فالثمن هو المشترى به. والثمن القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله ﷺ فاستبدلوها وهي بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى