مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ لبس الحق بالباطل خلطه. والباء، إن كانت صلة مثلها في قولك «لبست الشيء بالشيء » خلطته به، كان المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم. وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك «كتبت بالقلم »، كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه. ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا، أو منصوب بإضمار «أن »، والواو بمعنى الجمع، أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك «لا تأكل السمك وتشرب اللبن ». وهما أمران متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها، وكتمانهم الحق أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه.