التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن نهى القرآن الكريم بني إسرائيل عن الكفر والضلال، عقب ذلك بنهيهم عن أن يعملوا لإِضلال غيرهم، فقال - ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
اللبس - بفتح اللام - الخلط، وفعله : ليس، من باب : ضرب تقول : لبَست عليه الأمر، ألبِسه إذا مزجت بينه بمشكله، وحقه بباطله.
ولدعاة الضلالة طريقتان في إغواء الناس :
إحداهما : طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهي المشار إليها بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾.
والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهي المشار إليها بقوله تعالى :﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾.
وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإِسلام، قد كان بعضهم يؤول نصوص كتيهم الدالة على صدق النبي - ﷺ - تأويلا فاسداً، يخلصون فيه الحق بالباطل، ليوهموا العامة أنه ليس هو النبي المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبهاً، لوقع ضعفاء الإِيمان في حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبي ﷺ، والتي لا توافق أهواءهم وشهواتهم، فنهاهم الله - تعالى - عن هذه التصرفات الخبيثة.
والمعنى : ولا تخلطوا الحق الواضح الذي نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم، إرضاء لأهوائكم، ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم، بغية انصراف الناس عنه " لأن من جهل شيئا عاداه، فالنهي الأول عن التغيير والخلط، والنهي الثاني عن الكتمان والإِخفاء.
وقوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة حالية، أي وأنتم من ذوي العلم، ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق، أو يلبسه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل - وهو لبس الحق بالباطل، أو كتمانه وإظهار الباطل وحده - يعد من كبائر الذنوب، فإن وقعه يكون أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم، يميز بين الحق والباطل.
ففي هذه الجملة الكريمة بيان لحال بني إسرائيل، المخاطبين بهذا النهي، وتبكيت لهم، لأنهم لم يفعلوا ما فعله عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار على سلوك هذا الطريق المعوج.
قال أبو حيان في البحر : " وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشيء لا يردي كونه حقاً أو باطلا، وإنما فادئتها بيان أن الإِقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها، أفحش من الإِقدام عليها مع الجهل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال - رحمه الله - :
" وفي هذه الجمل - وإن كانتة معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيباً - ترتيبٌ عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمة إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان.
ثم أعقب ذلك بالأمر بإِيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإِضلال.

ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين :

إما تمويه الباطل حقاً، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل به ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى