روح البيان — إسماعيل حقي
عن الكتاب
على أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الانسانية حتى أفسدوا الاستعداد الفطري وكذبوا بآياتنا اى معجزات انبيائنا وكتبنا وما أنزلنا على الأنبياء بالوحى والإلهام والرشد فى تربية بذر المحبة وتثمير الشجرة الانسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ الى درجات القربات ونعيم الجنات والغرفات أولئك اصحاب النار نار جهنم ونار القطيعة هُمْ فِيها خالِدُونَ لانهم خلدوا في ارض الطبيعة واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بما الشريعة فبقوا بإفساد استعدادهم فى دركات الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين يا بَنِي إِسْرائِيلَ البنون اسم للذكور والإناث إذا اجتمعوا وإسرائيل اسم يعقوب عليه السلام ومعناه عبد الله لان اسرا بلغة العبرانية وهي لغة اليهود بمعنى العبد وايل هو الله اى يا أولاد يعقوب والخطاب لليهود المعاصرين للنبى ﷺ الذين كانوا حوالى المدينة من بنى قريظة والنضير وكانوا من أولاد يعقوب وتخصيص هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما انهم أوفر الناس نعمة وأكثرهم كفرا بها اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الذكر بضم الذال بالقلب خاصة بمعنى الحفظ الذي يضاد النسيان والذكر بكسر الذال يقع على الذكر باللسان والذكر بالقلب يكون امرا بشكر النعمة باللسان وحفظها بالجنان اى احفظوا بالجنان واشكروا باللسان نعمتى لان النعمة اسم جنس بمعنى الجمع قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها الَّتِي أَنْعَمْتُ بها عَلَيْكُمْ وفيه اشعار بانهم قد نسوها بالكلية ولم يخطروها بالبال لا انهم أهملوا شكرها فقط وتقييد النعمة بكونها عليهم لان الإنسان غيور حسود بالطبع فاذا نظر الى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ولذا قيل لا تنظر الى من هو فوقك في الدنيا لئلا تزدرى بنعمة الله عليك فان من نظر الى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر قال ارباب المعاني ربط سبحانه وتعالى بنى إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن امة محمد ﷺ ودعاهم الى ذكره فقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ليكون نظر الأمم من النعمة الى المنعم ونظر امة محمد من المنعم الى النعمة والنعمة ما لم يحجبك عن المنعم وَأَوْفُوا أتموا ولا تتركوا بِعَهْدِي الذي قبلتم يوم الميثاق وهو علم في جميع أوامره من الايمان والطاعة ونواهيه ووصاياه فيدخل فى ذلك ما عهده تعالى إليهم في التوراة من اتباع محمد ﷺ والعهد حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا والمراد منه الموثق والوصية والعهد هنا مضاف الى الفاعل أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أتمم جزاءكم بحسن الاثابة والقبول ودخول الجنة والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد وهو هنا مضاف الى المفعول فان الله عهد إليهم بالايمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم وأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ومن الله حقن المال والدم وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث نغفل عن أنفسنا فضلا عن غيرنا ومن الله الفوز باللقاء الدائم كما قال القشيري أَوْفُوا بِعَهْدِي فى دار الحجبة أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فى دار القربة على بساط الوصلة بادامة الانس والرؤية وأوفوا بعهدي بقولكم ابدا ربى ربى أوف بعهدكم بجوابكم ابدا عبدى عبدى وَإِيَّايَ نصب بمحذوف تقديره وإياي ارهبوا فَارْهَبُونِ فيما تأتون وتذرون وخصوصا في نقض العهد
الاول اخشوا في نقض العهد وهذا معناه في كتمان نعت محمد او لان الخطاب بالآية الاولى لما عم العالم والمقلد أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك وبالثانية لما خص اهل العلم أمرهم بالتقوى الذي هو منتهاه وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلوا الحق ملتبسما بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله او تذكرونه في تأويله وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَّ بإضمار لا او نصب بإضمار ان على ان الواو للجمع اى لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان لانهم كانوا يقولون لا نجد في التوراة صفة محمد ﷺ فاللبس غير الكتمان وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى حال كونكم عالمين بانكم لابسون كاتمون او وأنتم تعلمون انه حق نبى مرسل وليس إيراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل قد يعذر وفي التيسير يجوز صرف الخطاب الى المسلمين والى كل صنف منهم وبيانه ايها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وايها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق فهذه الآية وان كانت خاصة ببني إسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق وابطاله او امتنع من تعليم ما وجب عليه او أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل في مقتضى الآية قال رسول الله ﷺ (من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله ﷺ (لا يمنعن أحدكم هيبة أحد ان يقول او يقوم بالحق حيث كان) وفي التنزيل يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ- حكى- ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فاقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من اصحاب النبي ﷺ قالوا له ابو حازم فارسل اليه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال له ابو حازم يا امير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال أتاني وجوه اهل المدينة ولم تأتنى قال يا امير المؤمنين أعيذك بالله ان تقول ما لم يكن ما عرفتنى قبل هذا اليوم ولا انا رأيتك قال فالتفت الى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ واخطأت قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لانكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران الى الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال واى مكان أجده قال إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قال سليمان فاين رحمة الله يا أبا حازم قال إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال له سليمان يا أبا حازم فاى عباد الله أكرم قال أولوا المروة والنهى قال له سليمان فاى الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فاى الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة أفضل قال على
السائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال فأى القول اعدل قال قول الحق عند من تخافه او ترجوه قال فأى المؤمنين أكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأى المؤمنين أحمق قال رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا امير المؤمنين اعفنى قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها الى قال يا امير المؤمنين ان آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولارضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا
أبا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله أخذ ميثاق العلماء لتبيننه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال أعوذ بالله قال ولم ذاك قال أخشى ان اركن إليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع إلينا حوائجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى إليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد أوجزت وأكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان أوص قال سأوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن أنفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين أعيذك بالله ان يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا ما أرضا هالك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما أنزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى أبيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجدبدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وأريني بقولك فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى أعوذ بالله فقال شعيب لم أما أنت جائع قال بلى ولكنى أخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائي نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت
أبا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله أخذ ميثاق العلماء لتبيننه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال أعوذ بالله قال ولم ذاك قال أخشى ان اركن إليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع إلينا حوائجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى إليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد أوجزت وأكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان أوص قال سأوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن أنفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين أعيذك بالله ان يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا ما أرضا هالك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما أنزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى أبيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجدبدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وأريني بقولك فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى أعوذ بالله فقال شعيب لم أما أنت جائع قال بلى ولكنى أخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائي نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت