الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿واستعينوا﴾ على حوائجكم إلى الله ﴿بالصبر والصلاة﴾ أي بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه. ومنه قوله تعالى :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] أو : واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها.
وكان رسول الله ﷺ «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه «قُثَم » وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : واستعينوا بالصبر والصلاة، وقيل : الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات. ومنه قيل لشهر رمضان : شهر الصبر. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في دفعه ﴿وَإِنَّهَا﴾ الضمير للصلاة أو للاستعانة. ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله :﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ إلى ﴿واستعينوا﴾. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لشاقة ثقيلة من قولك : كبر عليّ هذا الأمر، ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ [الشورى: ١٣].
فإن قلت : ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل ؟ قلت : لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى