الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ :" الذين " يَحتملُ موضعُه الحركاتِ الثلاثَ، فالجرُّ على أنه تابعٌ لِما قَبْلَه نعتاً، وهو الظاهرُ، والرفعُ والنصبُ على القَطْع، وقد تقدَّم معناه. وأصلُ الظنِّ : رُجْحانُ أحدِ الطرفينِ وأمَّا هذه الآيةُ ففيها قولانِ، أحدُهما وعليه الأكثرُ أنَّ الظنَّ ههنا بمعنى اليقين ومثلُه :﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقوله :
وقال أبو دُؤاد :
فاستُعْمِلَ الظنَّ استعمالَ اليقينِ مجازاً، كما استُعْمِل العِلْمُ استعمالَ الظنِّ كقولِه :﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ولكنَّ العربَ لا تَسْتَعْمِلُ الظنَّ استعمالَ اليقين إلا فيما لم يَخْرُجْ إلى الحِسِّ والمشاهدةِ كالآيتين والبيت، ولا تَجِدُهم يقولون في رجل مَرْئيٍّ حاضراً : أظنُّ هذا إنساناً.
والقولُ الثاني : أنَّ الظنَّ على بابِه وفيه حينئذٍ تأويلان، أحدُهما ذَكَره المهدوي والماوَرْدي وغيرُهما : أن يُضْمَر في الكلام " بذنوبهم " فكأنهم يتوقَّعون لقاءَه مُذْنِبين. قال ابن عطية :" وهذا تعسُّفٌ " والثاني من التأويلين : أنهم يظنُّون ملاقاةَ ثوابِ ربهم لأنهم ليسوا قاطِعين بالثوابِ دونَ العقاب، والتقديرُ : يَظُنُّون أنهم ملاقُو ثوابِ ربِّهم، ولكن يُشْكِلُ على هذا عَطْفُ ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإنه لا يَكْفي فيه الظنُّ، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ في " إليه " على الربِّ سبحانه وتعالى، أمَّا إذا أَعَدْناه على الثوابِ المقدَّر فيزولُ الإِشكالُ أو يُقالُ : إنه بالنسبةِ إلى الأول بمعنى الظنِّ على بابه، وبالنسبةِ إلى الثاني بمعنى اليقينِ، ويكونُ قد جَمَعَ في الكلمةِ الواحدةِ بين الحقيقةِ والمجازِ، وهي مسألةُ خلافٍ و " أن " وما في حَيِّزها سادَّةٌ [ مَسَدَّ ] المفعولَيْنِ عندَ الجمهورِ، ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ عند الأخفش، وقد تقدَّم تحقيقُه.
و ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ من باب إضافةِ اسم الفاعل لمعموله إضافةً تخفيفٍ لأنه مستقبلٌ، وحُذِفَتِ النونُ للإِضافة، والأصلُ : مُلاقونَ ربِّهم. والمفاعلةُ هنا بمعنى الثلاثي نحو : عافاك الله، قاله المهدوي : قال ابن عطية : وهذا ضعيفٌ، لأنَّ " لَقِيَ " يتضمَّن معنى " لاقى ". كأنه يَعْني أن المادةَ لذاتها تقتضي المشاركةَ بخلافِ غيرِها من : عاقَبْت وطارقت وعافاك. وقد تقدَّم أن في الكلام حَذْفاً تقديرُه : ملاقو ثوابِ ربِّهم وعقابِه. قال ابن عطية :" ويَصِحُّ أن تكونَ الملاقاةُ هنا الرؤيةَ التي عليها أهلُ السُّنَّةِ وورد بها متواترُ الحديث "، فعلى هذا الذي قاله لا يُحْتاج إلى حَذْفِ مضاف. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عَطْفٌ على " أَنَّهم " وما في حَيِّزها، و " إليه " متعلق ب " راجعون "، والضميرُ : إمَّا للربِّ سبحانَه أو الثَّوابِ كما تقدَّم، أو اللقاءِ المفهوم من " مُلاقُو ".
| فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ | سَرَاتُهُمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ |
| رُبَّ همٍّ فَرَّجْتُه بعَزيمٍ | وغُيوبٍ كَشَّفْتُها بظُنونِ |
والقولُ الثاني : أنَّ الظنَّ على بابِه وفيه حينئذٍ تأويلان، أحدُهما ذَكَره المهدوي والماوَرْدي وغيرُهما : أن يُضْمَر في الكلام " بذنوبهم " فكأنهم يتوقَّعون لقاءَه مُذْنِبين. قال ابن عطية :" وهذا تعسُّفٌ " والثاني من التأويلين : أنهم يظنُّون ملاقاةَ ثوابِ ربهم لأنهم ليسوا قاطِعين بالثوابِ دونَ العقاب، والتقديرُ : يَظُنُّون أنهم ملاقُو ثوابِ ربِّهم، ولكن يُشْكِلُ على هذا عَطْفُ ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإنه لا يَكْفي فيه الظنُّ، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ في " إليه " على الربِّ سبحانه وتعالى، أمَّا إذا أَعَدْناه على الثوابِ المقدَّر فيزولُ الإِشكالُ أو يُقالُ : إنه بالنسبةِ إلى الأول بمعنى الظنِّ على بابه، وبالنسبةِ إلى الثاني بمعنى اليقينِ، ويكونُ قد جَمَعَ في الكلمةِ الواحدةِ بين الحقيقةِ والمجازِ، وهي مسألةُ خلافٍ و " أن " وما في حَيِّزها سادَّةٌ [ مَسَدَّ ] المفعولَيْنِ عندَ الجمهورِ، ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ عند الأخفش، وقد تقدَّم تحقيقُه.
و ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ من باب إضافةِ اسم الفاعل لمعموله إضافةً تخفيفٍ لأنه مستقبلٌ، وحُذِفَتِ النونُ للإِضافة، والأصلُ : مُلاقونَ ربِّهم. والمفاعلةُ هنا بمعنى الثلاثي نحو : عافاك الله، قاله المهدوي : قال ابن عطية : وهذا ضعيفٌ، لأنَّ " لَقِيَ " يتضمَّن معنى " لاقى ". كأنه يَعْني أن المادةَ لذاتها تقتضي المشاركةَ بخلافِ غيرِها من : عاقَبْت وطارقت وعافاك. وقد تقدَّم أن في الكلام حَذْفاً تقديرُه : ملاقو ثوابِ ربِّهم وعقابِه. قال ابن عطية :" ويَصِحُّ أن تكونَ الملاقاةُ هنا الرؤيةَ التي عليها أهلُ السُّنَّةِ وورد بها متواترُ الحديث "، فعلى هذا الذي قاله لا يُحْتاج إلى حَذْفِ مضاف. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عَطْفٌ على " أَنَّهم " وما في حَيِّزها، و " إليه " متعلق ب " راجعون "، والضميرُ : إمَّا للربِّ سبحانَه أو الثَّوابِ كما تقدَّم، أو اللقاءِ المفهوم من " مُلاقُو ".