البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الجزاء : القضاء عن المفضل والمكافأة، قال الراجز :
والإجزاء : الإغناء.
قبول الشيء : التوجه إليه، والفعل قبل يقبل، والقبل : ما واجهك، قال القطامي :
الشفاعة : ضم غيره إلى وسيلته، والشفعة : ضم الملك، الشفع : الزوج، والشفاعة منه، لأن الشفاعة والمشفوع له : شفع، وقال الأحوص :
وناقة شفوع : خلفها ولد.
وقيل : خلفها ولد، وفي بطنها ولد.
الأخذ : ضد الترك، والأخذ : القبض والإمساك، ومنه قيل للأسير : أخيذ، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، وقلّ الإتمام.
العدل : الفداء، والعدل : ما يساويه قيمة وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، وبكسر العين : المساوي في الجنس والجرم.
ومن العرب من يكسر العين من معنى الفدية، وواحد الأعدال بالكسر لا غير، والعدل : المقبول القول من الناس، وحكي فيه أيضاً كسر العين.
وقال ثعلب : العدل : الكفيل والرشوة، قال الشاعر :
لا يقبل الصرف فيها نهاب العدلا***
النصر : العون، أرض منصورة : ممدودة بالمطر، قال الشاعر :
وقال الآخر :
والنصر : العطاء، والانتصار : الانتقام.
﴿واتقوا يوماً﴾ أمر بالاتقاء، وكأنهم لما أمروا بذكر النعم وتفضيلهم ناسب أن من أنعم عليه وفضل يكون محصلاً للتقوى.
فأمروا بالإدامة على التقوى، أو بتحصيل التقوى، إن عرض لهم خلل وانتصاب يوماً، أما على الظرف والمتقى محذوف تقديره : اتقوا العذاب يوماً، وإما على المفعول به اتساعاً أو على حذف مضاف، أي عذاب يوم، أو هول يوم.
وقيل معناه : جيئوا متقين، وكأنه على هذا التقدير لم يلحظ متعلق الاتقاء، فإذ ذاك ينتصب يوماً على الظرف.
قال القشيري : العوام خوفهم بعذابه، فقال :﴿واتقوا يوماً﴾، ﴿واتقوا النار﴾ والخواص خوفهم بصفاته، فقال :﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ وما تكون في شأن الآية.
وخواص الخواص خوفهم بنفسه، فقال :﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وقرأ ابن السماك العدوي لا تجزي من أجزأ، أي أغني، وقيل جزا، واجزا، بمعنى واحد، وهذه الجملة صفة لليوم، والرابط محذوف، فيجوز أن يكون التقدير : لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير بالفعل، ثم حذف الضمير، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير أولاً اتساعاً.
وهذا اختيار أبي عليّ، وإياه نختار.
قال المهدوي : والوجهان، يعني تقديره : لا تجزي فيه ولا تجزيه جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج.
وقال الكسائي : لا يكون المحذوف إلا لهاء، قال : لا يجوز أن تقول : هذا رجل قصدت، ولا رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه، انتهى.
وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة جائز، ومنه قوله :
يريد : أصابوه، وما ذهبوا إليه من تعيين الربط أنه فيه، أو الضمير هو الظاهر، وقد يجوز على رأي الكوفيين أن يكون ثم رابط، ولا تكون الجملة صفة، بل مضاف إليها يوم محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير : واتقوا يوماً يوم لا تجزي، فحذف يوم لدلالة يوماً عليه، فيصير المحذوف في الإضافة نظير الملفوظ به في نحو قوله تعالى :﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ ونظير يوم لا تملك، لا تحتاج الجملة إلى ضمير، ويكون إعراب ذلك المحذوف بدلاً، وهو بدل كل من كل، ومنه قول الشاعر :
في رواية من خفض التقدير أعظم طلحة.
وقد قالت العرب : يعجبني الإكرام عندك سعد، بنية : يعجبني الإكرام إكرام سعد.
وحكى الكسائي عن العرب : أطعمونا لحماً سميناً شاة ذبحوها، أي لحم شاة.
وحكى الفراء عن العرب : أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنه، الدقيق عظمه، على تقديره : لو تعلمون علم الكبيرة سنه، فحذف الثاني اعتماداً على الأول، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف إليه على خفضه في : يعجبني القيام زيد، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي والفراء عن العرب.
ويحسن هذا التخريج كون المضاف إليه جملة، فلا يظهر فيها إعراب، فيتنافر مع إعراب ما قبله، فإذا جاز ذلك في نثرهم مع التنافر، فلأن يجوز مع عدم التنافر أولى.
ولم أر أحداً من المعربين والمفسرين خرجوا هذه الجملة هذا التخريج، بل هم مجمعون على أن الجملة صفة ليوم، ويلزم من ذلك حذف الرابط أيضاً من الجمل المعطوفة على ﴿لا تجزي﴾، أي ولا يقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه، وعلى ذلك التخريج لا يحتاج إلى إضمار هذه الرّوابط.
﴿نفس عن نفس شيئاً﴾ كلاهما نكرة في سياق النفي فتعم.
ومعنى التنكير : أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس من الأنفس شيئاً من الأشياء، قال الزمخشري : وفيه إقناط كلي قاطع من المطامع، وهذا على مذهبه في أن لا شفاعة.
وقال بعضهم : التقدير عن نفس كافرة، فقيدها بالكفر، وفيه دلالة على أن النفس تجزي عن نفس مؤمنة، وذلك بمفهوم الصفة.
ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على قوله :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾.
وقرأ أبو السرار الغنوي : لا تجزي نسمة عن نسمة، وانتصاب شيئاً على أنه مفعول به، أي لا يقضي شيئاً، أي حقاً من الحقوق، ويجوز أن يكون انتصابه على المصدر، أي : ولا تجزي شيئاً من الجزاء، قاله الأخفش، وفيه إشارة إلى القلة، كقولك : ضربت شيئاً من الضرب.
﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو : ولا تقبل بالتاء، وهو القياس والأكثر، ومن قرأ بالياء فهو أيضاً جاز فصيح لمجاز التأنيث، وحسنة أيضاً الفصل بين الفعل ومرفوعه.
وقرأ سفيان : ولا يقبل بفتح الياء ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفي ذلك التفات وخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، لأن قبله :﴿اذكروا نعمتي﴾ و ﴿إني فضلتكم﴾، وبناؤه للمفعول أبلغ لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى.
والضمير في منها عائد على نفس المتأخرة لأنها أقرب مذكور، أي لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع، ويجوز أن يعود الضمير على نفس الأولى، أي ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة، هي بصدد أن لو شفعت لم يقبل منها، وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنها هي المحدث عنها في قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس﴾، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة.
وظاهر قوله :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ نفي القبول ووجود الشفاعة، ويجوز أن يكون من باب :
على لا حب لا يهتدى بمناره***
نفي القبول، والمقصود نفي الشفاعة، كأنه قيل : لا شفاعة، فتقبل.
وقد اختلف المفسرون في فهم هذا على ستة أقوال : الأول : أنه لفظ عام لمعنى خاص، والمراد : الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله، وأبناء أنبيائه، وأنهم يشفعون لنا عند الله، فرد عليهم ذلك، وأويسوا منه لكفرهم، وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة، والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه شفاعة لقوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ الثاني : معناه لا يجدون شفيعاً تقبل شفاعته، لعجز المشفوع فيه عنه، وهو قول الحسن.
الثالث : معناه لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة، وإن كان لو شفع لشفع.
الرابع : معناه حيث لم يأذن الله في الشفاعة للكفار، ولا بد من إذن من الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله :
﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الخامس : معناه ليس لها شفاعة، فيكون لها قبول، وقد تقدم هذا القول.
السادس : أنه نفي عام، أي لا يقبل في غيرها، لا مؤمنة ولا كافرة، في مؤمنة ولا كافرة، قاله الزمخشري.
وأجمع أهل السنة أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافاً للمعتزلة، قالوا : الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين : طائفة أنكرت الشفاعة إنكاراً كلياً وقالوا : لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر آيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة.
وطائفة أنكرت الشفاعة في أهل الكبائر، قالوا : وإنما تقبل في الصغائر.
وقال في المنتخب : أجمعت الأمة على أن لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة، واختلفوا لمن تكون.
فذهبت المعتزلة إلى أنها للمستحقين الثواب، وتأثيرها في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه.
وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين، إما بأن لا يدخلوا النار، وإما في أن يخرجوا منها بعد دخولها ويدخلون الجنة، واتفقوا على أنها ليست للكفار، ثم ذكر نحواً من ست أوراق في الاستدلال للطائفتين، ورد بعضهم على بعض، يوقف عليها في ذلك الكتاب.
﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ العدل : الفدية، قاله ابن عباس وأبو العالية، وسميت عدلاً لأن المفدى يعدل بها : أي يساويها، أو البدل : أي رجل مكان رجل.
وروي عن ابن عباس : أو حسنة مع الشرك ثلاثة أقوال.
﴿ولا هم ينصرون﴾ : أتى بالضمير مجموعاً على معنى نفس، لأنها نكرة في سياق النفي فتعم، كقوله تعالى :﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ وأتى به مذكراً لأنه أريد بالنفوس الأشخاص كقولهم : ثلاثة أنفس، وجعل حرف النفي منسحباً على جملة اسمية ليكون الضمير مذكوراً مرتين، فيتأكد ذكر المنفي عنه النصر بذكره مرتين، وحسن الحمل على المعنى كون ذلك في آخر فاصلة، فيحصل بذلك التناسب في الفواصل، بخلاف أن لو جاء ولا تنصر، إذ كان يفوت التناسب.
ويحتمل رفع هذا الضمير وجهين من الإعراب.
أحدهما : وهو المتبادر إلى أذهان المعربين أنه مبتدأ، والجملة بعده في موضع رفع على الخبر.
والوجه الثاني : وهو أغمض الوجهين وأغربهما أنه مفعول لم يسم فاعله، يفسر فعله الفعل الذي بعده، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وذلك أن لا هي من الأدوات التي هي أولى بالفعل، كهمزة الاستفهام.
فكما يجوز في : أزيد قائم، وأزيد يضرب، الرفع على الاشتغال، فكذلك هذا، ويقوي هذا الوجه أنه تقدم جملة فعلية.
والحكم في باب الاشتغال أنه إذا تقدمت جملة فعلية وعطف عليها بشرط العطف المذكور في ذلك الباب، فالأفصح الحمل على الفعل، ويجوز الابتداء كما ذكرنا أولاً، ويقوي عود الضمير إلى نفس الثانية بناء الفعل للمفعول، إذا لو كان عائداً على نفس الأولى لكان مبنياً للفاعل، كقوله : لا تجزي.
ومن المفسرين من جعل الضمير في ولا هم عائداً على النفسين معاً، قال : لأن التثنية جمع قالوا، وفي معنى النصر للمفسرين هنا ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه لا يمنعون من عذاب الله.
الثاني : لا يجدون ناصراً ينصرهم ولا شافعاً يشفع لهم.
الثالث : لا يعاونون على خلاصهم وفكاكهم من موبقات أعمالهم.
وثلاثة الأقوال هذه متقاربة المعنى، وجاء النفي لهذه الجمل هنا
| يجزيه رب العرش عني إذ جزى | جنات عدن في العلاليّ العلا |
قبول الشيء : التوجه إليه، والفعل قبل يقبل، والقبل : ما واجهك، قال القطامي :
| فقلت للركب لما أن علا بهم | من عن يمين الحبيا نظرة قبل |
| كان من لامني لأصرمها | كانوا لليلى بلومهم شفعوا |
وقيل : خلفها ولد، وفي بطنها ولد.
الأخذ : ضد الترك، والأخذ : القبض والإمساك، ومنه قيل للأسير : أخيذ، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، وقلّ الإتمام.
العدل : الفداء، والعدل : ما يساويه قيمة وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، وبكسر العين : المساوي في الجنس والجرم.
ومن العرب من يكسر العين من معنى الفدية، وواحد الأعدال بالكسر لا غير، والعدل : المقبول القول من الناس، وحكي فيه أيضاً كسر العين.
وقال ثعلب : العدل : الكفيل والرشوة، قال الشاعر :
لا يقبل الصرف فيها نهاب العدلا***
النصر : العون، أرض منصورة : ممدودة بالمطر، قال الشاعر :
| أبوك الذي أجدى علي بنصره | وأمسك عني بعده كل قاتل |
| إذا ودّع الشهر الحرام فودعي | بلاد تميم وانصري أرض عامر |
﴿واتقوا يوماً﴾ أمر بالاتقاء، وكأنهم لما أمروا بذكر النعم وتفضيلهم ناسب أن من أنعم عليه وفضل يكون محصلاً للتقوى.
فأمروا بالإدامة على التقوى، أو بتحصيل التقوى، إن عرض لهم خلل وانتصاب يوماً، أما على الظرف والمتقى محذوف تقديره : اتقوا العذاب يوماً، وإما على المفعول به اتساعاً أو على حذف مضاف، أي عذاب يوم، أو هول يوم.
وقيل معناه : جيئوا متقين، وكأنه على هذا التقدير لم يلحظ متعلق الاتقاء، فإذ ذاك ينتصب يوماً على الظرف.
قال القشيري : العوام خوفهم بعذابه، فقال :﴿واتقوا يوماً﴾، ﴿واتقوا النار﴾ والخواص خوفهم بصفاته، فقال :﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ وما تكون في شأن الآية.
وخواص الخواص خوفهم بنفسه، فقال :﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وقرأ ابن السماك العدوي لا تجزي من أجزأ، أي أغني، وقيل جزا، واجزا، بمعنى واحد، وهذه الجملة صفة لليوم، والرابط محذوف، فيجوز أن يكون التقدير : لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير بالفعل، ثم حذف الضمير، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير أولاً اتساعاً.
وهذا اختيار أبي عليّ، وإياه نختار.
قال المهدوي : والوجهان، يعني تقديره : لا تجزي فيه ولا تجزيه جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج.
وقال الكسائي : لا يكون المحذوف إلا لهاء، قال : لا يجوز أن تقول : هذا رجل قصدت، ولا رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه، انتهى.
وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة جائز، ومنه قوله :
| فما أدري أغيرهم تناء | وطول العهد أم مال أصابوا |
| رحم الله أعظما دفنوها | بسجستان طلحة الطلحات |
وقد قالت العرب : يعجبني الإكرام عندك سعد، بنية : يعجبني الإكرام إكرام سعد.
وحكى الكسائي عن العرب : أطعمونا لحماً سميناً شاة ذبحوها، أي لحم شاة.
وحكى الفراء عن العرب : أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنه، الدقيق عظمه، على تقديره : لو تعلمون علم الكبيرة سنه، فحذف الثاني اعتماداً على الأول، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف إليه على خفضه في : يعجبني القيام زيد، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي والفراء عن العرب.
ويحسن هذا التخريج كون المضاف إليه جملة، فلا يظهر فيها إعراب، فيتنافر مع إعراب ما قبله، فإذا جاز ذلك في نثرهم مع التنافر، فلأن يجوز مع عدم التنافر أولى.
ولم أر أحداً من المعربين والمفسرين خرجوا هذه الجملة هذا التخريج، بل هم مجمعون على أن الجملة صفة ليوم، ويلزم من ذلك حذف الرابط أيضاً من الجمل المعطوفة على ﴿لا تجزي﴾، أي ولا يقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه، وعلى ذلك التخريج لا يحتاج إلى إضمار هذه الرّوابط.
﴿نفس عن نفس شيئاً﴾ كلاهما نكرة في سياق النفي فتعم.
ومعنى التنكير : أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس من الأنفس شيئاً من الأشياء، قال الزمخشري : وفيه إقناط كلي قاطع من المطامع، وهذا على مذهبه في أن لا شفاعة.
وقال بعضهم : التقدير عن نفس كافرة، فقيدها بالكفر، وفيه دلالة على أن النفس تجزي عن نفس مؤمنة، وذلك بمفهوم الصفة.
ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على قوله :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾.
وقرأ أبو السرار الغنوي : لا تجزي نسمة عن نسمة، وانتصاب شيئاً على أنه مفعول به، أي لا يقضي شيئاً، أي حقاً من الحقوق، ويجوز أن يكون انتصابه على المصدر، أي : ولا تجزي شيئاً من الجزاء، قاله الأخفش، وفيه إشارة إلى القلة، كقولك : ضربت شيئاً من الضرب.
﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو : ولا تقبل بالتاء، وهو القياس والأكثر، ومن قرأ بالياء فهو أيضاً جاز فصيح لمجاز التأنيث، وحسنة أيضاً الفصل بين الفعل ومرفوعه.
وقرأ سفيان : ولا يقبل بفتح الياء ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفي ذلك التفات وخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، لأن قبله :﴿اذكروا نعمتي﴾ و ﴿إني فضلتكم﴾، وبناؤه للمفعول أبلغ لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى.
والضمير في منها عائد على نفس المتأخرة لأنها أقرب مذكور، أي لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع، ويجوز أن يعود الضمير على نفس الأولى، أي ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة، هي بصدد أن لو شفعت لم يقبل منها، وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنها هي المحدث عنها في قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس﴾، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة.
وظاهر قوله :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ نفي القبول ووجود الشفاعة، ويجوز أن يكون من باب :
على لا حب لا يهتدى بمناره***
نفي القبول، والمقصود نفي الشفاعة، كأنه قيل : لا شفاعة، فتقبل.
وقد اختلف المفسرون في فهم هذا على ستة أقوال : الأول : أنه لفظ عام لمعنى خاص، والمراد : الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله، وأبناء أنبيائه، وأنهم يشفعون لنا عند الله، فرد عليهم ذلك، وأويسوا منه لكفرهم، وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة، والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه شفاعة لقوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ الثاني : معناه لا يجدون شفيعاً تقبل شفاعته، لعجز المشفوع فيه عنه، وهو قول الحسن.
الثالث : معناه لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة، وإن كان لو شفع لشفع.
الرابع : معناه حيث لم يأذن الله في الشفاعة للكفار، ولا بد من إذن من الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله :
﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الخامس : معناه ليس لها شفاعة، فيكون لها قبول، وقد تقدم هذا القول.
السادس : أنه نفي عام، أي لا يقبل في غيرها، لا مؤمنة ولا كافرة، في مؤمنة ولا كافرة، قاله الزمخشري.
وأجمع أهل السنة أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافاً للمعتزلة، قالوا : الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين : طائفة أنكرت الشفاعة إنكاراً كلياً وقالوا : لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر آيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة.
وطائفة أنكرت الشفاعة في أهل الكبائر، قالوا : وإنما تقبل في الصغائر.
وقال في المنتخب : أجمعت الأمة على أن لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة، واختلفوا لمن تكون.
فذهبت المعتزلة إلى أنها للمستحقين الثواب، وتأثيرها في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه.
وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين، إما بأن لا يدخلوا النار، وإما في أن يخرجوا منها بعد دخولها ويدخلون الجنة، واتفقوا على أنها ليست للكفار، ثم ذكر نحواً من ست أوراق في الاستدلال للطائفتين، ورد بعضهم على بعض، يوقف عليها في ذلك الكتاب.
﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ العدل : الفدية، قاله ابن عباس وأبو العالية، وسميت عدلاً لأن المفدى يعدل بها : أي يساويها، أو البدل : أي رجل مكان رجل.
وروي عن ابن عباس : أو حسنة مع الشرك ثلاثة أقوال.
﴿ولا هم ينصرون﴾ : أتى بالضمير مجموعاً على معنى نفس، لأنها نكرة في سياق النفي فتعم، كقوله تعالى :﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ وأتى به مذكراً لأنه أريد بالنفوس الأشخاص كقولهم : ثلاثة أنفس، وجعل حرف النفي منسحباً على جملة اسمية ليكون الضمير مذكوراً مرتين، فيتأكد ذكر المنفي عنه النصر بذكره مرتين، وحسن الحمل على المعنى كون ذلك في آخر فاصلة، فيحصل بذلك التناسب في الفواصل، بخلاف أن لو جاء ولا تنصر، إذ كان يفوت التناسب.
ويحتمل رفع هذا الضمير وجهين من الإعراب.
أحدهما : وهو المتبادر إلى أذهان المعربين أنه مبتدأ، والجملة بعده في موضع رفع على الخبر.
والوجه الثاني : وهو أغمض الوجهين وأغربهما أنه مفعول لم يسم فاعله، يفسر فعله الفعل الذي بعده، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وذلك أن لا هي من الأدوات التي هي أولى بالفعل، كهمزة الاستفهام.
فكما يجوز في : أزيد قائم، وأزيد يضرب، الرفع على الاشتغال، فكذلك هذا، ويقوي هذا الوجه أنه تقدم جملة فعلية.
والحكم في باب الاشتغال أنه إذا تقدمت جملة فعلية وعطف عليها بشرط العطف المذكور في ذلك الباب، فالأفصح الحمل على الفعل، ويجوز الابتداء كما ذكرنا أولاً، ويقوي عود الضمير إلى نفس الثانية بناء الفعل للمفعول، إذا لو كان عائداً على نفس الأولى لكان مبنياً للفاعل، كقوله : لا تجزي.
ومن المفسرين من جعل الضمير في ولا هم عائداً على النفسين معاً، قال : لأن التثنية جمع قالوا، وفي معنى النصر للمفسرين هنا ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه لا يمنعون من عذاب الله.
الثاني : لا يجدون ناصراً ينصرهم ولا شافعاً يشفع لهم.
الثالث : لا يعاونون على خلاصهم وفكاكهم من موبقات أعمالهم.
وثلاثة الأقوال هذه متقاربة المعنى، وجاء النفي لهذه الجمل هنا