مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾.
اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولابد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلا، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله. إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان :
السؤال الأول : الفائدة من قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ هي الفائدة من قوله :﴿ولا هم ينصرون﴾ فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى.
السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ فقال القفال : الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله ﷺ قال لأبي بردة بن يسار :" تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك "، هكذا يرويه أهل العربية :«تجزيك » بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات.
روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام :( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ). قال صاحب الكشاف : و( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى :﴿ولا يظلمون شيئا﴾ ومن قرأ :﴿لا يجزى﴾ من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء تقديره تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع، أما قوله تعالى :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا. واعلم أن الضمير في قوله :﴿ولا يقبل منها﴾ راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا. أما قوله تعالى :﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا، أي لا أرى له نظيرا. قال تعالى :﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ ونظيره هذه الآية قوله تعالى :﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ وقال تعالى :﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾.
أما قوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله :«انصر أخاك ظالما أو مظلوما »، ومنه معنى الإغاثة، تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى :﴿من كان يظن أن لن ينصره الله﴾ أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصارا، قال تعالى :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ قالوا معناه : فانتقمنا له، فقوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى :﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقوله تعالى :﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.
الأول : قوله تعالى :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا، الثاني : قوله تعالى :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث : قوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ ولو كان محمد شفيعا لأحد من العصاة لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين، الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم، الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقا إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضا نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوما لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه منافع المستحق للعقاب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجرا عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع، وثانيها : قوله تعالى :﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعا يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحدا، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعا لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملا لها على معنى لا يفيد. الثاني : أنه تعالى نفى شفيعا يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمرا له وحاكما عليه ومثله لا يسمى شفيعا فأفاد قوله :«شفيع » كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله :﴿يطاع﴾ على من فوقه فوجب حمله على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ( ورابعها ) : قوله تعالى :﴿وما للظالمين من أنصار﴾ ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. ( وخامسها ) : قوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق. ( وسادسها ) : قوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية. ( وسابعها ) : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصرا على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر.
لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين. ( الأول ) : ليس يجب إذا شرطنا شرطا في قولنا : اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطا في قولنا ا
اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولابد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلا، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله. إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان :
السؤال الأول : الفائدة من قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ هي الفائدة من قوله :﴿ولا هم ينصرون﴾ فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى.
السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ فقال القفال : الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله ﷺ قال لأبي بردة بن يسار :" تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك "، هكذا يرويه أهل العربية :«تجزيك » بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات.
روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام :( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ). قال صاحب الكشاف : و( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى :﴿ولا يظلمون شيئا﴾ ومن قرأ :﴿لا يجزى﴾ من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء تقديره تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع، أما قوله تعالى :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا. واعلم أن الضمير في قوله :﴿ولا يقبل منها﴾ راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا. أما قوله تعالى :﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا، أي لا أرى له نظيرا. قال تعالى :﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ ونظيره هذه الآية قوله تعالى :﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ وقال تعالى :﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾.
أما قوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله :«انصر أخاك ظالما أو مظلوما »، ومنه معنى الإغاثة، تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى :﴿من كان يظن أن لن ينصره الله﴾ أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصارا، قال تعالى :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ قالوا معناه : فانتقمنا له، فقوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى :﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقوله تعالى :﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.
الأول : قوله تعالى :﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا، الثاني : قوله تعالى :﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث : قوله تعالى :﴿ولا هم ينصرون﴾ ولو كان محمد شفيعا لأحد من العصاة لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين، الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم، الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقا إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضا نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوما لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه منافع المستحق للعقاب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجرا عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع، وثانيها : قوله تعالى :﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعا يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحدا، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعا لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملا لها على معنى لا يفيد. الثاني : أنه تعالى نفى شفيعا يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمرا له وحاكما عليه ومثله لا يسمى شفيعا فأفاد قوله :«شفيع » كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله :﴿يطاع﴾ على من فوقه فوجب حمله على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ( ورابعها ) : قوله تعالى :﴿وما للظالمين من أنصار﴾ ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. ( وخامسها ) : قوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق. ( وسادسها ) : قوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية. ( وسابعها ) : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصرا على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر.
لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين. ( الأول ) : ليس يجب إذا شرطنا شرطا في قولنا : اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطا في قولنا ا