جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ﴾
أما تأويل قوله : وإذْ نَجّيْناكُمْ فإنه عطف على قوله : يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ فكأنه قال : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إنعامنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون بإنجائنا لكم منهم.
وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل «آل » أهل، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا ماه، فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا مُوَيه، فردّوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا : أهيل. وقد حُكي سماعا من العرب في تصغير آل : أويل. وقد يقال : فلان من آل النساء، يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهنّ ويهواهن، كما قال الشاعر :
وأحسن أماكن «آل » أن ينطق به مع الأسماء المشهورة، مثل قولهم : آل النبي محمد ﷺ وآل عليّ، وآل عباس، وآل عقيل. وغير مستحسن استعماله مع المجهول، وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال : رأيت آل الرجل، ورآني آل المرأة، ولا رأيت آل البصرة، وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول : رأيت آل مكة وآل المدينة، وليس ذلك في كلامهم بالمستعمل الفاشي. وأما فرعون فإنه يقال : إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمّى به، كما كانت ملوك الروم يُسمّي بعضهم قيصر وبعضهم هرقل، وكما كانت ملوك فارس تُسمى الأكاسرة واحدهم كسرى، وملوك اليمن تسمى التبابعة واحدهم تبع. وأما فرعون موسى الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال : إن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.
حدثنا بذلك محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان.
وإنما جاز أن يقال : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر : فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم، والمخبر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان المقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية :
ولم يلق جرير هذيلاً ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده. ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله عزّ وجلّ من خاطبه بقوله : وَإِذْ نَجّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم.
وفي قوله : يَسُومُونَكُمْ وجهان من التأويل، أحدهما : أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذٍ : واذكروا نعمتي عليكم إذ نجّيتكم من آل فرعون، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع «يسومونكم » رفعا. والوجه الثاني : أن يكون «يسومونكم » حالاً، فيكون تأويله حينئذٍ : وإذْ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالاً من آل فرعون.
وأما تأويل قوله : يَسُومُونَكُمْ فإنه يوردونكم، ويذيقونكم، ويُولونكم، يقال منه : سامه خطة ضيم : إذا أولاه ذلك وأذاقه، كما قال الشاعر :
إنْ سِيمَ خَسْفا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فأما تأويل قوله : سُوءَ العَذَابِ فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم : أشدّ العذاب ولو كان ذلك معناه لقيل : أسوأ العذاب.
فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم ؟ قيل : هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال : يُذَبّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ. وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : أخبرنا ابن إسحاق، قال : كان فرعون يعذّب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولاً، وصنّفهم في أعماله، فصنفٌ يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله عزّ وجل : سُوءَ العَذَابِ.
وقال السدي : جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي.
قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل من سَوْمهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم دون فرعون، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوّة فرعون وعن أمره، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حيّ بنفسه وإن كان عن أمر غيره، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه، وإن كان الأمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك، سلطانا كان الاَمر أو لصّا خاربا أو متغلبا فاجرا، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون، وإن كانوا بقوّة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله.
وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل، واستحيائهم نساءهم، فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي :
حدثنا به العباس بن الوليد الأملي وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال : حدثنا القاسم بن أيوب، قال : حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا وائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشّفارَ، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قال : توشكون أن تُفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقلّ أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أمّ موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية أمه، حتى إذا كان القابل حملت بموسى.
وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، قال : حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد في هذه العام مولود يذهب بملكك. قال : فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشرة رجلاً فقال : انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلّوا عنها. وذلك قوله : يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيمٌ.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقالت الكهنة : إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله ويستحيي الجواري.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية، قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، وإنه أتاه آت، فقال : إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل فيظهر عليك ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم.
وحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط بن نصر عن السدي، قال : كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازَة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى : إِنّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ يقول : تجبر في الأرض : وجعل أهلها شِيَعا، يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة، يستضعفُ طائِفَةً منهم يُذَبّحُ أبْنَاءَهُمْ. فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون، فكلموه، فقالوا : إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون، فترك فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى.
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحُزَاتُه إليه، فقالوا له : تعلّم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه، يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدّل دينك. فلما قالوا له ذلك، أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان، وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء مملكته، فقال لهن : لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتُنّه. فكنّ يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذّبن حتى يطرحن ما في بطونهن.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : لقد ذكر أنه كان ليأمر بالقصب ف
أما تأويل قوله : وإذْ نَجّيْناكُمْ فإنه عطف على قوله : يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ فكأنه قال : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إنعامنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون بإنجائنا لكم منهم.
وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل «آل » أهل، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا ماه، فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا مُوَيه، فردّوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا : أهيل. وقد حُكي سماعا من العرب في تصغير آل : أويل. وقد يقال : فلان من آل النساء، يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهنّ ويهواهن، كما قال الشاعر :
| فإنّكَ مِنْ آلِ النّساءِ وَإِنّمَا | يَكُنّ لأدْنى لا وِصَالَ لِغَائِبِ |
حدثنا بذلك محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان.
وإنما جاز أن يقال : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر : فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم، والمخبر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان المقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية :
| وَلَقَدْ سَمَا لَكُمْ الهُذَيْلُ فنالَكُم | ْبإرَابَ حَيْثُ يقسم الأنْفالا |
| في فَيْلَقٍ يَدْعو الأرَاقمَ لمْ تكُنْ | فرْسَانُهُ عُزْلاً وَلا أكْفَالا |
القول في تأويل قوله تعالى : يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَاب.
وفي قوله : يَسُومُونَكُمْ وجهان من التأويل، أحدهما : أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذٍ : واذكروا نعمتي عليكم إذ نجّيتكم من آل فرعون، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع «يسومونكم » رفعا. والوجه الثاني : أن يكون «يسومونكم » حالاً، فيكون تأويله حينئذٍ : وإذْ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالاً من آل فرعون.
وأما تأويل قوله : يَسُومُونَكُمْ فإنه يوردونكم، ويذيقونكم، ويُولونكم، يقال منه : سامه خطة ضيم : إذا أولاه ذلك وأذاقه، كما قال الشاعر :
إنْ سِيمَ خَسْفا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فأما تأويل قوله : سُوءَ العَذَابِ فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم : أشدّ العذاب ولو كان ذلك معناه لقيل : أسوأ العذاب.
فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم ؟ قيل : هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال : يُذَبّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ. وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : أخبرنا ابن إسحاق، قال : كان فرعون يعذّب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولاً، وصنّفهم في أعماله، فصنفٌ يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله عزّ وجل : سُوءَ العَذَابِ.
وقال السدي : جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي.
القول في تأويل قوله تعالى : يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ.
قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل من سَوْمهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم دون فرعون، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوّة فرعون وعن أمره، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حيّ بنفسه وإن كان عن أمر غيره، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه، وإن كان الأمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك، سلطانا كان الاَمر أو لصّا خاربا أو متغلبا فاجرا، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون، وإن كانوا بقوّة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله.
وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل، واستحيائهم نساءهم، فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي :
حدثنا به العباس بن الوليد الأملي وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال : حدثنا القاسم بن أيوب، قال : حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا وائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشّفارَ، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قال : توشكون أن تُفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقلّ أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أمّ موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية أمه، حتى إذا كان القابل حملت بموسى.
وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، قال : حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد في هذه العام مولود يذهب بملكك. قال : فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشرة رجلاً فقال : انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلّوا عنها. وذلك قوله : يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيمٌ.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقالت الكهنة : إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله ويستحيي الجواري.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله : وَإِذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية، قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، وإنه أتاه آت، فقال : إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل فيظهر عليك ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم.
وحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط بن نصر عن السدي، قال : كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازَة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى : إِنّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ يقول : تجبر في الأرض : وجعل أهلها شِيَعا، يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة، يستضعفُ طائِفَةً منهم يُذَبّحُ أبْنَاءَهُمْ. فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون، فكلموه، فقالوا : إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون، فترك فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى.
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحُزَاتُه إليه، فقالوا له : تعلّم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه، يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدّل دينك. فلما قالوا له ذلك، أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان، وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء مملكته، فقال لهن : لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتُنّه. فكنّ يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذّبن حتى يطرحن ما في بطونهن.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : لقد ذكر أنه كان ليأمر بالقصب ف