البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الفرق : الفصل، فرق بين كذا وكذا : فصل، وفرق كذا : فصل بعضه من بعض، ومنه : الفرق في شعر الرأس، والفريق، والفرقان، والتفرق، والفرق، المفروق، كالطحن.
والفرق ضده : الجمع، ونظائره : الفصل، وضده : الوصل، والشق والصدع : وضدهما اللأم، والتمييز : وضده الاختلاط.
وقيل : يقال فرق في المعانى، وفرق في الأجسام، وليس بصحيح.
البحر : مكان مطمئن من الأرض يجمع المياه، ويجمع في القلة على أبحر، وفي الكثرة على بحور وبحار، وأصله قيل : الشق، وقيل : السعة.
فمن الأول : البحيرة، وهي التي شقت أذنها، ومن الثاني : البحيرة، المدينة المتسعة، وفرس بحر : واسع العدو، وتبحر في العلم : أي اتسع، وقال :
وجاء استعماله في الماء الحلو والماء الملح، قال تعالى :﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج﴾ وجاء استعماله للملح، ويقال : هو الأصل، فيه أنشد أحمد بن يحيى :
أي صار ملحاً.
الغرق : معروف، والفعل منه فعل بكسر العين يفعل بالفتح، قال :
وتارات يجمّ فيغرق***
والتغريق، والتعويص، والترسيب، والتغييب، بمعنى واحد.
النظر : تصويب المقلة إلى المرئيّ، ويطلق على الرؤية، وتعديته بإلى، ويعلق، وإن لم يكن من أفعال القلوب، فلينظر أيها أزكى طعاماً، ونظره وانتظره وانظره : أخره، والنظرة : التأخير.
﴿وإذا فرّقنا بكم البحر﴾ : معطوف على : وإذ نجيناكم فالعامل فيه ما ذكر أنه العامل في إذ تلك بواسطة الحرف.
وقرأ الزهري : فرّقنا بالتشديد، ويفيد التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر مسلكاً على عدد أسباط بني إسرائيل.
ومن قرأ : فرقنا مجرداً، اكتفى بالمطلق، وفهم التكثير من تعداد الأسباط.
بكم : متعلق بفرّقنا، والباء معناها : السبب، أي بسبب دخولكم، أو المصاحبة : أي ملتبساً، كما قال :
تدوس بنا الجماجم والتريبا***
أي ملتبسة بنا، أو : أي جعلناه فرقاً بكم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما، وهو قريب من معنى الاستعانة، أو معناها اللام، أي فرّقنا لكم البحر، أي لأجلكم، ومعناها راجع للسبب.
ويحتمل الفرق أن يكون عرضاً من ضفة إلى ضفة، ويحتمل أن يكون طولاً، ونقل كل : وعلى هذا الثاني قالوا : كان ذلك بقرب من موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة.
وذكر العامري : أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين، وهي كانت طريقهم.
البحر : قيل هو بحر القلزم من بحار فارس، وكان بين طرفيه أربعة فراسخ، وقيل : بحر من بحار مصر يقال له أساف، ويعرف الآن ببحر القلزم، قيل : وهو الصحيح، ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط، اثنى عشر مسلكاً.
واختلفوا في عدد المفروق بهم، وعدد آل فرعون، على أقوال يضاد بعضها بعضاً، وحكوا في كيفية خروج بني إسرائيل، وتعنتهم وهم في البحر مقتحمون، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده، حكايات مطوّلة جداً لم يدل القرآن ولا الحديث الصحيح عليها، فالله أعلم بالصحيح منها.
﴿فأنجيناكم﴾ : يعني من الغرق، ومن إدراك فرعون لكم واليوم الذي وقع فيه الفرق والنجاة والغرق كان يوم عاشوراء ؟ واستطردوا إلى الكلام في يوم عاشوراء، وفي صومه، وهي مسألة تذكر في الفقه.
وبين قوله :﴿فرّقنا بكم البحر﴾، وبين قوله :﴿فأنجيناكم﴾ محذوف يدلّ عليه المعنى تقديره : وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم.
﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ والهمزة في أغرقنا للتعدية، ويعدى أيضاً بالتضعيف.
ولم يذكر فرعون فيمن غرق، لأن وجوده معهم مستقرّ، فاكتفى بذكر الآل هنا، لأنهم هم الذين ذكروا في الآية قبل هذه، ونسب تلك الصفة القبيحة إليهم من سومهم بني إسرائيل العذاب، وذبحهم أبناءهم، واستحيائهم نساءهم، فناسب هذا إفرادهم بالغرق.
وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر، منها :﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمّ﴾ ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليمّ ما غشيهم﴾ وناسب نجاتهم من فرعون بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين، نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه السلام من الذبح، بإلقائه وهو طفل في البحر، وخروجه منه سالماً.
ولكل أمّة نصيب من نبيها.
وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق، هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح، لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم، والغرق فيه إبطاء الموت، ولا دم خارج، وكان ما به الحياة ﴿وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ﴾ سبباً لإعدامهم من الوجود.
ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدّة، جعله الله تعالى نكالاً لمن ادّعى الربوبية، فقال :﴿أنا ربكم الأعلى﴾ إذ على قدر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدّعى وتغييبه في قعر الماء.
﴿وأنتم تنظرون﴾ : جملة حالية، وهو من النظر : بمعنى الإبصار.
والمعنى، والله أعلم : أن هذه الخوارق العظيمية من فرق البحر بكم، وإنجائكم من الغرق، ومن أعدائكم، وإهلاك أعدائكم بالغرق، وقع وأنتم تعاينون ذلك وتشاهدونه، لم يصل ذلك إليكم بنقل، بل بالمشاهدة التي توجب العلم الضروري بأن ذلك خارق من عند الله تعالى على يد النبي الذي جاءكم.
وقيل : وأنتم تنظرون إليهم لقرب بعض من بعض، وقيل : إلى طفوهم على وجه الماء غرقى.
وقيل : إليهم وقد لفظهم البحر وهم العدد الذي لا يكاد ينحصر، لم يترك البحر في جوفه منهم واحداً.
وقيل : تنظرون أي بعضكم إلى بعض وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له : أين أصحابنا ؟ فقال : سيروا، فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا : لا نرضى حتى نراهم، فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصار بها كوى، فتراءوا وتسامعوا كلام بعضهم بعضاً.
وهذه الأقوال الخمسة النظر فيها بمعنى الرؤية، وقيل : النظر تجوز به عن القرب، أي وأنتم بالقرب منهم، أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم : أنت مني بمرأى ومسمع، أي قريب بحيث أراك وأسمعك، قاله ابن الأنباري.
وقيل : هو من نظر البصيرة والعقل، ومعناه : وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت إليهم.
وقيل : النظر هنا بمعنى العلم، لأن العلم يحصل عن النظر، فكنى به عنه، قاله الفراء، وهو معنى قول ابن عباس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ذكر الامتنان على بني إسرائيل فصولاً منها : فرق البحر بهم على الوجه الذي ذكر من كونه صار اثني عشر مسلكاً على عدد الأسباط وبين كل سبط حاجز يمنعهم من الازدحام دون أن يلحقهم في ذلك استيحاش، لأنه صار في كل حاجز كوى بحيث ينظر بعضهم إلى بعض على ما نقل، وهو من أعظم الآيات الدالة على صدق موسى على نبينا وعليه السلام، وهذا الفرق هو النعمة الثالثة، لأن الأولى هي التفضيل، والثانية هي الإنجاء من آل فرعون، والثالثة هي هذا الفرق وما ترتب عليه من إنجائهم من الغرق وإغراق أعدائهم وهم ينظرون بحيث لا يشكون في هلاكهم.
ثم استطرد بعد ذلك إلى ذكر النعمة الرابعة، وهي العفو عن الذنب العظيم الذي ارتكبوه من عبادة العجل، فذكر سبب ذلك، وأنه اتفق ذلك لغيبة موسى عنهم لمناجاة ربه، وأنهم على قصر مدة غيبته انخدعوا بما فعله السامري هذا، ولم يطل عليهم الأمد، وخليفة موسى فيهم أخوه هارون ينهاهم فلا ينتهون، ومع هذه الزلة العظيمة عفا عنهم وتاب عليهم، فأي نعمة أعظم من هذه ؟ ثم ذكر النعمة الخامسة، وهي ثمرة الوعد، وهو إتيان موسى التوراة التي بها هدايتهم، وفيها مصالح دنياهم وآخرتهم.
وجاء ترتيب هذه النعم متناسقاً يأخذ بعضه بعنق بعض، وهو ترتيب زماني، وهو أحد الترتيبات الخمس التي مر ذكرها في هذا الكتاب، لأن التفضيل أمر حكمي، فهو أول ثم وقعت النعم بعده، وهي أفعال يتلو بعضها بعضاً.
فأولها الإنجاء من سوء العذاب، ذبح الأبناء واستحياء النساء بإخراج موسى إياهم من مصر، بحيث لم يكن لفرعون ولا لقومه عليهم تسليط بعد هذا الخروج، والإنجاء، ثم فرق البحر بهم وإرائهم عياناً هذا الخارق العظيم، ثم وعد الله لموسى بمناجاته وذهابه إلى ذلك، ثم اتخاذهم العجل، ثم العفو عنهم، ثم إيتاء موسى التوراة.
فانظر إلى حسن هذه الفصول التي انتظمت انتظام الدرّ في أسلاكها، والزهر في أفلاكها، كل فصل منها قد ختم بمناسبة، وارتقى في ذروة الفصاحة إلى أعلى مناصبه، وارداً من الله على لسان محمد أمينه لسان من لم يتل من قبل كتاباً ولا خطه بيمينه.
والفرق ضده : الجمع، ونظائره : الفصل، وضده : الوصل، والشق والصدع : وضدهما اللأم، والتمييز : وضده الاختلاط.
وقيل : يقال فرق في المعانى، وفرق في الأجسام، وليس بصحيح.
البحر : مكان مطمئن من الأرض يجمع المياه، ويجمع في القلة على أبحر، وفي الكثرة على بحور وبحار، وأصله قيل : الشق، وقيل : السعة.
فمن الأول : البحيرة، وهي التي شقت أذنها، ومن الثاني : البحيرة، المدينة المتسعة، وفرس بحر : واسع العدو، وتبحر في العلم : أي اتسع، وقال :
| انعق بضأنك في بقل تبحره | من الأباطح وأحبسها بخلدان |
| وقد عاد عذب الماء بحراً فزادني | على مرض أن أبحر المشرب العذب |
الغرق : معروف، والفعل منه فعل بكسر العين يفعل بالفتح، قال :
وتارات يجمّ فيغرق***
والتغريق، والتعويص، والترسيب، والتغييب، بمعنى واحد.
النظر : تصويب المقلة إلى المرئيّ، ويطلق على الرؤية، وتعديته بإلى، ويعلق، وإن لم يكن من أفعال القلوب، فلينظر أيها أزكى طعاماً، ونظره وانتظره وانظره : أخره، والنظرة : التأخير.
﴿وإذا فرّقنا بكم البحر﴾ : معطوف على : وإذ نجيناكم فالعامل فيه ما ذكر أنه العامل في إذ تلك بواسطة الحرف.
وقرأ الزهري : فرّقنا بالتشديد، ويفيد التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر مسلكاً على عدد أسباط بني إسرائيل.
ومن قرأ : فرقنا مجرداً، اكتفى بالمطلق، وفهم التكثير من تعداد الأسباط.
بكم : متعلق بفرّقنا، والباء معناها : السبب، أي بسبب دخولكم، أو المصاحبة : أي ملتبساً، كما قال :
تدوس بنا الجماجم والتريبا***
أي ملتبسة بنا، أو : أي جعلناه فرقاً بكم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما، وهو قريب من معنى الاستعانة، أو معناها اللام، أي فرّقنا لكم البحر، أي لأجلكم، ومعناها راجع للسبب.
ويحتمل الفرق أن يكون عرضاً من ضفة إلى ضفة، ويحتمل أن يكون طولاً، ونقل كل : وعلى هذا الثاني قالوا : كان ذلك بقرب من موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة.
وذكر العامري : أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين، وهي كانت طريقهم.
البحر : قيل هو بحر القلزم من بحار فارس، وكان بين طرفيه أربعة فراسخ، وقيل : بحر من بحار مصر يقال له أساف، ويعرف الآن ببحر القلزم، قيل : وهو الصحيح، ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط، اثنى عشر مسلكاً.
واختلفوا في عدد المفروق بهم، وعدد آل فرعون، على أقوال يضاد بعضها بعضاً، وحكوا في كيفية خروج بني إسرائيل، وتعنتهم وهم في البحر مقتحمون، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده، حكايات مطوّلة جداً لم يدل القرآن ولا الحديث الصحيح عليها، فالله أعلم بالصحيح منها.
﴿فأنجيناكم﴾ : يعني من الغرق، ومن إدراك فرعون لكم واليوم الذي وقع فيه الفرق والنجاة والغرق كان يوم عاشوراء ؟ واستطردوا إلى الكلام في يوم عاشوراء، وفي صومه، وهي مسألة تذكر في الفقه.
وبين قوله :﴿فرّقنا بكم البحر﴾، وبين قوله :﴿فأنجيناكم﴾ محذوف يدلّ عليه المعنى تقديره : وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم.
﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ والهمزة في أغرقنا للتعدية، ويعدى أيضاً بالتضعيف.
ولم يذكر فرعون فيمن غرق، لأن وجوده معهم مستقرّ، فاكتفى بذكر الآل هنا، لأنهم هم الذين ذكروا في الآية قبل هذه، ونسب تلك الصفة القبيحة إليهم من سومهم بني إسرائيل العذاب، وذبحهم أبناءهم، واستحيائهم نساءهم، فناسب هذا إفرادهم بالغرق.
وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر، منها :﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمّ﴾ ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليمّ ما غشيهم﴾ وناسب نجاتهم من فرعون بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين، نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه السلام من الذبح، بإلقائه وهو طفل في البحر، وخروجه منه سالماً.
ولكل أمّة نصيب من نبيها.
وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق، هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح، لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم، والغرق فيه إبطاء الموت، ولا دم خارج، وكان ما به الحياة ﴿وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ﴾ سبباً لإعدامهم من الوجود.
ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدّة، جعله الله تعالى نكالاً لمن ادّعى الربوبية، فقال :﴿أنا ربكم الأعلى﴾ إذ على قدر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدّعى وتغييبه في قعر الماء.
﴿وأنتم تنظرون﴾ : جملة حالية، وهو من النظر : بمعنى الإبصار.
والمعنى، والله أعلم : أن هذه الخوارق العظيمية من فرق البحر بكم، وإنجائكم من الغرق، ومن أعدائكم، وإهلاك أعدائكم بالغرق، وقع وأنتم تعاينون ذلك وتشاهدونه، لم يصل ذلك إليكم بنقل، بل بالمشاهدة التي توجب العلم الضروري بأن ذلك خارق من عند الله تعالى على يد النبي الذي جاءكم.
وقيل : وأنتم تنظرون إليهم لقرب بعض من بعض، وقيل : إلى طفوهم على وجه الماء غرقى.
وقيل : إليهم وقد لفظهم البحر وهم العدد الذي لا يكاد ينحصر، لم يترك البحر في جوفه منهم واحداً.
وقيل : تنظرون أي بعضكم إلى بعض وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له : أين أصحابنا ؟ فقال : سيروا، فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا : لا نرضى حتى نراهم، فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصار بها كوى، فتراءوا وتسامعوا كلام بعضهم بعضاً.
وهذه الأقوال الخمسة النظر فيها بمعنى الرؤية، وقيل : النظر تجوز به عن القرب، أي وأنتم بالقرب منهم، أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم : أنت مني بمرأى ومسمع، أي قريب بحيث أراك وأسمعك، قاله ابن الأنباري.
وقيل : هو من نظر البصيرة والعقل، ومعناه : وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت إليهم.
وقيل : النظر هنا بمعنى العلم، لأن العلم يحصل عن النظر، فكنى به عنه، قاله الفراء، وهو معنى قول ابن عباس.
ثم استطرد بعد ذلك إلى ذكر النعمة الرابعة، وهي العفو عن الذنب العظيم الذي ارتكبوه من عبادة العجل، فذكر سبب ذلك، وأنه اتفق ذلك لغيبة موسى عنهم لمناجاة ربه، وأنهم على قصر مدة غيبته انخدعوا بما فعله السامري هذا، ولم يطل عليهم الأمد، وخليفة موسى فيهم أخوه هارون ينهاهم فلا ينتهون، ومع هذه الزلة العظيمة عفا عنهم وتاب عليهم، فأي نعمة أعظم من هذه ؟ ثم ذكر النعمة الخامسة، وهي ثمرة الوعد، وهو إتيان موسى التوراة التي بها هدايتهم، وفيها مصالح دنياهم وآخرتهم.
وجاء ترتيب هذه النعم متناسقاً يأخذ بعضه بعنق بعض، وهو ترتيب زماني، وهو أحد الترتيبات الخمس التي مر ذكرها في هذا الكتاب، لأن التفضيل أمر حكمي، فهو أول ثم وقعت النعم بعده، وهي أفعال يتلو بعضها بعضاً.
فأولها الإنجاء من سوء العذاب، ذبح الأبناء واستحياء النساء بإخراج موسى إياهم من مصر، بحيث لم يكن لفرعون ولا لقومه عليهم تسليط بعد هذا الخروج، والإنجاء، ثم فرق البحر بهم وإرائهم عياناً هذا الخارق العظيم، ثم وعد الله لموسى بمناجاته وذهابه إلى ذلك، ثم اتخاذهم العجل، ثم العفو عنهم، ثم إيتاء موسى التوراة.
فانظر إلى حسن هذه الفصول التي انتظمت انتظام الدرّ في أسلاكها، والزهر في أفلاكها، كل فصل منها قد ختم بمناسبة، وارتقى في ذروة الفصاحة إلى أعلى مناصبه، وارداً من الله على لسان محمد أمينه لسان من لم يتل من قبل كتاباً ولا خطه بيمينه.