المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( ٥٠ )
﴿فرقنا﴾ معناه : جعلناه(١) فرقاً، وقرأ الزهري «فرَّقنا » بتشديد الراء، ومعنى ﴿بكم﴾ بسببكم، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنهم بهم فرق، وقيل معناه لكم، والباء عوض اللام وهذا ضعيف، و ﴿البحر﴾ هو بحر القلزم، ولم يفرق البحر عرضاً جزعاً(٢) من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة.
وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين وهي كانت طريقهم.
وقيل انفلق البحر عرضاً وانفرق البحر على اثني عشر طريقاً، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضاً، وجازوا، وجبريل ﷺ في ساقتهم على ماذيانة(٣) يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون : مهلاً حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة(٤) فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا.
و ﴿تنظرون﴾ قيل معناه بأبصاركم، لقرب بعضهم من بعض.
وقيل معناه ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار.
وقيل : إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم.
وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر، كما تقول : هذا الأمر منك بمرأى ومسمع، أي بحال تراه وتسمعه إن شئت.
قال الطبري رحمه الله : وفي إخبار القرآن على لسان محمد ﷺ بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي(٥) على بني إسرائيل، دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوة محمد ﷺ.
١ - أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه طرق ومسالك على عدد الأسباط الإسرائلية. وكان ذلك بعصا [موسى] كما يشهد بذلك قوله تعالى: [أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم] وهذا أصح وأقوى مما بعده. وقال في المصباح: "فرقت بين الشيء فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه، وفرقت بين الحق والباطل فصلت أيضا، هذه هي اللغة العالية وبها قرأ السبعة قوله تعالى: [فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين]، وفي لغة من باب ضرب، وقرأ بها بعض التابعين وقال ابن الأعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفف، وفرقت بين العبدين فتفرقا مثقل، فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان، والذي حكاه غيره أنهما بمعنى واحد، والتثقيل مبالغة". ثم قال: "والفرقة بالكسر من الناس وغيرهم، والجمع فرق مثل سدرة وسدر، والفرق بحذف الهاء مثل الفرِقة، وفي التنزيل: (فكان كل فرق كالطود العظيم) والجمع أفراق مثل حِمل وأحمال، والفريق كذلك..
٢ - يقال: جزعت الوادي جزعا من باب نفع: قطعته إلى الجانب الآخر، والمراد أن الفرق كان طولا لا عرضا..
٣ - لعلها الرمكة المذكورة بعد. وفي القاموس: والماذيانات- وتفتح ذالها-: مسايل الماء، أو ما ينبت على حافتي مسيل الماء، أو ما ينبت حول السواقي- ويقال: أمذى الفرس: أرسله يرعى في الماذيانات..
٤ - الرمكة: الأنثى من البراذين، والجمع رِماك ورَمَكات وأرْماك أيضا..
٥ - وفي بعض النسخ: إلا في حق بني إسرائيل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى