التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
رابعاً : نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل :
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره، فقال تعالى :
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...﴾
المواعدة : مفاعلة من الجانبين، وهي هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ( وعدنا ). وقيل : المفاعلة على بابها، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين.
وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه، فوعده - سبحانه - أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسداً له خوار فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه، فرجع إليهم غاضباً حزيناً، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم، فلما فعلوا ذلك عفا الله عنهم لكي يشكروه، ويلتزموا الصراط المستقيم.
ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدتم العجل في غيبته، فلم نعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا توبتكم، وعفونا عنكم، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى.
وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في الغباوة والبلادة وهو العجل.
وفي اختيار حرف العطف ( ثم ) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ﴿اتخذتم العجل﴾ إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو " إلهاً أو معبوداً لشناعة ذكره ولعلهم بأنهم اتخذوه إلهاً ".
وقوله تعالى :﴿مِن بَعْدِهِ﴾ معناه : من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم. وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوي الإِيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى.
وجملة ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل معبوداً، مقروناً بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإِشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان، ما يدل على غباء بني إسرائيل وقصر نظرهم. لأنهم اتخذوا العجل إلهاً بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم، كما تضمنتا تسلية للرسول ﷺ عما كان يشاهده من اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية، فكأنه سبحانه يقول : إن ما قام به بنو إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعل ما يشبهه آباؤهم الأقدمون مع نبيهم موسى - عليه السلام - فلقد اتخذوا في غيبته عجلاً جسداً له خوار دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ظالمين.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره، فقال تعالى :
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...﴾
المواعدة : مفاعلة من الجانبين، وهي هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ( وعدنا ). وقيل : المفاعلة على بابها، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين.
وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه، فوعده - سبحانه - أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسداً له خوار فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه، فرجع إليهم غاضباً حزيناً، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم، فلما فعلوا ذلك عفا الله عنهم لكي يشكروه، ويلتزموا الصراط المستقيم.
ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدتم العجل في غيبته، فلم نعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا توبتكم، وعفونا عنكم، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى.
وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في الغباوة والبلادة وهو العجل.
وفي اختيار حرف العطف ( ثم ) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ﴿اتخذتم العجل﴾ إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو " إلهاً أو معبوداً لشناعة ذكره ولعلهم بأنهم اتخذوه إلهاً ".
وقوله تعالى :﴿مِن بَعْدِهِ﴾ معناه : من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم. وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوي الإِيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى.
وجملة ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل معبوداً، مقروناً بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإِشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا.