محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥١ من سورة البقرة في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥١ من سورة البقرة

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم : وَاعَدْنا بمعنى أن الله تعالى واعد موسى ملاقاة الطور لمناجاته، فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة وَاعَدْنا على «وعدنا » أن قالوا : كل إيعاد كان بين اثنين للالتقاء أو الاجتماع، فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك، فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ : واعدنا بالاختيار على قراءة من قرأ «وعدنا ».
وقرأ بعضهم :«وعَدْنا » بمعنى أن الله الواعد موسى، والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك، أن قالوا : إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشرّ. قالوا : وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جل ثناؤه : إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقّ وقال : وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أنها لَكُمْ قالوا : فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله :«وإذْ وَعَدْنا مُوسَى ».
والصواب عندنا في ذلك من القول، أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان، وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء، وكان الله عزّ ذكره لموسى واعدا ومواعدا له المناجاة على الطور، وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتين من «وعد » و«واعد » قرأ القارئ، فهو الحقّ في ذلك من جهة التأويل واللغة، مصيب لما وصفنا من العلل قبل.
ولا معنى لقول القائل : إنما تكون المواعدة بين البشر، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب والخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه، لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بين اثنين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود إنما هو ما كان بمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.

القول في تأويل قوله تعالى : مُوسَى.


وموسى فيما بلغنا بالقبطية كلمتان، يعني بهما : ماء وشجر، فمو : هو الماء، وسا : هو الشجر. وإنما سُمي بذلك فيما بلغنا، لأن أمه لما جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم كما أوحى الله إليها وقيل : إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل دفعته أمواج اليم، حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأخذنه، فسُمي باسم المكان الذي أصيب فيه. وكان ذلك المكان فيه ماء وشجر، فقيل : موسى ماء وشجر : كذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي.
وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق.
حدثني بذلك ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل عنه.

القول في تأويل قوله تعالى : أرْبَعِينَ لَيْلَةً.


ومعنى ذلك وَإذْ وَاعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه : وإذْ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله : واسألِ القَرْيَةَ وبقولهم اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين وتمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن بغير برهان دالّ على صحته. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وهو ما :
حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله : وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً قالَ : يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه، واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد. فقرّبه الربّ إليه نجيّا، وكلمه، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال : وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه ربه فيها بما شاء. واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال : إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين فخرج موسى إلى ربه متعجلاً للقائه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامريّ يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر.

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ اتّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ.


وتأويل قوله : ثُمّ اتّخَذْتُمُ العجْلَ منْ بَعْدِهِ ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. والهاء في قوله «من بعده » عائدة على ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا ﷺ من يهود بني إسرائيل المكذّبين به المخاطبين بهذه الآية، عن فعل آبائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم وسبوغ آلائه لديهم، معرّفهم بذلك أنهم من خلافهم محمدا ﷺ وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه على مثل منهاج آبائه وأسلافهم، ومحذّرهم من نزول سطوته بهم بمقامهم على ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم المكذّبين بالرسل من المسخ واللعن وأنواع النقمات.
وكان سبب اتخاذهم العجل ما :
حدثني به عبد الكريم بن الهيثم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، قال : حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان، فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحّم خلفها. قال : وعرف السامريّ جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال : أخذ من تحت الحافر قبضة.
قال سفيان : فكان ابن مسعود يقرؤها :«فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول ». قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس : وألقي في رُوع السامري أنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأصْلِحْ ومضى موسى لموعد ربه. قال : وكان مع بني إسرائيل حليّ من حليّ آل فرعون قد تعوّروه، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه، قال السامريّ بالقبضة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا وقال : كن عجلاً جسدا له خوار فصار عجلاً جسدا له خوار. وكان يدخل الريح في دبره ويخرج من فيه يسمع له صوت، فقال : هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون : يا قَوْمِ إنّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وإنّ رَبّكُمْ الرّحْمَنُ فاتّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْهِ عاكِفينَ حتى يَرْجَعَ إلَيْنَا مُوسَى.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي : لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل يعني من أرض مصر أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط. فلما نجّى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله، فأقبل على فرس فرآه السامري، فأنكره، وقال : إنه فرس الحياة. فقال حين رآه : إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر حافر الفرس. فانطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حليّ القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحليّ في تلك الحفرة، وجاء السامريّ بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله من الحليّ عجلاً جسدا له خوار. وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدّوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما كان تمام العشرين خرج لهم العجل فلما رأوه قال لهم السامري : هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول : ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه. وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل إنّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ يقول : إنما ابتليتم به يقول : بالعجل وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له : وما أعجلَكَ عَنْ قَوْمكَ يا موسَى قالَ هُمْ أُولاءِ على أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبي لِتَرْضَى قال فإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ منْ بَعْدِكَ وأضَلّهُمُ السّامِري فأخبره خبرهم. قال موسى : يا ربّ هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح من نفخها فيه ؟ قال الرب : أنا. قال : ربّ أنت إذا أضللتهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال : كان فيما ذكر
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بهم ما حل بفرعون وآله، في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: (وأنتم تنظرون)، كمعنى قول القائل:"ضربت وأهلك ينظرون، فما أتوك ولا أعانوك" بمعنى: وهم قريب بمرأى ومسمع، وكقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) [الفرقان: ٤٥]، وليس هناك رؤية، إنما هو علم.
قال أبو جعفر: والذي دعاه إلى هذا التأويل، أنه وجه قوله: (وأنتم تنظرون)، أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون، فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا -مما اكتنفهم من البحر- إلى فرعون وغرقه. وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم -على ما قد وصفنا آنفا- والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾


اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك، (١) فقرأ بعضهم: (واعدنا) بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته، (٢) فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة (واعدنا) على"وعدنا" أن قالوا: كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء والاجتماع، (٣) فكل واحد منهما
(١) في المطبوعة في الموضعين: "القراء"، كما فعل كثيرا فيما مضى. والقَرَأَة جمع قارئ.
(٢) في المطبوعة: "ملاقاة الطور"، ولا أدري لم غيره من غيره!.
(٣) في المطبوعة: "كل إبعاد.. أو الاجتماع"، ولا أدري لم فعل ذلك!. واتعد اتعادا افتعل، من الوعد.
مواعد صاحبه ذلك. فلذلك -زعموا- (١) وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ (واعدنا) بالاختيار على قراءة من قرأ"وعدنا".
وقرأ بعضهم:"وعدنا" بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جل ثناؤه: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) [إبراهيم: ٢٢] وقال: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) [الأنفال: ٧]. قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله:"وإذ وعدنا موسى".
* * *
والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. (٢) فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان. وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك، إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء. فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا
(١) في المطبوعة: "فلذلك رموا أنه وجب" بزيادة أنه"، وهي زيادة مفسدة للمعنى.
(٢) انظر ما مضى في تفسير"الظاهر": ٤٤، والمراجع.
له المناجاة على الطور، (١) وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من"وعد" و"واعد" قرأ القارئ، فهو للحق في ذلك -من جهة التأويل واللغة- مصيب، لما وصفنا من العلل قبل. (٢)
ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب، والخير والشر، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه -لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا: من أن كل اتعاد كان بين اثنين، (٣) فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدة بينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان بمعنى"الوعد" الذي هو خلاف"الوعيد".
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿مُوسَى﴾


وموسى -فيما بلغنا- بالقبطية كلمتان، يعني بهما: ماء وشجر."فمو"، هو الماء، و"شا" هو الشجر. (٤) وإنما سمي بذلك -فيما بلغنا- لأن أمه لما جعلته في التابوت -حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن
(١) في المطبوعة: قد كان وعد موسى" بزيادة"قد"، وفيها أيضًا "وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا"، والواو هنا ليست بشيء في قوله"وكان"، و"مواعدا".
(٢) في المطبوعة: "فهو الحق في ذلك... "، وهو خطأ.
(٣) في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف: "كل إبعاد"، وهو فساد وخطأ.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "سا" وأثبت ما في التاريخ.
التابوت فأخذنه، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر، (١) فقيل: موسى، ماء وشجر. كذلك:-
٩١٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي. (٢)
* * *
وقال أبو جعفر: وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق.
٩١٣ - حدثني بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه. (٣).
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾


ومعنى ذلك: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] وبقولهم:"اليوم أربعون منذ خرج فلان"،"واليوم يومان". أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.
قال أبو جعفر: وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة. فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، (٤) بغير برهان دال على صحته.
* * *
(١) في المطبوعة: "وكان ذلك المكان فيه" وليست بشيء.
(٢) الأثر: ٩١٢ تاريخ الطبري ١: ٢٠١ في خبر طويل.
(٣) الأثر: ٩١٣ - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري ١: ١٩٨.
(٤) انظر تفسير"ظاهر" و" باطن" فيما سلف ص: ٤٤، والمراجع قبلها.
وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وهو ما:-
٩١٤ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)، قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح -وكانت الألواح من برد (١) - فقربه الرب إليه نجيا، وكلمه، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. (٢)
٩١٥ - وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
٩١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق قال: وعد الله موسى-حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. (٣) واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، (٤) وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. (٥)
٩١٧ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
(١) في المطبوعة: "وكانت الألواح من زبرجد"، والصواب ما أثبته من المخطوطة، ومما جاء عن أبي العالية، في صفة الألواح ٩: ٤٦ (بولاق).
(٢) صريف الأقلام: صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة. وقوله: "لم يحدث حدثا"، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة.
(٣) في المطبوعة: "تلقاه ربه فيها بما شاء".
(٤) في المطبوعة: "للقائه"، وهما سواء في المعنى.
(٥) الأثر: ٩١٦ - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري ١: ٢١٧ - ٢١٨، ولكن قطعه الطبري، وأتمه من خبر السدي.
أسباط عن السدي قال: انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾


وتأويل قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده)، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و"الهاء" في قوله"من بعده" عائدة على ذكر موسى.
فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا ﷺ من يهود بني إسرائيل، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم، وشيوع آلائه لديهم، (٢) مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاف محمد ﷺ وتكذيبهم به، وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه (٣) - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم، ومحذِّرَهم من نزول سطوته بهم =بمقامهم على ذلك من تكذيبهم= ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل: من المسخ واللعن وأنواع النقمات.
وكان سبب اتخاذهم العجل، ما:-
٩١٨ - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم
(١) الأثر: ٩١٧ - في تاريخ الطبري في خبر طويل ١: ٢١٨، وسيأتي تمامه في رقم: ٩١٩.
(٢) في المطبوعة: "سبوغ آلائه". وشيوع آلائه: ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم. وانظر ما سيأتي بعد ص: ٧٧، تعليق: ٢.
(٣) في المطبوعة: "من خلافهم محمدا.. ".
ذنوب حصان، فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. (١) قال: وعرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ. فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. -قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول" [طه: ٩٦].
قال أبو سعيد قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رَوْع السامري (٢) إنك لا تلقيها على شيء فتقول:"كن كذا وكذا" إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح. ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه، (٣) فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، (٤) فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري! قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.
٩١٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
(١) انظر آخر الأثر رقم: ٩٠٩ فهو هذا بنصه، ثم يأتي تمامه.
(٢) الروع (بضم الراء) : القلب والعقل. وقع ذلك في روعي: أي في نفسي وخلدي وبالي.
(٣) تعور الشيء واستعاره: أخذه عارية، كما تقول: تعجب واستعجب.
(٤) قال بالقبضة: رفعها مشيرا بيده ليلقيها. وقد مضى تفسير ذلك في ص: ٥٤ تعليق: ٣.
أسباط بن نصر، عن السدي: لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله. فأقبل على فرس، فرآه السامري فأنكره وقال: إنه فرس الحياة! فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر -حافر الفرس- فانطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة، وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار. وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما كان تمام العشرين، خرج لهم العجل. فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فتنتم به -يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل- وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري، فأخبره خبرهم. قال موسى؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: رب أنت إذا أضللتهم. (١)
٩٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان
(١) الأثر: ٩١٩ - مضى صدره في رقم: ٩١٧. وفي التاريخ ١: ٢١٨.
-فيما ذكر لي- أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب، فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلما أذن فرعون في الناس، كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! (١)
٩٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل. فلما فضل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى إلى ربه، (٢) قال لهم هارون: أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا، فتطهروا منها، فإنها نجس. وأوقد لهم نارا فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم.
فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي، (٣) فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسر الحلي فيها، ورأى السامري، أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره، (٤) ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: (٥) يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها وقال:"كن عجلا جسدا له خوار"، فكان، للبلاء والفتنة. فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: (فنسي) [طه: ٨٨] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - (أَفَلا
(١) الأثر: ٩٢٠ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٦. وفي المطبوعة"أن يخرجوا بأنفسهم"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ. نفله الشيء: جعله نفلا، أي غنيمة مستباحة.
(٢) فصل فلان عن البلد يفصل فصولا: إذا خرج وفارقها
(٣) في المطبوعة: "بما كان معهم"، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه.
(٤) في المطبوعة: "أخذ ترابا"، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم، فيما زعموا.
(٥) في تاريخ الطبري: "ثم أقبل إلى الحفرة... ".
يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا) [طه: ٨٩] وكان اسم السامري موسى بن ظفر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل. (١) فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: ٩٠-٩١] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون، إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. وكان له هائبا مطيعا (٢).
٩٢٢ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره (٣) وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كان يسره أن يتعجل إليه (٤). قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم، فاجمعوا نارا، فألقوه فيها فأحرقوه. قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة، فيبست عليها يده. فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري
(١) هو كما ذكر في أول الخبر من أهل"باجرما"، وباجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة، من أرض الجزيرة. (ياقوت). ويقال: موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم). وقال الميداني في شرح المثل: [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية.
(٢) الأثر: ٩٢١ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) في المطبوعة: "بما أمره به".
(٤) في المطبوعة: "نجح"، وأنجح: أدرك طلبته وبلغ النجاح. وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ.
معهم القبضة، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الخبيث: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)، الآية، إلى قوله: (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: ٨٨-٩١] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) فقرأ حتى بلغ: (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) [طه: ٨٦].
٩٢٣ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده) قال: العجل: حسيل البقرة (١). قال: حلي استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه، فانسبك، فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح.
٩٢٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: إنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.
٩٢٥ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن.
٩٢٦ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه (٢)
* * *
(١) الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة.
(٢) الأثران: ٩٢٥، ٩٢٦ - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال: "قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "ثم اتخذتم العجل" قال: العجل: حسيل البقرة... " ثم ساق نص ما في الأثر: ٩٢٤. فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾


يعني" وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا -في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا- أن أصل كل ظلم، وضع الشيء في غير موضعه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (١).
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾


قال أبو جعفر: وتأويل قوله: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك)، يقول: تركنا معاجلتكم بالعقوبة،"من بعد ذلك"، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها. كما:-
٩٢٧ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك)، يعني من بعد ما اتخذتم العجل.
* * *
وأما تأويل قوله: (لعلكم تشكرون)، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى"لعل" في هذا الموضع معنى"كي". وقد بينت فيما مضى قبلُ أن أحد معاني"لعل""كي"، بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع (٢).
* * *
فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل.
* * *
(١) انظر ما مضى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٢) انظر ما مضى ١: ٣٦٤ - ٣٦٥.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمَد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى :﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي عَفْوِي عَنْكُمْ، لَمَّا عَبَدْتُمُ الْعِجْلَ بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، عِنْدَ انْقِضَاءِ أمَد الْمُوَاعَدَةِ، وَكَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَعْرَافِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] قِيلَ: إِنَّهَا ذُو الْقِعْدَةِ بِكَمَالِهِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلَاصِهِمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَإِنْجَائِهِمْ من البحر.
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاةَ ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وَهُوَ مَا يَفْرق بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ -أَيْضًا-بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَلِقَوْلِهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٤٣].
وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ وَهَذَا غَرِيبٌ، وَقِيلَ: عُطِفَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَقَدَّمَتِ الْأَدِيمَ لِرَاقِشِيهِ... فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا...
وَقَالَ الْآخَرُ:
أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدُ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ...
فَالْكَذِبُ هُوَ الْمَيْنُ، وَالنَّأْيُ: هُوَ الْبُعْدُ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ:
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الْهَيْثَمِ...
فَعَطَفَ الْإِقْفَارَ عَلَى الْإِقْوَاءِ وَهُوَ هُوَ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
هَذِهِ صفَةُ تَوْبَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ فَقَالَ: ذَلِكَ حِينَ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَأْنِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَا وَقَعَ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ الْآيَةَ [الْأَعْرَافِ: ١٤٩].
قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ مُوسَى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أَيْ إِلَى خَالِقِكُمْ.
قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ هَاهُنَا: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ جُرْمِهِمْ، أَيْ: فَتُوبُوا إِلَى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَقَدْ عَبَدْتُمْ معه غيره.
(١) في جـ:" "وكقوله".
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ زَيْدٍ الْوَرَّاقِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أن يقتل كل واحد مِنْهُمْ كُلَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَلَدٍ وَوَالِدٍ (١) فَيَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ. فَتَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَاعْتَرَفُوا بِهَا، وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَغَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ. وَهَذَا (٢) قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ الفُتُون، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طه بِكَمَالِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ -مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ -أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ قَالَ: وَاحْتَبَى الَّذِينَ عَبَدُوا (٤) الْعِجْلَ فَجَلَسُوا، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْلِ، فَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلَّة (٥) شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْجَلَتِ الظلَّة (٦) عَنْهُمْ، وَقَدْ أَجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا يَقُولَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَا قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْخَنَاجِرِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يَحْنُو رَجُلٌ عَلَى قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ، فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فكُشِفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ. وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى: أَنْ حَسْبي، فَقَدِ اكْتَفَيْتُ، فَذَلِكَ حِينَ أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ، [وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ ذَلِكَ] (٧).
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ الْقَوْمَ بِشَدِيدٍ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَامُوا يَتَنَاحَرُونَ بِالشِّفَارِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى بَلَغَ اللَّهُ فِيهِمْ نِقْمَتَهُ، فَسَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ، فَجَعَلَ لِحَيِّهِمْ تَوْبَةً، وَلِلْمَقْتُولِ شَهَادَةً.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةُ حنْدس، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [نِقْمَةً] (٨) ثُمَّ انْكَشَفَ عَنْهُمْ، فَجَعَلَ تَوْبَتَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَ: فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَكَانَ مَنْ قُتِل مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا، حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ، حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ (٩) سَبْعُونَ أَلْفًا، وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ: رَبَّنَا أَهْلَكْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، رَبَّنَا البقيةَ البقيةَ،
(١) في ط: "أو والد".
(٢) في جـ: "وهذه".
(٣) وهو في سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٢٦) وسيأتي عند الموضع الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.
(٤) في جـ، ط، ب: "عكفوا".
(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "ظلمة".
(٦) في جـ، ط، ب، أ، و: "الظلمة".
(٧) زيادة من جـ، ط، ب، وفي أ، و: "وروي عن علي رحمة الله عليه نحو ذلك".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في جـ، ط، ب: "منهم".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده، أي : ذهابه.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤٩ - ٥٧} ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي: يولونهم ويستعملونهم، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده بأن كانوا ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ خشية نموكم، ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم.
﴿وَفِي ذَلِكم﴾ أي: الإنجاء ﴿بَلاءٌ﴾ أي: إحسان ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره.
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده، أي: ذهابه.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما.
ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ إما الموت أو الغشية العظيمة، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ وقوع ذلك، كل ينظر إلى صاحبه، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك.
﴿وَالسَّلْوَى﴾ طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم -[٥٣]- ويقيتهم ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فيعود ضرره عليهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
وعدنا
وعد في الخير والشّر، والوعد في الخير، وأوعد في الشر، وكذلك الإيعاد والوعيد.
مُوسى
اسم أعجميّ لا ينصرف للعجمة والعلميّة، ويقال:هو مركّب من «مو» وهو الماء و «شا» وهو الشّجر، فلما عرّب أبدلوا شينه سينا.
اتَّخَذْتُمُ
الاتّخاذ: افتعال من الأخذ.

إعراب الآية ٥١ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

وغيرهم في الجمع. شَفاعَةٌ اسم ما لم يسمّ فاعله وكذا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ابتداء وخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ٤٩]

وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ «إذ» في موضع نصب عطفا على «اذكروا نعمتي». مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قال الكسائي: إنّما يقال: آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان لا يقال: هو من آل حمص ولا من آل المدينة، قال: إنّما يقال في الرئيس الأعظم نحو محمد عليه السلام أهل دينه وأتباعه، وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة، قال: وقد سمعناه في البلدان قالوا: أهل المدينة وآل المدينة، قال أبو الحسن بن كيسان: إذا جمعت آلا قلت: آلون فإن جمعت آلا الذي هو بمنزلة السراب قلت: أوآل مثل مال وأموال. قال أبو جعفر: الأصل في آل أهل ثم أبدل من الهاء ألف فإن صغّرت رددته إلى أصله فقلت أهيل. فِرْعَوْنَ في موضع خفض إلّا أنه لا ينصرف لعجمته. قال الأخفش:
يَسُومُونَكُمْ في موضع رفع على الابتداء، وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم. قرأ ابن محيصن يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ «١» والتشديد أبلغ لأن فيه معنى التكثير. وَيَسْتَحْيُونَ عطف. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ رفع بالابتداء. عَظِيمٌ من نعته.

[سورة البقرة (٢) : آية ٥٠]

وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
وَإِذْ فَرَقْنا في موضع نصب، وحكى الأخفش فَرَقْنا «٢»، الْبَحْرَ مفعول.

[سورة البقرة (٢) : آية ٥١]

وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر «٣» وشيبة وإذا وعدنا «٤» بغير ألف وهو اختيار أبي عبيد وأنكر «واعدنا» قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جلّ وعزّ فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن كقوله: وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الفتح: ٢٩] وقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال: ٧]. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق «٥» في الكتاب الذي قبل هذا. وكلام أبي عبيد
(١) انظر مختصر ابن خالويه (٥)، والبحر المحيط ١/ ٣٥١.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه (٥)، والمحتسب ١/ ٨٢.
(٣) أبو جعفر: يزيد القعقاع المخزومي المدني أحد القراء العشرة، تابعي، عرض على ابن عباس وغيره، وروى القراءة عن نافع (ت ١٣٠ هـ) ترجمة في غاية النهاية ٢/ ٣٨٢.
(٤) انظر البحر المحيط ١/ ٣٥٢.
(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٠٠، والبحر المحيط ١/ ٣٥٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥١ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

اتَّخَذْتُمُ

ادغام الذال في التاء

هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر خلف عن حمزة قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر روح عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف إدريس عن خلف ورش عن نافع

اظهار الذال

حفص عن عاصم قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير رويس عن يعقوب

مُوسَى أَرْبَعِينَ

بالإمالة ومد المنفصل 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف

بالإمالة ومد المنفصل 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

بالتقليل ومد المنفصل 3 حركات

الدوري عن أبي عمرو

بالتقليل ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

بالتقليل ومد المنفصل حركتين

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

بالفتح ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

بالفتح ومد المنفصل 4 حركات

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

بالفتح ومد المنفصل حركتين

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير رويس عن يعقوب روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير

بالفتح ومد المنفصل3 حركات

قالون عن نافع

بالفتح ومد المنفصل4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

وَاعَدْنَا

(واعدنا) بإثبات الألف

هشام عن ابن عامر إدريس عن خلف قالون عن نافع ورش عن نافع إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة الدوري عن الكسائي خلاد عن حمزة

(وَعَدْنا) بحذف الألف

ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ٥١ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥١ من سورة البقرة

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٤ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم اتخذتم العجل﴾ إلهًا ﴿من بعده﴾، يعني: من بعد انطلاق موسى إلى الجبل[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٢٣.]][[c=٣٦٦]]
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- ثم أنبأهم١ رفع الطور عليهم، واتخاذ العجل إلهًا دون ربهم٢
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، والنسخة التي حققها د. أحمد الزهراني ص٢٨٢، وفي سيرة ابن هشام ١‏/‏٥٤٢: ثم أنّـبَهم برفع الطور. وقد نَبَّه المحقق على ذلك.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٧٥.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قوله: الظالمون، قال: أصحاب العجل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٠٨ (٥١٤).
٤
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط-: أنّ موسى إنّما سُمِّي بذلك لأنّ أمه لما جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون، وألقته في اليم كما أوحى الله إليها، دفعته أمواج اليَمِّ، حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسِيَةَ امرأةِ فرعون يغتسلن، فوَجَدْنَ التّابُوت، فأَخَذْنَه، فسُمِّي باسم المكان الذي أُصِيب فيه، وكان ذلك المكان فيه ماء وشجر، فقيل: موسى؛ ماء وشجر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٦.
٥
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة-: أنّه موسى بن عمران بن يَصْهَر بن قاهِث بن لاوِي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٦.
٦
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، قال: يعني: ذي القعدة وعشرًا من ذي الحجة، وذلك حين خلَّف موسى أصحابه، واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليهم التوراة في الألواح، فقَرَّبَه الرب نَجِيًّا وكَلَّمَه، وسمع صَرِيفَ القلم١. وبَلَغَنا: أنّه لم يُحْدِث حَدَثًا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور٢
التخريج
  1. ١صريف القلم: صوت جريانه. لسان العرب (صرف).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٠٧.
٧
وعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، بنحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٧.
٨
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- قال: انطلق موسى، واستَخْلَف هارونَ على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٨.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ واعدنا موسى﴾ يعني: الميعاد ﴿أربعين ليلة﴾ يعني: ثلاثين من ذي القعدة، وعشر لَيالٍ من ذي الحجة، فكان الميعادُ الجبلَ ليُعْطى التوراة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٠٤.
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- قال: وعد الله موسى -حين أهلك فرعون وقومه، ونَجّاه وقومه- ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتَمَّ ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه ربه فيها بما شاء، واستخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إني مُتَعَجِّل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تَتَّبِع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه مُتَعَجِّلًا للقائه شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السّامِرِيُّ يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/٦٦٦-٦٦٨) ما أفادته الآثار عن أبي العالية والربيع والسدي وابن إسحاق أنّ مواعدة موسى عليه السلام لربه كانت أربعين ليلة بتمامها. وانتَقَد قول بعض نحويي البصرة أنّ المعنى: وإذ واعدانا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي: رأس الأربعين، مستندًا إلى مخالفته ظاهر القرآن، وأقوال السلف، فقال: «وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة فإنّ الله -جل ثناؤه- قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن بغير برهان دال على صحته، وأما أهل التأويل...» وذكر الآثار عمن سبقت الإشارة إليهم. وانتقده ابنُ عطية (١/٢١١) كذلك، وبيَّن أنّ كُلَّ المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد.
١١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- أنّه قال: إنّما سُمِّي: العجل؛ لأنهم عَجَّلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٧٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٠٨ (٥١٢).
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾، قال: العِجْلُ: حَسِيل١ البقرة. قال: حُلِيٌّ استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أخرِجوه، فتَطَهَّرُوا منه وأحرقوه. وكان السّامِرِيُّ قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل، فطرحه فيه، فانسَبَكَ، وكان له كالجوف تهوي فيه الرياح٢
التخريج
  1. ١الحسيل: ولد البقرة الأهلية، وقيل: ولد البقرة بشكل عام. لسان العرب (حسل).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٧٤، ٦٧٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٠٨، ١٠٩ (٥١٣، ٥٤٢). وقد أورد السيوطي الأثر عند تفسير سورة طه.
١٣
عن الحسن البصري، قال: اسم عِجْلِ بني إسرائيل الذي عبدوه: يَهْبُوث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧١.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: كان موسى عليه السلام أخبر بني إسرائيل بمصر، فقال لهم: إذا خرجنا منها أتيناكم من الله عز وجل بكتاب يُبَيِّن لكم فيه ما تَأْتُون وما تَتَّقُون، فلما فارقهم موسى مع السبعين، واستخلف هارونُ أخاه عليهم؛ اتَّخَذوا العجل، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾، يقول: من بعد انطلاق موسى إلى الجبل ﴿وأنتم ظالمون﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٠٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (١/٢١١) في قوله تعالى: ﴿من بَعْدِهِ﴾ قولين آخرين في عود الضمير: الأول: أنه يعود «على انطلاقه للتكليم، إذ المواعدة تقتضيه». والثاني: أنه يعود «على الوعد».

ذكر قصة ذلك

٤ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمَة- قال: لَمّا هَجَمَ فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَس أدْهَم ذَنُوب١ حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتَمَثَّل له جبريل على فرسٍ أنثى ودِيق، فلما رآها الحصان تَقَحَّم خلفها. قال: وعرف السامريُّ جبريلَ؛ لأنّ أمه حين خافت أن يُذبَح خلفته في غارٍ، وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيَغْذُوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنًا، وفي الأخرى عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عايَنَه في البحر عَرَفَه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. قال سفيان: فكان ابنُ مسعود يقرؤها: (فَقَبَضتُ قَبْضَةً مِّنْ أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ)٢. قال أبو سعيد: قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رُوع السامري: أنّك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا وكذا، إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح﴾ [الأعراف:١٤٢]. ومضى موسى لِمَوْعِد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ مِن حُلِيِّ آل فرعون قد تَعَوَّرُوه٣، فكأنهم تَأَثَّمُوا منه، فأخرجوه لتَنزل النار فتأكله، فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه -وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا-، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار. فصار عجلًا جسدًا له خوار، وكان يدخل الريح في دُبُرِه ويخرج من فِيهِ يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه:٩٠-٩١]٤
التخريج
  1. ١الذَّنُوب: الفرس الوافر الذنب. لسان العرب (ذنب).
  2. ٢وهي قراءة شاذة. انظر: الكشاف ٢‏/‏٥٥١، والبحر المحيط ٦‏/‏٢٧٤.
  3. ٣أي: استعاروه. لسان العرب (عور).
  4. ٤أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٦٩.
٢
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط- قال: لَمّا أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل -يعني: من أرض مصر- أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحُلِيَّ من القِبْطِ، فلما نَجّى الله موسى ومَن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون؛ أتى جبريلُ إلى موسى يذهب به إلى الله، فأقبل على فرس، فرآه السّامِرِيُّ، فأنكره، وقال: إنه فرس الحياة. فقال حين رآه: إنّ لِهذا لَشَأنًا. فأخذ مِن تربة الحافر حافر الفرس، فانطلق موسى، واستخلف هارونَ على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إنّ الغنيمة لا تَحِلُّ لكم، وإنّ حُلِيَّ القِبْط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعًا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأَحَلَّها أخذتموها، وإلا كان شيئًا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحُلِيَّ في تلك الحفرة، وجاء السامريُّ بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله مِن الحُلِيِّ عِجْلًا جَسَدًا له خُوار، وعَدَّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعَدُّوا الليلة يومًا واليوم يومًا، فلما كان تمام العشرين خرج لهم العجل، فلما رأوه قال لهم السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه:٨٨]. يقول: ترك موسى إلهه ههنا، وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، ﴿إنما فتنتم به﴾ [طه:٩٠]، يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، ﴿وإن ربكم الرحمن﴾. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ [طه:٨٣-٨٥]. فأخبره خبرهم، قال موسى: يا رب، هذا السامريُّ أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح مَن نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربِّ، أنت إذًا أضللتَهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٧٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (١/٢٠٨) هذا الأثر مختصرًا، ثم قال: «وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته».
٣
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ موسى قطع البحر يوم العاشر من المحرم، فقال بنو إسرائيل: وعدتنا -يا موسى- أن تأتينا بكتاب من ربنا إلى شهر، فأْتِنا بما وعدتنا. فانطلق موسى، وأخبرهم أنه يرجع إلى أربعين يومًا عن أمر ربه عز وجل، فلما سار موسى فدنا من الجبل أمر السبعين أن يقيموا في أصل الجبل، وصعد موسى الجبل، فكلم ربَّه -تبارك اسمه-، وأخذ الألواح فيها التوراة، فلما مضى عشرون يومًا قالوا: أخلفنا موسى العهد. فَعَدُّوا عشرين يومًا وعشرين ليلة، فقالوا: هذا أربعون يومًا. فاتخذوا العجل، فأخبر الله عز وجل موسى بذلك على الجبل، فقال موسى لربه: مَن صَنَع لهم العِجْل؟ قال: السامريُّ صنعه لهم. قال موسى لربه: فمَن نفخ فيه الروح؟ قال الربُّ عز وجل: أنا. فقال موسى: يا رب، السامري صنع لهم العجل فأَضَلَّهُم، وصَنَعْتَ فيه الخوار؛ فأنت فَتَنت قومي. فمِن ثَمَّ قال الله عز وجل: ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ [طه:٨٥]، يعني: الذين خَلَّفَهُم مع هارون سوى السبعين حين أمرهم بعبادة العجل، فلما نزل موسى من الجبل إلى السبعين أخبرهم بما كان، ولم يخبرهم بأمر العجل، ... ثم انصرفوا مع موسى راجعين، فلما دَنَوْا من المُعَسْكَر على ساحل البحر سَمِعُوا اللَّغَط حول العِجْل، فقالوا: هذا قتال في المَحَلَّة. فقال موسى عليه السلام: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة. فلما دخلوا المعسكر رأى موسى ماذا يصنعون حول العجل، فغضب، وألقى الألواح، فانكسر منها لوحان، فارتفع من اللوح بعض كلام الله عز وجل، فأمر بالسامري، فأُخْرِج مِن مَحَلَّة بني إسرائيل، ثم عمد إلى العجل فبَرَدَه بالمِبْرَد، وأحرقه بالنار، ثم ذَرّاه في البحر، فذلك قوله: ﴿لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا﴾ [طه:٩٧]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٠٤-١٠٦.
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: لَمّا أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه؛ قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف:١٤٢]. قال: لَمّا خرج موسى، وأمر هارون بما أمره به، وخرج موسى متعجلًا مسرورًا إلى الله، قد عرف موسى أنّ المرء إذا نجح في حاجة سيده كان يُسْرُه أن يَتَعَجَّل إليه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حُلِيًّا وثيابًا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إنّ هذه الثياب والحُلِيَّ لا تَحِلُّ لكم، فاجمعوا نارًا، فألقوه فيها، فأحرقوه. قال: فجمعوا نارًا، قال: وكان السامري قد نظر إلى أثَرِ دابة جبريل، وكان جبريل على فرس أنثى، وكان السامري في قوم موسى، قال: فنظر إلى أثره، فقبض منه قبضة، فيَبِسَت عليها يده، فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة؛ صَوَّرَ الله -جل وعز- ذلك لهم عِجْلًا ذَهَبًا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامري الخبيث: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه:٨٨-٩١]. قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿أفطال عليكم العهد﴾ [طه:٨٣-٨٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٦٧٣.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥١ من سورة البقرة

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ وَإِذ واعَدنا موسى أَربَعينَ لَيلَةً ﴾ خصَّ الليل بالذكر؛ إشارة إلى أنّ ألذ المناجاة فيه . [البقاعي]

    — محاسن التاويل

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 51 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سرد لنعم الله عز وجل على بني إسرائيل سورة البقرة (48 - 61)

    — محمد الربيعة

  • سورة البقرة (51)

    — محمد الربيعة

  • "برنامج اللطائف النحوية"

    — فريد الزامل

  • سورة البقرة الآية 51 الجزء الثاني

    — فريد الزامل

  • آية (٥١) : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) * الفرق بين قوله تعالى هنا (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) وقوله (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .. (١٤٢)الأعراف) آية فيها إجمال وآية فيها تفصيل ، لماذا ؟ لو عدنا إلى سياق سورة البقرة نجد أنه ورد فيها هذه الآية فقط في هذا المجال بينما في المشهد نفسه في سورة الأعراف فيه تفصيل كبير من قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ .. (١٤٢)) إلى قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ .. (١٤٥)) الكلام طويل والقصة والأحداث في المواعدة مفصلة أكثر في الأعراف ولم تذكر في البقرة لأن المسألة في البقرة فيها إيجاز . * عندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار ، فإذا نظرت إلى قرص الشمس لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن ، ولكن في الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن ، فهناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس فإذا كان القمر هلالا فنحن في أوائل الشهر وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا . وفي منطق الدين الليلة هي ابتداء الزمن ، فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح ، والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهرا للعام الواحد .

    — مختصر لمسات بيانية

  • * ما الفرق بين قوله تعالى (وواعدنا موسى أربعين ليلة) وقوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)؟ قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ {51}) وقال في سورة الأعراف (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ {142}) آية فيها إجمال وآية فيها تفصيل لكن لماذا الإجمال في موضع والتفصيل في موضع آخر؟ لو عدنا إلى سياق سورة البقرة نجد أنه ورد فيها هذه الآية فقط في هذا المجال بينما في المشهد نفسه في سورة الأعراف فيه تفصيل كبير من قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ {142}) إلى قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ {145}) الكلام طويل والقصة والأحداث في المواعدة مفصلة أكثر في الأعراف ولم تذكر في البقرة لأن المسألة في البقرة فيها إيجاز فناسب التفصيل في سورة الأعراف والإيجاز في سورة البقرة لذا جاء في الأعراف أن موسى  صام ثلاثين يوماً ثم أفطر فقال تعالى صم فصام عشرة أيام أخرى أما في سورة البقرة فجاءت على سبيل الإجمال (أربعين يوماً).

    — فاضل السامرائي

  • الآن نفس الشيء الله قال (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴿142﴾ الأعراف) وفي آية أخرى قال (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴿51﴾ البقرة) لماذا مرة أربعين ومرة ثلاثين زائد عشرة؟ نفس الشيء لكن ما الحكمة؟ فعلاً بحثنا عنها في كل مكان ما وجدناها. الذي حصل ما يلي: رب العالمين لماذا يقول له أربعين سنة روح ؟ كلهم قالوا أنه في الحقيقة قال له صم لا ينبغي ولا يليق بالله عز وجل أن تقابله وأن تكلمه وأنت مليء بالطعام والغازات وطبعاً رب العالمين سيدنا موسى فرّ يعني انهزم هرب وهو موسى لاحظ قال ما يليق أنت بطنك مليئة أشياء قد يخرج منك- بول - فهناك من عندما يخاف يبول على نفسه فرب العالمين سبحانه وتعالى أراد أن يهيأ سيدنا موسى تهيئة كاملة بحيث يستطيع أن يصمد أمام تلك الحالة الوحيدة الفريدة له في التاريخ وهو أن الله كلّمه. فرب العالمين قال له أربعين يوم تصوم صوماً كامل وتأتي ناشف ما فيك أي احتمال لأي خلل يسيء الأدب أو يفسد وجودك معي، مقابلتك لي، أربعين يوم لكن أربعين يوم الله لم يأمره بها. ففي الآية التي تسبقها الآية الأساسية الأولى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) الله قال يا موسى صم ثلاثين ليلة وفعلاً شهر الصوم في كل الأديان شهر وراح موسى شهر ولما صام ونشف تماماً بعقله البشري طبعاً ثلاثين يوم لم يكن في ذلك الوقت هنالك مطهر لم يكن هنالك شيء فجلس حوالي يوم كامل يفرك بأسنانه وينظفها وينظف رائحة فمه رب العالمين سيكلمه وجهاً لوجه فهذا اختراع سيدنا موسى يعني هداه عقله والتفكير البشري منطقي. كلنا لما تقابل أنت وجيه تقابل أمير تقابل شيخ تضع عطراً وتتعطر وتنظف ملابسك تكون تليق بمقابلة الملوك فما بالك بملك الملوك؟! سيدنا موسى فعلاً تعطر وتزين وغير من شكله مقابلة ملكية يا الله مقابلة تاريخية لم يحظَ بها إلا موسى من جميع بني آدم إلى يوم القيامة ونظف أسنانه بالتراب حاول بأي شيء عنده فجاء سيدنا موسى إلى رب العالمين كأنه عريس. الله قال له ما الذي فعلته؟ - بما معناه طبعاً هذا كلامنا نحن نشرح- قال له ما هذا الذي فعلته؟ قال أنا أتيت لأكلمك فقال له أنا أمرتك بالصيام لكي أشم رائحة فمك (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك) كل عطور الدنيا لا تساوي عندي وأنا رب العالمين، نفحة من نفحات فمك التي ترونها غير لائقة أنا أراها مسك، أطيب عندي من رائحة المسك لأنه ما من عبادة أحب إلي من عبادة الصيام (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي) ومن ضمن ذلك فإنه لي أنا أحب أن أشم رائحته – بما يليق به سبحانه وتعالى- رائحة فم الصائم التي تضايقنا نحن هي عند الله خيرٌ من كل عطور الدنيا قال له اذهب عشرة أيام أخرى صم ولا تنظف فمك وتعال. واضح إذاً الفرق (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) ثم قال الله (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴿142﴾ الأعراف).

    — أحمد الكبيسي

  • (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) عندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة.. والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار.. الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق.. فإذا نظرت إلى قرص الشمس.. لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن.. هل في أوله أو في وسطه أو في آخره.. ولكن إذا جاء الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن. فإذا كان القمر هلالا فنحن في أوائل الشهر.. وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا.. إن هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس؛ الإنسان العادي يستطيع أن يحدد لك الزمن بالتقريب بالليالي.. ويقول لك البدوي في الصحراء، هذا القمر ابن كذا ليلة. وفي منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل.. فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح.. وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح.. وليلة النصف من شعبان.. وليلة الإسراء والمعراج.. وفي كل مقاييس الدين الليل لا يتبع النهار إلا في شيء واحد هو يوم عرفة.. فلا نقول ليلة عرفة وإنما نقول يوم عرفة.. إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين.. والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهرا للعام الواحد.. السنة الميلادية تختلف عن السنة الهجرية.. والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى وزع رحمته على كونه.. فلو أن المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس.. لجاء رمضان مثلا في شهر محدد لا يتغير. . يصومه الناس صيفا في مناطق محددة. وشتاء في مناطق محددة ولا يختلف أبدا.. فيظل رمضان يأتي في الصيف والحر دائما بالنسبة لبعض الناس.. وفي الشتاء والبرد دائما بالنسبة لبعض الناس.. ولكن لأن السنة الهجرية تقوم على حساب الهلال.. فمعنى ذلك أن كل نفحات الله في كونه تأتي في كل الفصول والأزمان.. فتجد رمضان في الصيف والشتاء.. وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل المناسبات الدينية الطيبة.. لأن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الميلادية.. والفرق سنة كل ثلاث وثلاثين سنة.

    — محمد متولي الشعراوي

  • لماذا قال في البقرة: ﴿تَنظُرُونَ٥٠ وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ﴾ (51)، وقال في الأعراف ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ﴾ (141)؟ الجواب: إن السياق في الأعراف في تفصيل ما حصل في هذا المواعدة، فقد قال:﴿ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ قهرون ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ١٤٢ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ١٤٣ قَالَ يا موسى إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ١٤٤ وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ١٤٥﴾ [الأعراف: 142-145] في حين أن السياق في البقرة كان مجملاً فإنه لم يتعدّ آية واحدة أو جزءًا من آية وهي قوله: ﴿وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 51]. وبعدها قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٥٢ وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ٥٣ وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ . . .﴾ بل إن ما يخص المواعدة هو قوله: ﴿وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ﴾ وبعده يتعلق باتخاذه العجل كما هو ظاهر. فناسب التفصيل التفصيل والإجمال الإجمال. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 13، 14)

    — فاضل السامرائي

  • من أحكام القرآن أحكام الآيتين 51-52

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٥١ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٥١ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(51) And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال