البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
وعد في الخير والشر، والوعد في الخير، وأوعد في الشر، والإيعاد والوعيد في الشر.
موسى : اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والعلمية.
يقال : هو مركب من مو : وهو الماء، وشاو : هو الشجر.
فلما عرّب أبدلوا شينه سيناً، وإذا كان أعجمياً فلا يدخله اشتقاق عربي.
وقد اختلفوا في اشتقاقه، فقال مكيّ : موسى مفعل من أوسيت، وقال غيره : هو مشتق من ماس يميس، ووزنه : فعلى، فأبدلت الياء واواً الضمة ما قبلها، كما قالوا : طوبى، وهي من ذوات الياء، لأنها من طاب يطيب.
وكون وزنه فعلى هو مذهب المعربين.
وقد نص سيبويه على أن وزن موسى مفعل، وذلك فيما لا ينصرف.
واحتج سيبويه في الأبنية على ذلك بأن زيادة الميم أولاً أكثر من زيادة الألف آخراً، واحتج الفارسي على كونه مفعلاً لا فعلى، بالإجماع على صرفه نكرة، ولو كان فعلى لم ينصرف نكرة لأن الألف كانت تكون للتأنيث، وألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة.
الأربعون : ليس بجمع سلامة، بل هو من قبيل المفرد الذي هو اسم جمع، ومدلوله معروف، وقد أعرب إعراب الجمع المذكر السالم.
الليلة : مدلولها معروف، وتكسر شاذاً على فعالى، فيقال : الليالي، ونظيره : الكيكة والكياكي، كأنه جمع ليلاه وكيكاه، وأهل والأهالي.
وقد شذوا في التصغير كما شذوا في التكسير، قالوا : لييله.
الاتخاذ : افتعال من الأخذ، وكان القياس أن لا تبدل الهمزة إلا ياء، فتقول : إيتخذ كهمزة إيمان إذ أصله : إإمان، وكقولهم : ائتزر : افتعل من الإزار، فمتى كانت فاء الكلمة واواً أو ياء، وبنيت افتعل منها، فاللغة الفصحى إبدالها تاء وإدغامها في تاء الافتعال، فتقول : اتصل واتسر من الوصل واليسر، فإن كانت فاء الكلمة همزة، وبنيت افتعل، أبدلت تلك الهمزة ياء وأقررتها.
هذا هو القياس، وقد تبدل هذه الياء تاء فتدغم، قالوا : إتمن، وأصله : إئتمن.
وعلى هذا جاء : اتخذ.
ومما علق بذهني من فوائد الشيخ الإمام بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي، عرف بابن النحاس، رحمه الله، وهو كان المشتهر بعلم النحو في ديار مصر : أن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء على اللغة الفصحى، لأن فيه لغة أنه يقال : وخذ بالواو، فجاء هذا على الأصل في البدل، وإن كان مبنياً على اللغة القليلة، وهذا أحسن، لأنهم نصوا على أن اتمن لغة رديئة، وكان رحمه الله يغرب بنقل هذه اللغة.
وقد خرج الفارسي مسألة اتخذ على أن التاء الأولى أصلية، إذ قلت : قالت العرب تخذ بكسر الخاء، بمعنى : أخذ، قال : تعالى :﴿لاتخذت عليه أجراً﴾ في قراءة من قرأ كذلك، وأنشد الفارسي، رحمه الله :
فعلى قوله : التاء أصل، وبنيت منه افتعل، فقلت : اتخذ، كما تقول : اتبع، مبنياً من تبع، وقد نازع أبو القاسم الزجاجي في تخذ، فزعم أن أصله : اتخذ، وحذف كما حذف اتقى، فقالوا : تقى، واستدل على ذلك بقولهم : تخذ بفتح التاء مخففة، كما قالوا : يتقي ويتسع بحذف التاء التي هي بدل من فاء الكلمة.
ورد السيرافي هذا القول وقال : لو كان محذوفاً منه ما كسرت الخاء، بل كانت تكون مفتوحة، كقاف تفي، وأما يتخذ فمحذوف مثل : يتسع، حذف من المضارع دون الماضي، وتخذ بناء أصلي، انتهى.
وما ذهب إليه الفارسي والسيرافي من أنه بناء أصلي على حده هو الصحيح، بدليل ما حكاه أبو زيد وهو : تخذ يتخذ تخذاً، قال الشاعر :
وذكر المهدوي في شرح الهداية : أن الأصل واو مبدلة من همزة، ثم قلبت الواو تاء وأدغمت في التاء، فصار في اتخذ أقوال : أحدها : التاء الأولى أصل.
الثاني : أنها بدل من واو أصلية.
الثالث : أنها بدل من تاء أبدلت من همزة.
الرابع : أنها بدل من واو أبدلت من همزة، واتخذ تارة يتعدى لواحد، وذلك نحو قوله تعالى :﴿اتخذت بيتاً﴾ وتارة لاثنين نحو قوله تعالى :﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ بمعنى صير.
العجل : معروف، وهو ولد البقرة الصغير الذكر.
بعد : ظرف زمان، وأصله الوصف، كقبل، وحكمه حكمه في كونه يبنى على الضم إذا قطع عن الإضافة إلى معرفة، ويعرب بحركتين، فإذا قلت : جئت بعد زيد، فالتقدير : جئت زماناً بعد زمان مجيء زيد، ولا يحفظ جرّه إلا بمن وحدها.
﴿وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ قرأ الجمهور : واعدنا، وقرأ أبو عمرو : وعدنا بغير ألف هنا، وفي الأعراف وطه، ويحتمل واعدنا : أن يكون بمعنى وعدنا، ويكون صدر من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد.
قال القفال : ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله بمعنى يعاهده.
وقيل : وعد إذا كان عن غير طلب، وواعد إذا كان عن طلب.
وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ : وعدنا بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ : واعدنا بالألف، وافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي.
وقال أبو عبيد : المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم : أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه، وقد مر تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، لأن كلاً منهما متواتر، فهما في الصحة على حدّ سواء.
وأكثر القراء على القراءة بألف، وهي قراءة مجاهد، والأعرج، وابن كثير، ونافع، والأعمش، وحمزة، والكسائي.
موسى : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وذكر الشريف أبو البركات محمد بن أسعد بن علي الحوّاني النسابة : أن موسى على نبينا وعليه السلام هو : موسى بن عمران بن قاهث، وتقدّم الكلام في لفظ موسى العلم.
وأما موسى الحديدة، التي يحلق بها الشعر، فهي مؤنثة عربية مشتقة من : أسوت الشيء، إذا أصلحته، ووزنها مفعل، وأصلها الهمز، وقيل : اشتقاقها من : أوسيت إذا حلقت، وهذا الاشتقاق أشبه بها، ولا أصل للواو في الهمز على هذا.
﴿أربعين ليلة﴾ : ذو الحجة وعشر من المحرّم، أو ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قاله أبو العالية وأكثر المفسرين، وقرأ علي وعيسى بن عمر : بكسر باء أربعين شاذاً اتباعاً، ونصب أربعين على المفعول الثاني لواعدنا، على أنها هي الموعودة، أو على حذف مضاف التقديم تمام، أو انقضاء أربعين حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه، قاله الأخفش، فيكون مثل قوله :
أي إتيان سر حتى مالك، ولا يجوز نصب أربعين على الظرف لأنه ظرف معدود، فيلزم وقوع العامل في كل فرد من أجزائه، والمواعدة لم تقع كذلك.
وليلة : منصوب على التمييز الجائي بعد تمام الاسم، والعامل في هذا النوع من التمييز اسم العدد قبله شبه أربعين بضاربين، ولا يجوز تقديم هذا النوع من التمييز على اسم العدد بإجماع، ولا الفصل بينهما بالمجرور إلا ضرورة، نحو :
وعشرين منها أصبعاً من ورائنا***
ولا تعريف للتمييز، خلافاً لبعض الكوفيين وأبي الحسين بن الطراوة.
وأول أصحابنا ما حكاه أبو زيد الأنصاري من قول العرب : ما فعلت العشرون الدرهم، وما جاء نحو : هذا مما يدل على التعريف، وذلك مذكور في علم النحو.
وكان تفسير الأربعين بليلة دون يوم، لأن أوّل الشهر ليلة الهلال، ولهذا أرّخ بالليالي، واعتماد العرب على الأهلة، فصارت الأيام تبعاً لليالي، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أو دلالة على مواصلته الصوم ليلاً ونهاراً، لأنه لو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها.
وهذه المواعدة للتكلم، أو لإنزال التوراة.
قال المهدوي : وكان ذلك بعد أن جاوز البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين رجلاً من خيار بني إسرائيل، وصعد الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فقعدوا فيما ذكره المفسرون عشرين يوماً وعشرة ليال، فقالوا : قد أخلفنا موعده، انتهى كلامه.
وقال الزمخشري : لما دخل بنو إسرائيل مصر، بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله أن ينزل عليهم التوراة، وضرب له ميقاتاً، انتهى.
﴿ثم اتخذتم العجل﴾ : الجمهور على إدغام الذال في التاء.
وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة : بالإظهار، ويحتمل اتخذ هنا أن تكون متعدية لواحد، أي صنعتم عجلاً، كما قال :﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار﴾ على أحد التأويلين، وعلى هذا التقدير : يكون ثم جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وتقديرها : وعبدتموه إلهاً، ويحتمل أن تكون مما تعدّت إلى اثنين فيكون المفعول الثاني محذوفاً لدلالة المعنى، التقدير : ثم اتخذتم العجل إلهاً، والأرجح القول الأوّل، إذ لو كان مما يتعدّى في هذه القصة لاثنين لصرح بالثاني، ولو في موضع واحد، ألا ترى أنه لم يعد إلى اثنين بل إلى واحد في هذا الموضع، وفي :﴿واتخذ قوم موسى﴾، وفي :
﴿اتخذوه وكانوا ظالمين﴾، وفي :﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ وفي قوله في هذه السورة أيضاً :﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ لكنه يرجح القول الثاني لاستلزام القول الأوّل حذف جملة من هذه الآيات، ولا يلزم في الثاني إلا حذف المفعول، وحذف المفرد أسهل من حذف الجملة.
فعلى القول الأوّل فيه ذمّ الجماعة بفعل الواحد، لأن الذي عمل العجل هو السامري، وسيأتي، إن شاء الله، الكلام فيه وفي اسمه وحكاية إضلاله عند قوله تعالى :﴿وأضَلهم السامري﴾ وذلك عادة العرب في كلامها تذم وتمدح القبيلة بما صدر عن بعضها.
وعلى القول الثاني فيه ذمهم بما صدر منهم، والألف واللام في العجل على القول الأول لتعريف الماهية، إذ لم يتقدّم عهد فيه، وعلى القول الثاني للعهد السابق، إذ كانوا قد صنعوا عجلاً ثم اتخذوا ذلك العجل إلهاً، وكونه عجلاً ظاهر في أنه صار لحماً ودماً، فيكون عجلاً حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه حقيقة، قاله الحسن.
وقيل : هو مجاز، أي عجلاً في الصورة والشكل، لأن السامري صاغه على شكل العجل، وكان فيما ذكروا صائغاً، ويكون نسبة الخوار إليه مجازاً، قاله الجمهور، وسيأتي الكلام على ذلك في الأعراف، إن شاء الله.
ومن أغرب ما ذهب إليه في هذا العجل أنه سمي عجلاً لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى، فاتخذوه إلهاً، قاله أبو العالية، أو سمى هذا عجلاً، لقصر مدّته.
﴿من بعده﴾، من : تفيد ابتداء الغاية، ويتعارض مدلولها مع مدلول ثم، لأن ثم تقتضي وقوع الاتخاذ بعد مهلة من المواعدة، ومن تقتضي ابتداء الغاية في التعدية التي تلي المواعدة، إذا الظاهر عود الضمير على موسى، ولا تتصوّر التعدية في الذات، فلا بد من حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه لفظ واعدنا، أي من ب
موسى : اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والعلمية.
يقال : هو مركب من مو : وهو الماء، وشاو : هو الشجر.
فلما عرّب أبدلوا شينه سيناً، وإذا كان أعجمياً فلا يدخله اشتقاق عربي.
وقد اختلفوا في اشتقاقه، فقال مكيّ : موسى مفعل من أوسيت، وقال غيره : هو مشتق من ماس يميس، ووزنه : فعلى، فأبدلت الياء واواً الضمة ما قبلها، كما قالوا : طوبى، وهي من ذوات الياء، لأنها من طاب يطيب.
وكون وزنه فعلى هو مذهب المعربين.
وقد نص سيبويه على أن وزن موسى مفعل، وذلك فيما لا ينصرف.
واحتج سيبويه في الأبنية على ذلك بأن زيادة الميم أولاً أكثر من زيادة الألف آخراً، واحتج الفارسي على كونه مفعلاً لا فعلى، بالإجماع على صرفه نكرة، ولو كان فعلى لم ينصرف نكرة لأن الألف كانت تكون للتأنيث، وألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة.
الأربعون : ليس بجمع سلامة، بل هو من قبيل المفرد الذي هو اسم جمع، ومدلوله معروف، وقد أعرب إعراب الجمع المذكر السالم.
الليلة : مدلولها معروف، وتكسر شاذاً على فعالى، فيقال : الليالي، ونظيره : الكيكة والكياكي، كأنه جمع ليلاه وكيكاه، وأهل والأهالي.
وقد شذوا في التصغير كما شذوا في التكسير، قالوا : لييله.
الاتخاذ : افتعال من الأخذ، وكان القياس أن لا تبدل الهمزة إلا ياء، فتقول : إيتخذ كهمزة إيمان إذ أصله : إإمان، وكقولهم : ائتزر : افتعل من الإزار، فمتى كانت فاء الكلمة واواً أو ياء، وبنيت افتعل منها، فاللغة الفصحى إبدالها تاء وإدغامها في تاء الافتعال، فتقول : اتصل واتسر من الوصل واليسر، فإن كانت فاء الكلمة همزة، وبنيت افتعل، أبدلت تلك الهمزة ياء وأقررتها.
هذا هو القياس، وقد تبدل هذه الياء تاء فتدغم، قالوا : إتمن، وأصله : إئتمن.
وعلى هذا جاء : اتخذ.
ومما علق بذهني من فوائد الشيخ الإمام بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي، عرف بابن النحاس، رحمه الله، وهو كان المشتهر بعلم النحو في ديار مصر : أن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء على اللغة الفصحى، لأن فيه لغة أنه يقال : وخذ بالواو، فجاء هذا على الأصل في البدل، وإن كان مبنياً على اللغة القليلة، وهذا أحسن، لأنهم نصوا على أن اتمن لغة رديئة، وكان رحمه الله يغرب بنقل هذه اللغة.
وقد خرج الفارسي مسألة اتخذ على أن التاء الأولى أصلية، إذ قلت : قالت العرب تخذ بكسر الخاء، بمعنى : أخذ، قال : تعالى :﴿لاتخذت عليه أجراً﴾ في قراءة من قرأ كذلك، وأنشد الفارسي، رحمه الله :
| وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها | نسيفاً كأفحوص القطاة المطوّق |
ورد السيرافي هذا القول وقال : لو كان محذوفاً منه ما كسرت الخاء، بل كانت تكون مفتوحة، كقاف تفي، وأما يتخذ فمحذوف مثل : يتسع، حذف من المضارع دون الماضي، وتخذ بناء أصلي، انتهى.
وما ذهب إليه الفارسي والسيرافي من أنه بناء أصلي على حده هو الصحيح، بدليل ما حكاه أبو زيد وهو : تخذ يتخذ تخذاً، قال الشاعر :
| ولا تكثرن تخذ العشار فإنها | تريد مباءات فسيحاً بناؤها |
الثاني : أنها بدل من واو أصلية.
الثالث : أنها بدل من تاء أبدلت من همزة.
الرابع : أنها بدل من واو أبدلت من همزة، واتخذ تارة يتعدى لواحد، وذلك نحو قوله تعالى :﴿اتخذت بيتاً﴾ وتارة لاثنين نحو قوله تعالى :﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ بمعنى صير.
العجل : معروف، وهو ولد البقرة الصغير الذكر.
بعد : ظرف زمان، وأصله الوصف، كقبل، وحكمه حكمه في كونه يبنى على الضم إذا قطع عن الإضافة إلى معرفة، ويعرب بحركتين، فإذا قلت : جئت بعد زيد، فالتقدير : جئت زماناً بعد زمان مجيء زيد، ولا يحفظ جرّه إلا بمن وحدها.
﴿وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ قرأ الجمهور : واعدنا، وقرأ أبو عمرو : وعدنا بغير ألف هنا، وفي الأعراف وطه، ويحتمل واعدنا : أن يكون بمعنى وعدنا، ويكون صدر من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد.
قال القفال : ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله بمعنى يعاهده.
وقيل : وعد إذا كان عن غير طلب، وواعد إذا كان عن طلب.
وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ : وعدنا بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ : واعدنا بالألف، وافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي.
وقال أبو عبيد : المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم : أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه، وقد مر تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، لأن كلاً منهما متواتر، فهما في الصحة على حدّ سواء.
وأكثر القراء على القراءة بألف، وهي قراءة مجاهد، والأعرج، وابن كثير، ونافع، والأعمش، وحمزة، والكسائي.
موسى : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وذكر الشريف أبو البركات محمد بن أسعد بن علي الحوّاني النسابة : أن موسى على نبينا وعليه السلام هو : موسى بن عمران بن قاهث، وتقدّم الكلام في لفظ موسى العلم.
وأما موسى الحديدة، التي يحلق بها الشعر، فهي مؤنثة عربية مشتقة من : أسوت الشيء، إذا أصلحته، ووزنها مفعل، وأصلها الهمز، وقيل : اشتقاقها من : أوسيت إذا حلقت، وهذا الاشتقاق أشبه بها، ولا أصل للواو في الهمز على هذا.
﴿أربعين ليلة﴾ : ذو الحجة وعشر من المحرّم، أو ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قاله أبو العالية وأكثر المفسرين، وقرأ علي وعيسى بن عمر : بكسر باء أربعين شاذاً اتباعاً، ونصب أربعين على المفعول الثاني لواعدنا، على أنها هي الموعودة، أو على حذف مضاف التقديم تمام، أو انقضاء أربعين حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه، قاله الأخفش، فيكون مثل قوله :
| فواعديه سر حتى مالك | أو النقا بينهما أسهلا |
وليلة : منصوب على التمييز الجائي بعد تمام الاسم، والعامل في هذا النوع من التمييز اسم العدد قبله شبه أربعين بضاربين، ولا يجوز تقديم هذا النوع من التمييز على اسم العدد بإجماع، ولا الفصل بينهما بالمجرور إلا ضرورة، نحو :
| على أنني بعدما قد مضى | ثلاثون للهجر حولاً كميلا |
ولا تعريف للتمييز، خلافاً لبعض الكوفيين وأبي الحسين بن الطراوة.
وأول أصحابنا ما حكاه أبو زيد الأنصاري من قول العرب : ما فعلت العشرون الدرهم، وما جاء نحو : هذا مما يدل على التعريف، وذلك مذكور في علم النحو.
وكان تفسير الأربعين بليلة دون يوم، لأن أوّل الشهر ليلة الهلال، ولهذا أرّخ بالليالي، واعتماد العرب على الأهلة، فصارت الأيام تبعاً لليالي، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أو دلالة على مواصلته الصوم ليلاً ونهاراً، لأنه لو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها.
وهذه المواعدة للتكلم، أو لإنزال التوراة.
قال المهدوي : وكان ذلك بعد أن جاوز البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين رجلاً من خيار بني إسرائيل، وصعد الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فقعدوا فيما ذكره المفسرون عشرين يوماً وعشرة ليال، فقالوا : قد أخلفنا موعده، انتهى كلامه.
وقال الزمخشري : لما دخل بنو إسرائيل مصر، بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله أن ينزل عليهم التوراة، وضرب له ميقاتاً، انتهى.
﴿ثم اتخذتم العجل﴾ : الجمهور على إدغام الذال في التاء.
وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة : بالإظهار، ويحتمل اتخذ هنا أن تكون متعدية لواحد، أي صنعتم عجلاً، كما قال :﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار﴾ على أحد التأويلين، وعلى هذا التقدير : يكون ثم جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وتقديرها : وعبدتموه إلهاً، ويحتمل أن تكون مما تعدّت إلى اثنين فيكون المفعول الثاني محذوفاً لدلالة المعنى، التقدير : ثم اتخذتم العجل إلهاً، والأرجح القول الأوّل، إذ لو كان مما يتعدّى في هذه القصة لاثنين لصرح بالثاني، ولو في موضع واحد، ألا ترى أنه لم يعد إلى اثنين بل إلى واحد في هذا الموضع، وفي :﴿واتخذ قوم موسى﴾، وفي :
﴿اتخذوه وكانوا ظالمين﴾، وفي :﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ وفي قوله في هذه السورة أيضاً :﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ لكنه يرجح القول الثاني لاستلزام القول الأوّل حذف جملة من هذه الآيات، ولا يلزم في الثاني إلا حذف المفعول، وحذف المفرد أسهل من حذف الجملة.
فعلى القول الأوّل فيه ذمّ الجماعة بفعل الواحد، لأن الذي عمل العجل هو السامري، وسيأتي، إن شاء الله، الكلام فيه وفي اسمه وحكاية إضلاله عند قوله تعالى :﴿وأضَلهم السامري﴾ وذلك عادة العرب في كلامها تذم وتمدح القبيلة بما صدر عن بعضها.
وعلى القول الثاني فيه ذمهم بما صدر منهم، والألف واللام في العجل على القول الأول لتعريف الماهية، إذ لم يتقدّم عهد فيه، وعلى القول الثاني للعهد السابق، إذ كانوا قد صنعوا عجلاً ثم اتخذوا ذلك العجل إلهاً، وكونه عجلاً ظاهر في أنه صار لحماً ودماً، فيكون عجلاً حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه حقيقة، قاله الحسن.
وقيل : هو مجاز، أي عجلاً في الصورة والشكل، لأن السامري صاغه على شكل العجل، وكان فيما ذكروا صائغاً، ويكون نسبة الخوار إليه مجازاً، قاله الجمهور، وسيأتي الكلام على ذلك في الأعراف، إن شاء الله.
ومن أغرب ما ذهب إليه في هذا العجل أنه سمي عجلاً لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى، فاتخذوه إلهاً، قاله أبو العالية، أو سمى هذا عجلاً، لقصر مدّته.
﴿من بعده﴾، من : تفيد ابتداء الغاية، ويتعارض مدلولها مع مدلول ثم، لأن ثم تقتضي وقوع الاتخاذ بعد مهلة من المواعدة، ومن تقتضي ابتداء الغاية في التعدية التي تلي المواعدة، إذا الظاهر عود الضمير على موسى، ولا تتصوّر التعدية في الذات، فلا بد من حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه لفظ واعدنا، أي من ب