الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ : إنَّما تعدَّى باللامِ دونَ الباءِ لأحدِ وجهين : إمَّا أَنْ يكونَ التقديرُ : لَن نُؤْمِنَ لأجلِ قولِك، وإمَّا أَنْ يُضَمَّنَ مَعنى الإِقرارِ، أي :[ لَنْ ] نُقِرَّ لك بما ادَّعَيْتَه، وقرأ أبو عمرو بإدغام النونِ في اللامِ لتقاربُهِما.
قولُه تعالى :" جَهْرَةً " فيه قولان : أحدُهما : أنها مصدرٌ وفيها حينئذٍ قولان، أحدُهما أنَّ ناصبَها محذوفٌ، وهو من لفظِها، تقديرُه : جَهَرْتُمْ جَهْرةً نقله أبو البقاء، والثاني : أنها مصدرٌ من نوعِ الفعلِ فَتَنْتَصِبُ انتصابَ القُرْفُصاء من قولك :" قَعَدَ القُرْفُصاء "، " واشتمل الصَمَّاء "، فإنها نوعٌ من الرؤيةِ، وبه بدأ الزمخشري. والثاني : أنها مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ، وفيها حينئذ أربعةُ أقوالٍ، أحدُهما : أنه حالٌ من فاعل " نرى " أي : ذوي جَهْرَةٍ، قاله الزمخشري. والثاني : أنَّها حالٌ من فاعل " قُلْتم "، أي : قلتم ذلك مجاهِرين، قاله أبو البقاء، وقال بعضُهم : فيكونُ في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي : قُلْتم جهرةً لن نؤمِنَ لك، ومثلُ هذا لا يُقال فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، بل أتى بمفعولِ القولِ ثم بالحالِ من فاعِلِه، فهو نظيرُ :" ضَرَبْتُ هنداً قائماً ". والثالثُ : أنَّها حَالٌ من اسمِ اللهِ تعالى، أي : نَرَاه ظاهراً غيرَ مستورٍ. والرابعُ : أنَّها حالٌ من فاعلِ " نؤمن " نقله ابنُ عطية، ولا معنى له، والصحيحُ من هذه الأقوالِ الستةِ الثاني.
وقرأ ابنُ عباس " جَهَرَةً " بفتح الهاء وفيها قولان، أحدُهما : أنها لغةٌ في جَهْرة، قال ابن عطية :" وهي لغةٌ مسموعةٌ عند البصريين فيما فيه حَرْفُ الحلقِ ساكنٌ قد انفتح ما قبله، والكوفيون يُجيزون فيه الفتحَ وإنْ لَمْ يَسْمعوه "، وقد تقدَّم تحريرُ القولِ في ذلِك. والثاني : أنها جمعُ " جاهر "، نحو : خادِم وخَدَم والمعنى : حتى نرى الله كاشفين هذا الأمر، وهي تُؤَيِّدُ كونَ " جهرةً " حالاً من فاعل " نَرى ".
والجَهْرُ : ضدُّ السِّرِّ وهو الكَشْفُ والظهورُ، ومنه جَهَرَ بالقراءةِ أي : أظهرَها : قال الزمخشري :" كأنَّ الذي يَرى بالعين جاهرٌ بالرؤيةِ، والذي يَرَى بالقلبِ مُخافِتٌ بها ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى