البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
حتى : حرف معناه الكثير، فيه الغاية، وتكون للتعليل، وإبدال حائها عيناً لغة هذيل، وسمع فيها الإمالة قليلاً، وأحكامها مستوفاة في النحو.
الرؤية الإبصار، والماضي رأى، عينه همزة تحذف في مضارعه، والأمر منه وبناء أفعل، والأمر منه، واسم الفاعل، واسم المفعول، تقول : يرى وترى ونرى وأرى زيداً، وأريت زيداً، ورزيداً، ومر زيداً، ومرى.
وتثبت في الرؤية والرأي والرؤيا والمرأى والمرئي والمرأة واسترأى وأرأى من كذا، وفي ما أرأه وأرئه في التعجب.
وهذا الحذف الذي ذكرناه هو إذا كان مدلول رأي ما ذكرناه من الإبصار في يقظة أو نوم أو الاعتقاد، فإن كانت رأى بمعنى أصاب رئته، فلا تحذف الهمزة، بل تقول : رآه يرآه : أي أصاب رئته، نقله صاحب كتاب الأمر.
ولغة تميم إثبات الهمزة فيما حذف منه غيرهم، فيقولون : يرأى وأرئي ؟ وقال بعض العرب : فجمع بين حذف الهمزة والإثبات :
الجهرة : العلانية، ومنه الجهر : ضد السر، وفتح عين هذا النحو مسموع عند البصريين، مقيس عند الكوفيين، وقد تقدم شيء من ذلك.
ويقال : جهر الرجل الأمر : كشفه، وجهرت الركية : أخرجت ما فيها من الحمأة وأظهرت الماء، قال :
والجهوري : العالي الصوت، وصوت جهير : عال، ووجه جهير : ظاهر الوضاءة، والأجهر : الأعمى، سمي على الضد.
﴿وإذ قلتم يا موسى﴾ : هذه محاورة بني إسرائيل لموسى، وذلك بعد محاورته لهم في الآية قبل هذا.
والضمير في قلتم قيل للسبعين المختارين، قاله ابن مسعود وقتادة، وذكر في اختيار السبعين كيفية ستأتي، إن شاء الله تعالى، في مكانها في الأعراف.
وقيل : الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله، قاله ابن زيد.
وقيل : الذين انفردوا مع هارون ولم يعبدوا العجل.
وقال بعض من جمع في التفسير : تظافرت أقوال أئمة التفسير على أن الذين أصابتهم الصاعقة هم السبعون رجلاً الذين اختارهم موسى ومضى بهم لميقات ربه ومناجاته، وما ذكر لا يمكن مع ذكر الاختلاف في قوله :﴿وإذ قلتم﴾، لأن الظاهر أن القائل ذلك هم الذين أخذتهم الصاعقة، إلا إن كان ذلك من تلوين الخطاب، وهو هنا بعيد.
وفي نداء بني إسرائيل لنبيهم باسمه سوء أدب منهم معه، إذ لم يقولوا : يا نبي الله، أو يا رسول الله، أو يا كليم الله، أو غير ذلك من الألفاظ التي تشعر بصفات التعظيم، وهي كانت عادتهم معه : يا موسى لن نصبر على طعام واحد، يا موسى اجعل لنا إلهاً، يا موسى ادع لنا ربك.
وقد قال الله لهذه الأمّة لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً.
﴿لن نؤمن لك﴾ : قيل معناه : لن نصدّقك فيما جئت به من التوراة، ولم يريدوا نفي الإيمان به بدليل قولهم لك، ولم يقولوا بك نحو :﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾، أي بمصدّق.
وقيل معنا : لن نقرّ لك، فعبر عن الإقرار بالإيمان وعدّاه باللام، وقد جاء ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ قَال ﴿أأقرتم وأخذتم على ذلكم إصري﴾ قالوا : أقررنا، فيكون المعنى : لن نقرّ لك بأن التوراة من عند الله.
وقيل : يجوز أن تكون اللام للعلة، أي لن نؤمن لأجل قولك بالتوراة.
وقيل : يجوز أن يراد نفي الكمال، أي لا يكمل إيماننا لك، كما قيل في قوله ﷺ :« لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين »
﴿حتى نرى الله جهرة﴾ حتى : هنا حرف غاية، أخبروا بنفي إيمانهم مستصحباً إلى هذه الغاية ومفهومها أنهم إذا رأوا الله جهرة آمنوا، والرؤية هنا : هي البصرية، وهي التي لا حجاب دونها ولا ساتر، وانتصاب جهرة على أنه مصدر مؤكد مزيل لاحتمال الرّؤية أن تكون مناماً أو علماً بالقلب.
والمعنى حتى نرى الله عياناً، وهو مصدر من قولك : جهر بالقراءة وبالدعاء، أي أعلن بها فأريد بها نوع من الرّؤية، فانتصابها على حدّ قولهم : قعد القرفصاء، وفي : نصب هذا النوع خلاف مذكور في النحو.
والأصح أن يكون منصوباً بالفعل السابق يعدي إلى النوع، كما تعدّى إلى لفظ المصدر الملاقي مع الفعل في الاشتقاق، وقيل انتصابه على أنه مصدر في موضع الحال على تقدير الحذف، أي ذوي جهرة، أو على معنى جاهرين بالرؤية لا على طريق المبالغة نحو : رجل صوم، لأن المبالغة لا تراد هنا.
فعلى القول الأوّل تكون الجهرة من صفات الرّؤية، وعلى هذا القول تكون من صفات الرائين، وثم قول ثالث، وهو أن يكون راجعاً لمعنى القول، أو القائلين، فيكون المعنى : وإذ قلتم كذا قولاً جهرة أو جاهرين بذلك القول، لم يسروه ولم يتكاتموا به، بل صرحوا به وجهروا بأنهم أخبروا بانتفاء الإيمان مغياباً لرؤية.
والقول بأن الجهرة راجع لمعنى القول مروي عن ابن عباس وأبي عبيدة، والظاهر تعلقه بالرؤية لا بالقول، وهو الذي يقتضيه التركيب الفصيح.
وقرأ ابن عباس وسهل بن شعيب وحميد بن قيس : جهرة، بفتح الهاء، وتحتمل هذه القراءة وجهين : أحدهما : أن يكون جهرة مصدراً كالغلبة، فتكون معناها ومعنى جهرة المسكنّة الهاء سواء، ويجري فيها من الإعراب الوجوه التي سبقت في جهرة.
والثاني : أن يكون جمعاً لجاهر، كما تقول : فاسق وفسقة، فيكون انتصابه على الحال، أي جاهرين بالرؤية.
قال الزمخشري : وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه السلام رادّهم، وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال، وأن من استجاز على الله الرؤية، فقد جعله من جملة الإقسام أو الإعراض، فرادوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط الله عليهم الصاعقة، كما سلط على أولئك القتل، تسوية بين الكفرين، ودلالة على عظمها بعظم المحنة.
اه.
كلامه.
وهو مصرّح باستحالة رؤية الله تعال بالأبصار.
وهذه المسألة فيها خلاف بين المسلمين.
ذهبت القدرية والمعتزلة والنجارية والجهمية ومن شاركهم من الخوارج إلى استحالة ذلك في حق الباري سبحانه وتعالى، وذهب أكثر المسلمين إلى إثبات الرؤية.
فقال الكرامية : يرى في جهة فوق وله تحت، ويرى جسماً، وقالت المشبهة : يرى على صورة، وقال أهل السنة : لا مقابلاً، ولا محاذياً، ولا متمكناً، ولا متحيزاً، ولا متلوناً، ولا على صورة ولا هيئة، ولا على اجتماع وجسمية، بل يراه المؤمنون، يعلمون أنه بخلاف المخلوقات كما علموه كذلك قبل.
وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة الثابتة في رؤية الله تعالى، فوجب المصير إليها.
وهذه المسألة من أصعب مسائل أصول الدين، وقد رأيت لأبي جعفر الطوسي من فضلاء الإمامية فيها مجلدة كبيرة، وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية، لكن عادته تحميل الألفاظ ما لا تدل عليه، خصوصاً ما يجر إلى مذهبه الإعتزالي، نعوذ بالله من العصبية فيما لا ينبغي.
وكذلك اختلفوا في رؤية الحق نفسه، فذهب أكثر المعتزلة إلى أنه لا يرى نفسه، وذهبت طائفة منهم إلى أنه يرى نفسه، وذهب الكعبي إلى أنه لا يرى نفسه ولا غيره، وهذا مذهب النجار، وكل ذلك مذكور في علم أصول الدين.
﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ : أي استولت عليكم وأحاطت بكم.
وأصل الأخذ : القبض باليد.
والصاعقة هنا : هل هي نار من السماء أحرقتهم، أو الموت، أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا، أو الفزع فدام حتى ماتوا، أو غشي عليهم، أو العذاب الذي يموتون منه، جو صيحة سماوية ؟ أقوال، أصحها : أنها سبب الموت، لا الموت، وإن كانوا قد اختلفوا في السبب، قاله المحققون لقوله تعالى :﴿فلما أخذتهم الرّجفة﴾ وأجمع المفسرون على أن المدّة من الموت أو الصعق كانت يوماً وليلة.
وقيل : أصاب موسى ما أصابها، وقيل صعق ولم يمت، قالوا : وهو الصحيح، لأنه جاء، فلما أفاق في حق موسى وجاء، ثم بعثناكم في حقهم، وأكثر استعماله البعث في القرآن بعث الأموات.
وقيل : غشي عليهم كهو ولم يموتوا، والصعق يطلق على غير الموت، وقال جرير :
والظاهر أن سبب أخذ الصاعقة إياهم قولهم :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، إذ لم يقولوا ذلك ويسألوا الرؤية إلا على سبيل التعنت، وقيل : سبب أخذ الصعقة إياهم هو غير هذا القول من كفرهم بموسى، أو تكذيبهم إياه لما جاءهم بالتوراة أو عبادة العجل.
وقرأ عمرو على الصعقة، واستعظم سؤال الرؤية حيث وقع، لأن رؤيته لا تحصل إلا في الآخرة، فطلبها في الدنيا هو مستنكر، أو لأن حكم الله أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يراه، فكان طلبها طلباً لإزالة التكليف، أو لأنه لما دلت الدلائل على صدق المدّعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً ولأن في منع الرؤية في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة للخلق، فلذلك استنكر.
﴿وأنتم تنظرون﴾ : جملة حالية، ومتعلق النظر : أخذ الصعقة إياكم، أي وأنتم تنظرون إلى ما حل بكم منها أو بعضكم إلى بعض كيف يخرّ ميتاً، أو إلى الأحياء، أو تعلمون أنها تأخذكم.
فعبر بالنظر عن العلم، أو إلى آثار الصاعقة في أجسامكم بعد أن بعثتم، أو ينظر كل منكم إلى إحياء نفسه، كما وقع في قصة العُزير، قالوا : حي عضواً بعد عضو، أو إلى أوائل ما كان ينزل من الصاعقة قبل الموت، أو أنتم يقابل بعضكم بعضاً من قول العرب دور آل فلان تتراءى، أي يقابل بعضها بعضاً، ولو ذهب ذاهب إلى أن المعنى ﴿وأنتم تنظرون﴾ إجابة السؤال في حصول الرؤية لهم، لكان وجهاً من قولهم : نظرت الرجل، أي انتظرته، كما قال الشاعر :
لكن هذا الوجه ليس بمنقول، فلا أجسر على القول به، وإن كان اللفظ يحتمله.
وقد عدّ صاحب المنتخب هذا إنعاماً سادساً، وذكر في كونه إنعاماً وجوهاً : منها ما يتعلق بغير بني إسرائيل، ومنها ما يتعلق بهم، والمقصود ذكر ما يتعلق بكون ذلك إنعاماً، وهو أن إحياءهم لأن يتوبوا عن التعنت، ولأن يتخلصوا من أليم العقاب ويفوزوا بجزيل الثواب من أعظم النعم، ولا تدل هذه الآية على أن قولهم هذا بعد أن كلف عبدة العجل بالقتل ولا قبله.
وقد قيل بكل من القولين، لأن هذه الجمل معطوفة بالواو، والواو لا تدل بوضعها على الترتيب الزماني.
قال بعضهم : لما أحلهم الله محل مناجاته، وأسمعهم لذيذ خطابه، اشرأبّت نفوسهم للفخر وعلوّ المنزلة، فعاملهم الله بنقيض ما حصل في أنفسهم بالصعقة التي هي خضوع وتذلل تأديباً لهم وعبرة لغيرهم، ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ذكر قصص بني إسرائيل فصولاً منها : أمر موسى، على نبينا وعليه السلام، إياهم بالتوبة إلى الله من مقارفة هذا الذنب العظيم الذي هو عبادة العجل من دون الله، وأن مثل هذا الذنب العظيم تقبل التوبة منه، والتلطف بهم في ندائهم بيا قوم، وتنبيههم على علة الظلم الذي كان وباله راجعاً عليهم، والإعلام بأن توبتهم بقتل أنفسهم، ثم الإخبار بحصول توبة الله عليهم وأن ذلك كان بسابق رحمته، ثم التوبيخ لهم بسؤالهم ما كان لا ينبغي لهم أن يسألوه، وهو رؤية الله عياناً، لأنه كان سؤال تعنت.
ثم ذكر ما ترتب على هذا السؤال من أخذ الصاعقة إياهم.
ثم الإنعام عليهم بالبعث، وهو من الخوارق العظيمة أن يحيى الإنسان في الدنيا بعد أن مات.
ثم إسعافهم بما سألوه، إذ وقعوا في التيه، واحتاجوا إلى ما يزيل ضررهم وحاجتهم من لفح الشمس، وتغذية أجسادهم بما يصلح لها، فظلل عليهم الغمام، وهذا من أعظم الأشياء وأكبر المعجزات حيث يسخر العالم العلوي للعالم السفلي على حسب اقتراحه، فكان على ما قيل : تظلهم بالنهار وتذهب بالليل حتى ينوّر عليهم القمر.
وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا من أشرف المأكول، إذ جمع بين الغذاء والدواء، بما في ذلك من الحلاوة التي في المن والدسم الذي في السلوى، وهما مقمعاً الحرارة ومثيراً القوّة للبدن.
ثم الأمر لهم بتناول ذلك غير مقيد بزمان ولا مكان، بل ذلك أمر مطلق.
ثم التنصيص أن ذلك من الطيبات وبحق ما يكون ذلك من الطيبات.
ثم ذكر أنه رزق منه لهم لم يتعبوا في تحصيله ولا استخراجه ولا تنميته، بل جاء رزقاً مهنأ لا تعب فيه.
ثم أرداف هذه الجمل بالجملة الأخيرة، إذ هي مؤكدة لافتتاح هذه الجمل السابقة، لأنه افتتحها بالإخبار بأنهم ظلموا أنفسهم، وختمها بذلك وهو قوله :﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
فجاءت هذه الجمل في غاية الفصاحة لفظاً والبلاغة معنى، إذ جمعت الألفاظ المختارة والمعاني الكثيرة متعلقاً أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لطف الإخبار عن نفسه.
فحيث ذكر النعم صرح بأن ذلك من عنده، فقال : ثم بعثناكم، وقال : وظللنا وأنزلنا، وحيث ذكر النقم لم ينسبها إليه تعالى فقال : فأخذتكم الصاعقة.
وسر ذلك أنه موضع تعداد للنعم، فناسب نسبة ذلك إليه ليذكرهم آلاءه، ولم ينسب النقم إليه، وإن كانت منه حقيقة، لأن في نسبتها إليه تخويفاً عظيماً ربما عادل ذلك الفرح بالنعم.
والمقصود : انبساط نفوسهم بذكر ما أنعم الله به عليهم، وإن كان الكلام قد انطوى على ترهيب وترغيب، فالترغيب أغلب عليه.
الرؤية الإبصار، والماضي رأى، عينه همزة تحذف في مضارعه، والأمر منه وبناء أفعل، والأمر منه، واسم الفاعل، واسم المفعول، تقول : يرى وترى ونرى وأرى زيداً، وأريت زيداً، ورزيداً، ومر زيداً، ومرى.
وتثبت في الرؤية والرأي والرؤيا والمرأى والمرئي والمرأة واسترأى وأرأى من كذا، وفي ما أرأه وأرئه في التعجب.
وهذا الحذف الذي ذكرناه هو إذا كان مدلول رأي ما ذكرناه من الإبصار في يقظة أو نوم أو الاعتقاد، فإن كانت رأى بمعنى أصاب رئته، فلا تحذف الهمزة، بل تقول : رآه يرآه : أي أصاب رئته، نقله صاحب كتاب الأمر.
ولغة تميم إثبات الهمزة فيما حذف منه غيرهم، فيقولون : يرأى وأرئي ؟ وقال بعض العرب : فجمع بين حذف الهمزة والإثبات :
| ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر | ومن يتمل العيش يرأى ويسمع |
ويقال : جهر الرجل الأمر : كشفه، وجهرت الركية : أخرجت ما فيها من الحمأة وأظهرت الماء، قال :
| إذا وردنا آجناً جهرنا | أو حالياً من أهله عمرنا |
﴿وإذ قلتم يا موسى﴾ : هذه محاورة بني إسرائيل لموسى، وذلك بعد محاورته لهم في الآية قبل هذا.
والضمير في قلتم قيل للسبعين المختارين، قاله ابن مسعود وقتادة، وذكر في اختيار السبعين كيفية ستأتي، إن شاء الله تعالى، في مكانها في الأعراف.
وقيل : الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله، قاله ابن زيد.
وقيل : الذين انفردوا مع هارون ولم يعبدوا العجل.
وقال بعض من جمع في التفسير : تظافرت أقوال أئمة التفسير على أن الذين أصابتهم الصاعقة هم السبعون رجلاً الذين اختارهم موسى ومضى بهم لميقات ربه ومناجاته، وما ذكر لا يمكن مع ذكر الاختلاف في قوله :﴿وإذ قلتم﴾، لأن الظاهر أن القائل ذلك هم الذين أخذتهم الصاعقة، إلا إن كان ذلك من تلوين الخطاب، وهو هنا بعيد.
وفي نداء بني إسرائيل لنبيهم باسمه سوء أدب منهم معه، إذ لم يقولوا : يا نبي الله، أو يا رسول الله، أو يا كليم الله، أو غير ذلك من الألفاظ التي تشعر بصفات التعظيم، وهي كانت عادتهم معه : يا موسى لن نصبر على طعام واحد، يا موسى اجعل لنا إلهاً، يا موسى ادع لنا ربك.
وقد قال الله لهذه الأمّة لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً.
﴿لن نؤمن لك﴾ : قيل معناه : لن نصدّقك فيما جئت به من التوراة، ولم يريدوا نفي الإيمان به بدليل قولهم لك، ولم يقولوا بك نحو :﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾، أي بمصدّق.
وقيل معنا : لن نقرّ لك، فعبر عن الإقرار بالإيمان وعدّاه باللام، وقد جاء ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ قَال ﴿أأقرتم وأخذتم على ذلكم إصري﴾ قالوا : أقررنا، فيكون المعنى : لن نقرّ لك بأن التوراة من عند الله.
وقيل : يجوز أن تكون اللام للعلة، أي لن نؤمن لأجل قولك بالتوراة.
وقيل : يجوز أن يراد نفي الكمال، أي لا يكمل إيماننا لك، كما قيل في قوله ﷺ :« لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين »
﴿حتى نرى الله جهرة﴾ حتى : هنا حرف غاية، أخبروا بنفي إيمانهم مستصحباً إلى هذه الغاية ومفهومها أنهم إذا رأوا الله جهرة آمنوا، والرؤية هنا : هي البصرية، وهي التي لا حجاب دونها ولا ساتر، وانتصاب جهرة على أنه مصدر مؤكد مزيل لاحتمال الرّؤية أن تكون مناماً أو علماً بالقلب.
والمعنى حتى نرى الله عياناً، وهو مصدر من قولك : جهر بالقراءة وبالدعاء، أي أعلن بها فأريد بها نوع من الرّؤية، فانتصابها على حدّ قولهم : قعد القرفصاء، وفي : نصب هذا النوع خلاف مذكور في النحو.
والأصح أن يكون منصوباً بالفعل السابق يعدي إلى النوع، كما تعدّى إلى لفظ المصدر الملاقي مع الفعل في الاشتقاق، وقيل انتصابه على أنه مصدر في موضع الحال على تقدير الحذف، أي ذوي جهرة، أو على معنى جاهرين بالرؤية لا على طريق المبالغة نحو : رجل صوم، لأن المبالغة لا تراد هنا.
فعلى القول الأوّل تكون الجهرة من صفات الرّؤية، وعلى هذا القول تكون من صفات الرائين، وثم قول ثالث، وهو أن يكون راجعاً لمعنى القول، أو القائلين، فيكون المعنى : وإذ قلتم كذا قولاً جهرة أو جاهرين بذلك القول، لم يسروه ولم يتكاتموا به، بل صرحوا به وجهروا بأنهم أخبروا بانتفاء الإيمان مغياباً لرؤية.
والقول بأن الجهرة راجع لمعنى القول مروي عن ابن عباس وأبي عبيدة، والظاهر تعلقه بالرؤية لا بالقول، وهو الذي يقتضيه التركيب الفصيح.
وقرأ ابن عباس وسهل بن شعيب وحميد بن قيس : جهرة، بفتح الهاء، وتحتمل هذه القراءة وجهين : أحدهما : أن يكون جهرة مصدراً كالغلبة، فتكون معناها ومعنى جهرة المسكنّة الهاء سواء، ويجري فيها من الإعراب الوجوه التي سبقت في جهرة.
والثاني : أن يكون جمعاً لجاهر، كما تقول : فاسق وفسقة، فيكون انتصابه على الحال، أي جاهرين بالرؤية.
قال الزمخشري : وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه السلام رادّهم، وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال، وأن من استجاز على الله الرؤية، فقد جعله من جملة الإقسام أو الإعراض، فرادوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط الله عليهم الصاعقة، كما سلط على أولئك القتل، تسوية بين الكفرين، ودلالة على عظمها بعظم المحنة.
اه.
كلامه.
وهو مصرّح باستحالة رؤية الله تعال بالأبصار.
وهذه المسألة فيها خلاف بين المسلمين.
ذهبت القدرية والمعتزلة والنجارية والجهمية ومن شاركهم من الخوارج إلى استحالة ذلك في حق الباري سبحانه وتعالى، وذهب أكثر المسلمين إلى إثبات الرؤية.
فقال الكرامية : يرى في جهة فوق وله تحت، ويرى جسماً، وقالت المشبهة : يرى على صورة، وقال أهل السنة : لا مقابلاً، ولا محاذياً، ولا متمكناً، ولا متحيزاً، ولا متلوناً، ولا على صورة ولا هيئة، ولا على اجتماع وجسمية، بل يراه المؤمنون، يعلمون أنه بخلاف المخلوقات كما علموه كذلك قبل.
وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة الثابتة في رؤية الله تعالى، فوجب المصير إليها.
وهذه المسألة من أصعب مسائل أصول الدين، وقد رأيت لأبي جعفر الطوسي من فضلاء الإمامية فيها مجلدة كبيرة، وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية، لكن عادته تحميل الألفاظ ما لا تدل عليه، خصوصاً ما يجر إلى مذهبه الإعتزالي، نعوذ بالله من العصبية فيما لا ينبغي.
وكذلك اختلفوا في رؤية الحق نفسه، فذهب أكثر المعتزلة إلى أنه لا يرى نفسه، وذهبت طائفة منهم إلى أنه يرى نفسه، وذهب الكعبي إلى أنه لا يرى نفسه ولا غيره، وهذا مذهب النجار، وكل ذلك مذكور في علم أصول الدين.
﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ : أي استولت عليكم وأحاطت بكم.
وأصل الأخذ : القبض باليد.
والصاعقة هنا : هل هي نار من السماء أحرقتهم، أو الموت، أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا، أو الفزع فدام حتى ماتوا، أو غشي عليهم، أو العذاب الذي يموتون منه، جو صيحة سماوية ؟ أقوال، أصحها : أنها سبب الموت، لا الموت، وإن كانوا قد اختلفوا في السبب، قاله المحققون لقوله تعالى :﴿فلما أخذتهم الرّجفة﴾ وأجمع المفسرون على أن المدّة من الموت أو الصعق كانت يوماً وليلة.
وقيل : أصاب موسى ما أصابها، وقيل صعق ولم يمت، قالوا : وهو الصحيح، لأنه جاء، فلما أفاق في حق موسى وجاء، ثم بعثناكم في حقهم، وأكثر استعماله البعث في القرآن بعث الأموات.
وقيل : غشي عليهم كهو ولم يموتوا، والصعق يطلق على غير الموت، وقال جرير :
| وهل كان الفرزدق غير قرد | أصابته الصواعق فاستدارا |
وقرأ عمرو على الصعقة، واستعظم سؤال الرؤية حيث وقع، لأن رؤيته لا تحصل إلا في الآخرة، فطلبها في الدنيا هو مستنكر، أو لأن حكم الله أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يراه، فكان طلبها طلباً لإزالة التكليف، أو لأنه لما دلت الدلائل على صدق المدّعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً ولأن في منع الرؤية في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة للخلق، فلذلك استنكر.
﴿وأنتم تنظرون﴾ : جملة حالية، ومتعلق النظر : أخذ الصعقة إياكم، أي وأنتم تنظرون إلى ما حل بكم منها أو بعضكم إلى بعض كيف يخرّ ميتاً، أو إلى الأحياء، أو تعلمون أنها تأخذكم.
فعبر بالنظر عن العلم، أو إلى آثار الصاعقة في أجسامكم بعد أن بعثتم، أو ينظر كل منكم إلى إحياء نفسه، كما وقع في قصة العُزير، قالوا : حي عضواً بعد عضو، أو إلى أوائل ما كان ينزل من الصاعقة قبل الموت، أو أنتم يقابل بعضكم بعضاً من قول العرب دور آل فلان تتراءى، أي يقابل بعضها بعضاً، ولو ذهب ذاهب إلى أن المعنى ﴿وأنتم تنظرون﴾ إجابة السؤال في حصول الرؤية لهم، لكان وجهاً من قولهم : نظرت الرجل، أي انتظرته، كما قال الشاعر :
| فإنكما إن تنظراني ساعة | من الدهر تنفعني لدى أم جندب |
وقد عدّ صاحب المنتخب هذا إنعاماً سادساً، وذكر في كونه إنعاماً وجوهاً : منها ما يتعلق بغير بني إسرائيل، ومنها ما يتعلق بهم، والمقصود ذكر ما يتعلق بكون ذلك إنعاماً، وهو أن إحياءهم لأن يتوبوا عن التعنت، ولأن يتخلصوا من أليم العقاب ويفوزوا بجزيل الثواب من أعظم النعم، ولا تدل هذه الآية على أن قولهم هذا بعد أن كلف عبدة العجل بالقتل ولا قبله.
وقد قيل بكل من القولين، لأن هذه الجمل معطوفة بالواو، والواو لا تدل بوضعها على الترتيب الزماني.
قال بعضهم : لما أحلهم الله محل مناجاته، وأسمعهم لذيذ خطابه، اشرأبّت نفوسهم للفخر وعلوّ المنزلة، فعاملهم الله بنقيض ما حصل في أنفسهم بالصعقة التي هي خضوع وتذلل تأديباً لهم وعبرة لغيرهم، ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾
ثم ذكر ما ترتب على هذا السؤال من أخذ الصاعقة إياهم.
ثم الإنعام عليهم بالبعث، وهو من الخوارق العظيمة أن يحيى الإنسان في الدنيا بعد أن مات.
ثم إسعافهم بما سألوه، إذ وقعوا في التيه، واحتاجوا إلى ما يزيل ضررهم وحاجتهم من لفح الشمس، وتغذية أجسادهم بما يصلح لها، فظلل عليهم الغمام، وهذا من أعظم الأشياء وأكبر المعجزات حيث يسخر العالم العلوي للعالم السفلي على حسب اقتراحه، فكان على ما قيل : تظلهم بالنهار وتذهب بالليل حتى ينوّر عليهم القمر.
وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا من أشرف المأكول، إذ جمع بين الغذاء والدواء، بما في ذلك من الحلاوة التي في المن والدسم الذي في السلوى، وهما مقمعاً الحرارة ومثيراً القوّة للبدن.
ثم الأمر لهم بتناول ذلك غير مقيد بزمان ولا مكان، بل ذلك أمر مطلق.
ثم التنصيص أن ذلك من الطيبات وبحق ما يكون ذلك من الطيبات.
ثم ذكر أنه رزق منه لهم لم يتعبوا في تحصيله ولا استخراجه ولا تنميته، بل جاء رزقاً مهنأ لا تعب فيه.
ثم أرداف هذه الجمل بالجملة الأخيرة، إذ هي مؤكدة لافتتاح هذه الجمل السابقة، لأنه افتتحها بالإخبار بأنهم ظلموا أنفسهم، وختمها بذلك وهو قوله :﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
فجاءت هذه الجمل في غاية الفصاحة لفظاً والبلاغة معنى، إذ جمعت الألفاظ المختارة والمعاني الكثيرة متعلقاً أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لطف الإخبار عن نفسه.
فحيث ذكر النعم صرح بأن ذلك من عنده، فقال : ثم بعثناكم، وقال : وظللنا وأنزلنا، وحيث ذكر النقم لم ينسبها إليه تعالى فقال : فأخذتكم الصاعقة.
وسر ذلك أنه موضع تعداد للنعم، فناسب نسبة ذلك إليه ليذكرهم آلاءه، ولم ينسب النقم إليه، وإن كانت منه حقيقة، لأن في نسبتها إليه تخويفاً عظيماً ربما عادل ذلك الفرح بالنعم.
والمقصود : انبساط نفوسهم بذكر ما أنعم الله به عليهم، وإن كان الكلام قد انطوى على ترهيب وترغيب، فالترغيب أغلب عليه.