تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
السُّيُوفَ وَالْجُرَزَةَ «١»
وَالْخَنَاجِرَ وَالسَّكَاكِينَ. قَالَ: وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً، قَالَ: فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: وَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلُهُ وهو لا يَدْرِي. قَالَ: وَيَتَنَادَوْنَ فِيهَا: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَّرَ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّهَ رِضَاهُ، قَالَ: فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ، وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بعثي لكم بعد الصعق إذا سَأَلْتُمْ رُؤْيَتِي جَهْرَةً عِيَانًا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ لَكُمْ وَلَا لِأَمْثَالِكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ قَالَ: عَلَانِيَةً، وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أَيْ عَلَانِيَةً، أَيْ حَتَّى نَرَى اللَّهَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أَيْ عِيَانًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى فَسَارُوا مَعَهُ، قَالَ:
فَسَمِعُوا كَلَامًا، فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قَالَ: فَسَمِعُوا صَوْتًا فَصُعِقُوا يَقُولُ:
مَاتُوا. وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فِيمَا خَطَبَ بِهِ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ: الصَّاعِقَةُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ الصَّاعِقَةُ: نَارٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ فِي قوله وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ قال: صعق بَعْضُهُمْ وَبَعْضٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ بُعِثَ هَؤُلَاءِ وَصُعِقَ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ، وَيَقُولُ: رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَافِ: ١٥٥] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ مِمَّنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ فَقَامُوا وَعَاشُوا رَجُلٌ رَجُلٌ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ؟ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ كَانَ مَوْتُهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ فَبُعِثُوا مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجَالَهُمْ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ فَرَأَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقَالَ لِأَخِيهِ وَلِلسَّامِرِيِّ مَا قَالَ، وَحَرَّقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ، اخْتَارَ مُوسَى مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى اللَّهِ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ، واسألوه التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ. فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ، فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- حِينَ صَنَعُوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء ربّه، قَالُوا: يَا مُوسَى، اطْلُبْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ نسمع
وَالْخَنَاجِرَ وَالسَّكَاكِينَ. قَالَ: وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً، قَالَ: فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: وَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلُهُ وهو لا يَدْرِي. قَالَ: وَيَتَنَادَوْنَ فِيهَا: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَّرَ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّهَ رِضَاهُ، قَالَ: فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ، وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بعثي لكم بعد الصعق إذا سَأَلْتُمْ رُؤْيَتِي جَهْرَةً عِيَانًا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ لَكُمْ وَلَا لِأَمْثَالِكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ قَالَ: عَلَانِيَةً، وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أَيْ عَلَانِيَةً، أَيْ حَتَّى نَرَى اللَّهَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أَيْ عِيَانًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى فَسَارُوا مَعَهُ، قَالَ:
فَسَمِعُوا كَلَامًا، فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قَالَ: فَسَمِعُوا صَوْتًا فَصُعِقُوا يَقُولُ:
مَاتُوا. وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فِيمَا خَطَبَ بِهِ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ: الصَّاعِقَةُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ الصَّاعِقَةُ: نَارٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ فِي قوله وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ قال: صعق بَعْضُهُمْ وَبَعْضٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ بُعِثَ هَؤُلَاءِ وَصُعِقَ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ، وَيَقُولُ: رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَافِ: ١٥٥] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ مِمَّنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ فَقَامُوا وَعَاشُوا رَجُلٌ رَجُلٌ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ؟ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ كَانَ مَوْتُهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ فَبُعِثُوا مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجَالَهُمْ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ فَرَأَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقَالَ لِأَخِيهِ وَلِلسَّامِرِيِّ مَا قَالَ، وَحَرَّقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ، اخْتَارَ مُوسَى مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى اللَّهِ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ، واسألوه التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ. فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ، فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- حِينَ صَنَعُوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء ربّه، قَالُوا: يَا مُوسَى، اطْلُبْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ نسمع
(١) الجرز: عمود من حديد، وهو سلاح يقاتل به.
كَلَامَ رَبِّنَا، فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَلَمَّا دَنَا مُوسَى من الجبل وقع عليه عمود من «١»
الْغَمَامُ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ وَقَعُوا سُجُودًا فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ: افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ، فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَهِيَ الصَّاعِقَةُ، فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قَدْ سَفِهُوا، أَفَتُهْلِكُ مَنْ وَرَائِي مِنْ بَنِي إسرائيل بما فعل السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ أَيْ إِنَّ هَذَا لَهُمْ هَلَاكٌ واخترت مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعِي مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَمَا الَّذِي يُصَدِّقُونِي بِهِ وَيَأْمَنُونِي عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا؟ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ فَلَمْ يَزَلْ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى رَدَّ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ التَّوْبَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ- هَذَا سِيَاقُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ «٢»
. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ «٣»
: لَمَّا تَابَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله بِهِ، أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي كُلِّ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ العجل وواعدهم موسى، فاختار موسى سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا. وَسَاقَ الْبَقِيَّةَ، وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَوْلِهِ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وَالْمُرَادُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ سِوَاهُ. وقد أغرب الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ حِينَ حَكَى فِي قِصَّةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ: أَنَّهُمْ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّكَ لَا تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَ، فَادْعُهُ أَنْ يَجْعَلَنَا أَنْبِيَاءَ، فَدَعَا بِذَلِكَ فَأَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ «٤»
. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا إِذْ لَا يُعْرَفُ فِي زَمَانِ مُوسَى نَبِيٌّ سِوَى هَارُونَ ثُمَّ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَقَدْ غَلِطَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ مُوسَى الْكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَأَلَ ذَلِكَ فَمُنِعَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَنَالُهُ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ؟
الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْآيَةِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ لَهُمْ مُوسَى لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ قَدْ كَتَبَ فِيهَا التَّوْرَاةَ فَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ، فَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَفَعَلُوا، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ الله فيه أمركم الذي أمركم به
الْغَمَامُ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ وَقَعُوا سُجُودًا فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ: افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ، فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَهِيَ الصَّاعِقَةُ، فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قَدْ سَفِهُوا، أَفَتُهْلِكُ مَنْ وَرَائِي مِنْ بَنِي إسرائيل بما فعل السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ أَيْ إِنَّ هَذَا لَهُمْ هَلَاكٌ واخترت مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعِي مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَمَا الَّذِي يُصَدِّقُونِي بِهِ وَيَأْمَنُونِي عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا؟ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ فَلَمْ يَزَلْ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى رَدَّ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ التَّوْبَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ- هَذَا سِيَاقُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ «٢»
. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ «٣»
: لَمَّا تَابَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله بِهِ، أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي كُلِّ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ العجل وواعدهم موسى، فاختار موسى سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا. وَسَاقَ الْبَقِيَّةَ، وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَوْلِهِ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وَالْمُرَادُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ سِوَاهُ. وقد أغرب الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ حِينَ حَكَى فِي قِصَّةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ: أَنَّهُمْ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّكَ لَا تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَ، فَادْعُهُ أَنْ يَجْعَلَنَا أَنْبِيَاءَ، فَدَعَا بِذَلِكَ فَأَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ «٤»
. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا إِذْ لَا يُعْرَفُ فِي زَمَانِ مُوسَى نَبِيٌّ سِوَى هَارُونَ ثُمَّ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَقَدْ غَلِطَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ مُوسَى الْكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَأَلَ ذَلِكَ فَمُنِعَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَنَالُهُ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ؟
الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْآيَةِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ لَهُمْ مُوسَى لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ قَدْ كَتَبَ فِيهَا التَّوْرَاةَ فَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ، فَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَفَعَلُوا، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ الله فيه أمركم الذي أمركم به
(١) الطبري ١/ ٣٣١.
(٢) الزيادة من الطبري والرازي.
(٣) أخرجه الطبري عن موسى بن هارون، عن عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عن السدّي.
(٤) تفسير الرازي ٣/ ٧٩. والأثر يرويه الرازي من قول السدّي، بلا إسناد. ورواه الطبري عن موسى بن هارون عن عمرو بن حماد بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ السدّي.
(٢) الزيادة من الطبري والرازي.
(٣) أخرجه الطبري عن موسى بن هارون، عن عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عن السدّي.
(٤) تفسير الرازي ٣/ ٧٩. والأثر يرويه الرازي من قول السدّي، بلا إسناد. ورواه الطبري عن موسى بن هارون عن عمرو بن حماد بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ السدّي.