جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلََكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
وَظَلّلْنا عَلَيْكُمْ عطف على قوله : ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فتأويل الآية : ثم بعثناكم من بعد موتكم، وظللنا عليكم الغمام، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم لعلهم يشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموما. وقد قيل : إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : وَظَلّلْنا عَلَيْكُمْ الغَمامَ قال : ليس بالسحاب.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمْ الغَمامَ قال : ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة لم يكن إلا لهم.
وحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : وَظَلّلْنا عَلَيْكُمْ الغَمامَ قال : هو بمنزلة السحاب.
وحدثني القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : وَظَلّلْنا عَلَيْكُمْ الغَمامَ قال : هو غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله : في ظلل من الغمام، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس : وكان معهم في التيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مما غمّ السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل فوصفه بأنه كان غماما بأولى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء، وقد قيل : إنه ما ابيضّ من السحاب.
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ.
اختلف أهل التأويل في صفة المنّ. فقال بعضهم بما :
حدثني به محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ قال : المن : صمغة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أنا عبد الرزاق، قال : أنا معمر، عن قتادة في قوله : وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ وَالسّلْوَى يقول : كان المنّ ينزل عليهم مثل الثلج.
وقال آخرون : هو شراب. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : المنّ : شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه.
وقال آخرون : المن : عسل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : المنّ : عسل كان ينزل لهم من السماء.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المنّ.
وقال آخرون : المنّ : خبز الرقاق. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : حدثني عبد الصمد، قال : سمعت وهبا وسئل ما المنّ، قال : خبز الرقاق، مثل الذرة، ومثل النّقْي.
وقال آخرون : المنّ : الترنجبين. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : المنّ كان يسقط على شجر الترنجبين.
وقال آخرون : المنّ هو الذي يسقط على الشجر الذي تأكله الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان المنّ ينزل على شجرهم فيغدون عليه فيأكلون منه ما شاءوا.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن مجالد. عن عامر في قوله : وأنْزلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ قال : المنّ : الذي يقع على الشجر.
وحدثت عن المنجاب بن الحارث، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله : المنّ قال : المن : الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال : المنّ : هذا الذي يقع على الشجر. وقد قيل إن المنّ : هو الترنجبين.
وقال بعضهم : المنّ : هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى ميمون بن قيس بقوله :
| لَوْ أُطْعِمُوا المَنّ وَالسّلْوَى مكانَهُمُ | ما أبْصَرَ النّاسُ طُعْما فِيهمُ نَجَعا |
| فَرأى اللّهُ أنّهُمْ بِمَضيعٍ | لا بِذِي مَزْرَعٍ وَلا مَثْمُورَا |
| فنساها عَلَيْهِمُ غَادِياتٍ | ومَرَى مُزْنَهُمْ خَلايا وخُورَا |
| عَسَلاً ناطِفا ومَاءً فُرَاتا | وَحَليبا ذَا بَهْجَةٍ مَمْرُورَا |
القول في تأويل قوله تعالى : وَالسّلْوَى والسلوى : اسم طائر يشبه السمانَي، واحده وجماعه بلفظ واحد، كذلك السمانَي لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قيل : إن واحدة السلوى سلواة. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثني عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ : السلوى : طير يشبه السمانَي.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : كان طيرا أكبر من السماني.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : السلوى : طائر كانت تحشرها عليهم ريح الجنوب.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : السلوى : طائر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : السلوى : طير.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : حدثني عبد الصمد، قال : سمعت وهبا سئل : ما السلوى ؟ فقال : طير سمين مثل الحمام.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : السلوى : طير.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس : السلوى : كان طيرا يأتيهم مثل السماني.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال : السلوى : السماني.
حدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : السلوى : هو السماني.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : أخبرنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال : السلوى : السماني.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا قرة، عن الضحاك، قال : السمانَى هو السلوى.
فإن قال قائل : وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله المنّ والسلوى على هؤلاء القوم ؟ قيل : قد اختلف أهل العلم في ذلك، ونحن ذاكرون ما حضرنا منه.
فحدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي : لما تاب الله على قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. وكان من أمرهم وأمر الجبارين، وأمر قوم موسى ما قد قصّ الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى : اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ فغضب موسى، فدعا عليهم قال : رَبّ إني لا أمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وأخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالى : إِنّهَا مُحَرّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ. فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له : ما صنعت بنا يا موسى ؟ فلما ندم أوحى الله إليه أنْ لا تأسَ على القَوْمِ الفاسقِينَ أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين. فلم يحزن. فقالوا : يا موسى كيف لنا بماء ههنا، أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط على شجر الترنجبين، والسلوى : وهو طير يشبه السماني، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطير إن كان سمينا ذبحه، وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا : هذا الطعام، فأين الشراب ؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا : هذا الطعام والشراب، فأين الظلّ ؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا : هذا الظلّ فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرّق لهم ثوب، فذلك قوله : وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمْ الغَمَامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ وَالسّلْوَى وقوله : وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِمَ كلّ أُناسِ مَشْرَبَهُمْ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة، وقال : إنني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلاً، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدوّ فإني ناصركم عليهم فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عزّ وجل، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام وهي أرض ليس فيها خَمَر ولا ظلّ، دعا موسى ربه حين آذاهم الحر، فظلل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله لهم المنّ والسلوى.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس. وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمْ الغَمامَ قال : ظلل عليهم الغمام في التيه : تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة، كلما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك حتى مرّت أربعون سنة.