جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هََذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُولُواْ حِطّةٌ نّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾
والقرية التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فيما ذكر لنا : بيت المقدس. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أنبأنا عبد الرزاق، قال : أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله : ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ قال : بيت المقدس.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثني عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدِي : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ أما القرية فقرية بيت المقدس.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ يعني بيت المقدس.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سألته يعني ابن زيد عن قوله : ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا قال : هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس.
القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدا.
يعني بذلك : فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب. وقد بينا معنى الرغد فيما مضى من كتابنا، وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه.
القول في تأويل قوله تعالى : وَادْخُلُوا البابَ سُجّدا.
أما الباب الذي أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل : هو باب الحطة من بيت المقدس. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ادْخُلُوا البابَ سُجّدا قال : باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : وادْخُلُوا البابَ سُجّدا أما الباب فباب من أبواب بيت المقدس.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وَادْخُلُوا البابَ سُجّدا أنه أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى باب حطة.
وأما قوله : سُجّدا فإن ابن عباس كان يتأوّله بمعنى الركع.
حدثني محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا سفيان عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : ادْخُلُوا البابَ سُجّدا قال : ركعا من باب صغير.
حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله : ادْخُلُوا البابَ سُجّدا قال : أمروا أن يدخلوا ركعا. وأصل السجود : الانحناء لمن سجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد، ومنه قول الشاعر :
| بِجَمْعٍ تَضِلّ البُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ | تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجّدا للْحَوَافِرِ |
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِيكِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُؤارَا
فذلك تأويل ابن عباس قوله : سُجّدا ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشدّ انحناء منه.
القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا حِطّةٌ.
وتأويل قوله : حِطّةٌ : فعلة، من قول القائل : حطّ الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة، بمنزلة الردة والحدّة والمدة من حددت ومددت.
واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك منهم :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر : وَقُولُوا حِطّةٌ قال الحسن وقتادة : أي احطط عنا خطايانا.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَقُولُوا حِطّةٌ : يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس : قُولُوا حِطّةٌ قال : يحطّ عنكم خطاياكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله : حِطّةٌ : مغفرة.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : حِطّةٌ قال : يحطّ عنكم خطاياكم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : أخبرني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال لي عطاء في قوله : وَقُولُوا حِطّةٌ قال : سمعنا أنه يحطّ عنهم خطاياهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : قولوا لا إلَه إلا الله. كأنهم وجهوا تأويله : قولوا الذي يحطّ عنكم خطاياكم، وهو قول لا إلَه إلا الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قالا : أخبرنا حفص بن عمر، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة : وَقُولُوا حِطّةٌ قال : قولوا لا إلَه إلا الله.
وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة، إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقيله الاستغفار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : وَقُولُوا حِطّةٌ قال : أمروا أن يستغفروا.
وقال آخرون نظير قول عكرمة، إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولوه هو أن يقولوا هذا الأمر حقّ كما قيل لكم. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله : وَقُولُوا حِطّةٌ قال : قولوا هذا الأمر حقّ كما قيل لكم.
واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت الحطة، فقال بعض نحويي البصرة : رفعت الحطة بمعنى «قولوا » ليكن منكم حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل سَمْعُك.
وقال آخرون منهم : هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك.
وقال بعض نحويي الكوفيين : رفعت الحطة بضمير «هذه »، كأنه قال : وقولوا هذه حطة.
وقال آخرون منهم : هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال : قولوا ما هو حطة، فتكون حطة حينئذٍ خبرا ل«ما ».
والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطة بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله : وَادْخُلُوا البابَ سُجّدا كما قال جل ثناؤه : وَإِذْ قَالَتْ أُمّة مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبّكُمْ يعني موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله : وَقُولُوا حِطّةٌ يعني بذلك : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ. . . وَادْخُلُوا البابَ سُجّدا وَقُولُوا دخولنا ذلك سجدا حُطّةٌ لذنوبنا، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفا.
وأما على تأويل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في «حطة »، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا : لا إلَه إلا الله، أو أن يقولوا : نستغفر الله، فقد قيل لهم : قولوا هذا القول، ف«قولوا » واقع حينئذٍ على الحطة، لأن الحطة على قول عكرمة هي قول لا إلَه إلا الله، وإذ كانت هي قول لا إلَه إلا الله، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلاً بقول الخير، فقال له :«قل خيرا » نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له «قل خير » إلا على استكراه شديد.
وفي إجماع القراء على رفع «الحطة » بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله : وَقُولُوا حِطّةٌ. وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله : وَقُولُوا حِطّةٌ أن تكون القراءة في «حطة » نصبا، لأن من شأن العرب إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا المصادر، كما قال الشاعر :
| أُبِيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ | على أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبا شآمِيَا |
القول في تأويل قوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ.
يعني بقوله : نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليه. وأصل الغفر : التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره. ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جنة للرأس «مِغْفر »، لأنها تغطي الرأس وتُجِنّه، ومثله غمد السيف، وهو ما يغمده فيواريه ولذلك قيل لزئبر الثوب «غفر »، لتغطيته العورة، وحَوْلِه بين الناظر والنظر إليها. ومنه قول أوس بن حجر :
| فَلا أعْتِبُ ابنَ العَمّ إنْ كانَ جاهِلاً | وأغْفِرُ عَنْهُ الجَهْلَ إنْ كانَ أَجْهَلاَ |
القول في تأويل قوله تعالى : خَطاياكُمْ والخطايا جمع خطية بغير همز كما المطايا جمع مطية، والحشايا جمع حشية. وإنما ترك جمع الخطايا بالهمز، لأن ترك الهمز في خطيئة أكثر من الهمز، فجمع على خطايا، على أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الخطايا مجموعة على خطيئة بالهمز لقيل خطائى على مثل قبيلة وقبائل، وصحيفة وصحائف. وقد تجمع خطيئة بالتاء فيهمز فيقال خطيئات، والخطيئة فعلية من خَطِىء الرجل يَخْطَا خِطْأً، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر :
| وَإِنْ مُهاجِرَينَ تَكَنّفاهُ | لَعَمْرُ اللّهِ قَدْ خَطِئا وَخابَا |
القول في تأويل قوله تعالى : وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ.
وتأويل ذلك ما رُوي لنا عن ابن عباس، وهو ما :
حدثنا به القاسم بن الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس : وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ : من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.
فتأويل الآية : وإذْ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات، موسعا عليكم بغير حساب، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا : سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحطّ به آثامنا، نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم، فنسترها عليه، ونحطّ أوزاره عنه، وسنزيد المحسنين منكم إلى إحساننا السالف عنده إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيائهم واستهزائهم برسله، مع عظيم آلاء الله عز وجل عندهم، وعجائب ما أراهم من آياتهم وعبره، موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلمهم أنهم إن تعدّوا في تكذيبهم محمدا ﷺ وجحودهم نبوّته مع عظيم إحسان الله بمبعثه فيهم إليهم، وعجائب ما أظهر على يديه من الحجج بين أظهرهم، أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقصّ علينا أنباءهم في هذه الاَيات، فقال جل ثناؤه : فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا على الّ