البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ظلل : فعل، وهو مشتق من الظل، والظل أصله المنفعة، والسحابة ظلة لما يحصل تحتها من الظل، ومنه قيل : السلطان ظلّ الله في الأرض، قال الشاعر :
فلو كنت مولى الظل أو في ظلالهظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم
الغمام : اسم جنس بينه وبين مفرده هاء التأنيث، تقول : غمامة وغمام، نحو حمامة وحمام، وهو السحاب.
وقيل : ما ابيض من السحاب، وقال مجاهد : هو أبرد من السحاب وأرق، وسمي غماماً لأنه يغم وجه السماء : أي يستره، ومنه : الغم والغمم والأغم والغمة والغمى والغماء، وغمّ الهلال : ستر، والنبت الغميم : هو الذي يستر ما يسامته من وجه الأرض.
المنّ : مصدر مننت، أي قطعت، والمن : الإحسان، والمن : صمغة تنزل على الشجر حلوة، وفي المراد به في الآية أقوال ستأتي، إن شاء الله تعالى.
السلوى : اسم جنس، واحدها سلواة، قاله الخليل، والألف فيها للإلحاق لا للتأنيث نحو : علقى وعلقاة، إذ لو كانت للتأنيث لما أنث بالهاء، قال الشاعر :
وإني لتعروني لذكراك سلوةكما انتفض السلواة من بلل القطر
وقال الكسائي : السلوى واحدة، وجمعها سلاوي.
وقال الأخفش : جمعه وواحده بلفظ واحد.
وقيل : جمع لا واحد له من لفظه.
وقال مؤرخ السدوسي : السلوى هو العسل بلغة كنانة، قال الشاعر :
وقاسمها بالله جهداً لأنتمألذ من السلوى إذا ما نشورها
وقال غيره : هو طائر.
قال ابن عطية : وقد غلط الهذلي في قوله :
ألذ من السلوى إذا ما نشورها***
فظن السلوى العسل.
وعن هذا جوابان يبينان أن هذا ليس غلطاً : أحدهما : ما نقلناه عن مؤرج من كونه العسل بلغة كنانة، والثاني : أنه تجوز في قوله : نشورها لأجل القافية، فعبر عن الأكل بالشور، على سبيل المجاز، قالوا : واشتقاق السلوى من السلوة، لأنه لطيبه يسلي عن غيره.
الطيب : فيعل من طاب يطيب، وهو اللذيذ، وتقدم الكلام في اختصاص هذا الوزن بالمعتل، إلا ما شذ، وفي تخفيف هذا النوع وبالمخفف منه سميت مدينة رسول الله ﷺ طيبة.
﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ الغمام : مفعول على إسقاط حرف الجرّ، أي بالغمام، كما تقول : ظللت على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظللاً.
فعلى هذا الوجه الثاني يكون فعل فيه، يجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم : عدّلت زيداً، أي جعلته عدلاً، فكذلك هذا معناه : جعلنا الغمام عليكم ظلة، وعلى الوجه الأول تكون فعل فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية، ثم ضمن معنى فعل يعدى بعلى، فكان الأصل : وظللناكم، أي أظللناكم بالغمام، نحو ما ورد في الحديث :« سبعة يظلهم الله في ظله »، ثم ضمن ظلل معنى كلل أو شبهة مما يمكن تعديته بعلى، فعداه بعلى.
وقد تقدم ذكر معاني فعل، وليس المعنى على ما يقتضيه ظاهر اللفظ، إذ ظاهره يقتضي أن الغمام ظلل علينا، فيكون قد جعل على الغمام شيء يكون ظلة للغمام، وليس كذلك، بل المعنى، والله أعلم، ما ذكره المفسرون.
وقد تقدّم تفسير الغمام، وقيل : إنه الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر، وهو الذي تأتي فيه ملائكة الرحمن، وهو المشار إليه بقوله :﴿في ظلل من الغمام والملائكة﴾ وليس بغمام حقيقة، وإنما سمي غماماً لكونه يشبه الغمام.
وقيل : الذين ظلّل عليهم الغمام بعض بني إسرائيل، وكان الله قد أجرى العادة في بني إسرائيل أن من عبد الله ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنباً أظلّته غمامة.
وحكي أن شخصاً عبد ثلاثين سنة فلم تظله غمامة، فجاء إلى أصحاب الغمائم فذكر لهم ذلك فقالوا : لعلك أحدثت ذنباً، فقال : لا أعلم شيئاً إلا أني رفعت طرفي إلى السماء وأعدته بغير فكر، فقالوا له : ذلك ذنبك، وكانت فيهم جماعة يسمون أصحاب الغمائم، فامتنّ الله عليهم بكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة الباهرة.
والمكان الذي أظلتهم فيه الغمامة كان في التيه بين الشام ومصر لما شكوا حر الشمس، وسيأتي بيان ذلك في قصتهم.
وقيل : أرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل، وقعوا فيها حين خرجوا من البحر، فأظلهم الله بالغمام، ووقاهم حرّ الشمس.
﴿وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى﴾ المنّ : اسم جنس لا واحد له من لفظه.
وفي المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل أقوال : ما يسقط على الشجر أحلى من الشهد وأبيض من الثلج، وهو قول ابن عباس والشعبي، أو صمغة طيبة حلوة، وهو قول مجاهد ؛ أو شراب كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجه بالماء، وهو قول الرّبيع أبن أنس وأبي العالية ؛ أو عسل كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيد ؛ أو الرقاق المتخذ من الذرة أو من النقي، وهو قول وهب ؛ أو الزنجبيل، وهو قول السدّي، أو الترنجبين، وعليه أكثر المفسرين ؛ أو عسل حامض، قاله عمرو بن عيسى ؛ أو جميع ما منّ الله به عليهم في التيه وجاءهم عفواً من غير تعب، قاله الزّجاج، ودليله قوله ﷺ :« الكمأة من المنّ الذي منّ الله به على بني إسرائيل » وفي رواية : على موسى.
وفي السلوى الذي أنزله الله على بني إسرائيل أقوال : طائر يشبه السماني، أو هو السماني نفسه، أو طيور حمر بعث الله بها سحابة فمطرت في عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض، قاله أبو العالية ومقاتل ؛ أو طير يكون بالهند أكبر من العصفور، قاله عكرمة ؛ أو طير سمين مثل الحمام ؛ أو العسل بلغة كنانة، وكانت تأتيهم السلوى من جهة السماء، فيختارون منها السمين ويتركون الهزيل ؛ وقيل : كانت ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي.
وقيل : كانت تنزل على الشجر فينطبخ نصفها وينشوي نصفها.
وكان المنّ ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والسلوى بكرة وعشياً، وقيل : دائماً، وقيل : كلما أحبوا.
وقد ذكر المفسرون حكايات في التظليل ونزول المنّ والسلوى، وتظافرت أقاويلهم أن ذلك كان في فحص التيه، وستأتي قصته في سورة المائدة، إن شاء الله تعالى، وأنهم قالوا : من لنا من حراك الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام، وقالوا : من لنا بالطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى، وقالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر الله موسى بضرب الحجر، وهذه دل عليها القرآن.
وزيد في تلك الحكايات أنهم قالوا : بم نستصبح ؟ فضرب لهم عمود من نور في وسط محلتهم، وقيل : من نار، وقالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب، ولا يخلق، ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان.
﴿كلوا﴾ : أمر إباحة وإذن كقوله :﴿فاصطادوا﴾ ﴿فانتشروا في الأرض﴾ وذلك على قول من قال : إن الأصل في الأشياء الحظر، أو دوموا على الأكل على قول من قال الأصل فيها الإباحة، وههنا قول محذوف، أي وقلنا : كلوا، والقول يحذف كثيراً ويبقى المقول، وذلك لفهم المعنى، ومنه : أكفرتم ؟ أي فيقال : أكفرتم ؟ وحذف المقول وإبقاء القول قليل، وذلك أيضاً لفهم المعنى، قال الشاعر :
لنحن الألى قلتم فأنى ملئتمبرؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
التقدير : قلتم نقاتلهم.
﴿من طيبات﴾ : من : للتبعيض لأن المن والسلوى بعض الطيبات، وأبعد من ذهب إلى أنها زائدة، ولا يتخرج ذلك إلا على قول الأخفش، وأبعد من هذا قول من زعم أنها للجنس، لأن التي للجنس في إثباتها خلاف، ولا بد أن يكون قبلها ما يصلح أن يقدر بعده موصول يكون صفة له.
وقول من زعم أنها للبدل، إذ هو معنى مختلف في إثباته، ولم يدع إليه هنا ما يرجح ذلك.
والطيبات هنا قيل : الحلال، وقيل : اللذيذ المشتهى.
ومن زعم أن هذا على حذف مضاف، وهو كلوا من عوض طيبات ما رزقناكم، فقوله ضعيف، عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة بالمن والسلوى، فكانا بدلاً من الطيبات.
وقد استنبط بعضهم من قوله :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل، بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك، وهو قول.
وقيل : يملك بالوضع فقط، وقيل : بالأخذ والتناول، وقيل : لا يملك بحال، بل ينتفع به وهو على ملك المالك.
وما في قوله :﴿ما رزقناكم﴾ موصولة، والعائد محذوف، أي ما رزقناكموه، وشروط الحذف فيه موجودة، ولا يبعد أن يجوز مجوّز فيها أن تكون مصدرية، فلا يحتاج إلى تقدير ضمير، ويكون يطلق المصدر على المفعول، والأول أسبق إلى الذهن.
﴿وما ظلمونا﴾ نفي أنهم لم يقع منهم ظلم لله تعالى، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء إمكان وقوعه، لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه ألبتة.
قيل : المعنى وما ظلمونا بقولهم :﴿أرنا الله جهرة﴾، بل ظلموا أنفسهم بما قابلناهم به من الصاعقة.
وقيل : وما ظلمونا بادخارهم المن والسلوى، بل ظلموا أنفسهم بفساد طعامهم وتقليص أرزاقهم.
وقيل : وما ظلموانا بإبائهم على موسى أن يدخلوا قرية الجبارين.
وقيل : وما ظلمونا باستحبابهم العذاب وقطعهم مادّة الرزق عنهم، بل ظلموا أنفسهم بذلك.
وقيل : وما ظلمونا بكفر النعم، بل ظلموا أنفسهم بحلول النقم.
وقيل : وما ظلمونا بعبادة العجل، بل ظلموا أنفسهم بقتل بعضهم بعضاً.
واتفق ابن عطية والزمخشري على أنه يقدر محذوف قبل هذه الجملة، فقدره ابن عطية، فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، قال : والمعنى وما وضعوا فعلهم في موضع مضرّة لنا، ولكن وضعوه في موضع مضرّة لهم حيث لا يجب.
وقدره الزمخشري : فظلموا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلمونا، قال : فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه، انتهى.
ولا يتعين تقدير محذوف، كما زعما، لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلهاً، ومن سؤال رؤية الله على سبيل التعنت، وغير ذلك مما لم يقص هنا.
فجاء قوله تعالى :﴿وما ظلمونا﴾ جملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا بذلك نقص ولا ضرر، بل وبال ذلك راجع إلى أنفسهم ومختص بهم، لا يصل إلينا منه شيء.
﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ : لكن هنا وقعت أحسن موقع، لأنه تقدم قبلها نفي وجاء بعدها إيجاب، نحو قوله تعالى :﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾، وكذلك العكس، نحو قوله تعالى :﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾، أعني أن يتقدم إيجاب ثم يجيء بعدها نفي، لأن الاستدراك الحاصل بها إنما يكون عليه ما قبلها بوجه مّا، وذلك أنه لما تقرر أنه قد وقع منهم ظلم، فلما نفى ذلك الظلم أن يصل إلى الله تعالى بقيت النفس متشوّفة ومتطلعة إلى ذكر من وقع به الظلم، فاستدرك بأن ذلك الظلم الحاصل منهم إنما كان واقعاً بهم، وأحسن مواقعها أن تكون بين المتضادين، ويليه أن تقع بين النقيضين، ويليه أن تقع بين الخلافين، وفي هذا الأخير خلاف بين النحويين.
أذلك تركيب عربي أم لا ؟ وذلك نحو قولك : ما زيد قائم، ولكن هو ضاحك، وقد تكلم على ذلك في علم النحو.
واتفقوا على أنها لا تقع بين المتماثلين نحو : ما خرج زيد ولكن لم يخرج عمرو.
وطباق الكلام أن يثبت ما بعد لكن على سبيل ما نفي قبلها، نحو قوله :﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾، لكن دخلت كانوا هنا مشعرة بأن ذلك من شأنهم ومن طريقتهم، ولأنها أيضاً تكون في كثير من المواضع تستعمل حيث يكون المسند لا ينقطع عن المسند إ
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ذكر قصص بني إسرائيل فصولاً منها : أمر موسى، على نبينا وعليه السلام، إياهم بالتوبة إلى الله من مقارفة هذا الذنب العظيم الذي هو عبادة العجل من دون الله، وأن مثل هذا الذنب العظيم تقبل التوبة منه، والتلطف بهم في ندائهم بيا قوم، وتنبيههم على علة الظلم الذي كان وباله راجعاً عليهم، والإعلام بأن توبتهم بقتل أنفسهم، ثم الإخبار بحصول توبة الله عليهم وأن ذلك كان بسابق رحمته، ثم التوبيخ لهم بسؤالهم ما كان لا ينبغي لهم أن يسألوه، وهو رؤية الله عياناً، لأنه كان سؤال تعنت.
ثم ذكر ما ترتب على هذا السؤال من أخذ الصاعقة إياهم.
ثم الإنعام عليهم بالبعث، وهو من الخوارق العظيمة أن يحيى الإنسان في الدنيا بعد أن مات.
ثم إسعافهم بما سألوه، إذ وقعوا في التيه، واحتاجوا إلى ما يزيل ضررهم وحاجتهم من لفح الشمس، وتغذية أجسادهم بما يصلح لها، فظلل عليهم الغمام، وهذا من أعظم الأشياء وأكبر المعجزات حيث يسخر العالم العلوي للعالم السفلي على حسب اقتراحه، فكان على ما قيل : تظلهم بالنهار وتذهب بالليل حتى ينوّر عليهم القمر.
وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا من أشرف المأكول، إذ جمع بين الغذاء والدواء، بما في ذلك من الحلاوة التي في المن والدسم الذي في السلوى، وهما مقمعاً الحرارة ومثيراً القوّة للبدن.
ثم الأمر لهم بتناول ذلك غير مقيد بزمان ولا مكان، بل ذلك أمر مطلق.
ثم التنصيص أن ذلك من الطيبات وبحق ما يكون ذلك من الطيبات.
ثم ذكر أنه رزق منه لهم لم يتعبوا في تحصيله ولا استخراجه ولا تنميته، بل جاء رزقاً مهنأ لا تعب فيه.
ثم أرداف هذه الجمل بالجملة الأخيرة، إذ هي مؤكدة لافتتاح هذه الجمل السابقة، لأنه افتتحها بالإخبار بأنهم ظلموا أنفسهم، وختمها بذلك وهو قوله :﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
فجاءت هذه الجمل في غاية الفصاحة لفظاً والبلاغة معنى، إذ جمعت الألفاظ المختارة والمعاني الكثيرة متعلقاً أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لطف الإخبار عن نفسه.
فحيث ذكر النعم صرح بأن ذلك من عنده، فقال : ثم بعثناكم، وقال : وظللنا وأنزلنا، وحيث ذكر النقم لم ينسبها إليه تعالى فقال : فأخذتكم الصاعقة.
وسر ذلك أنه موضع تعداد للنعم، فناسب نسبة ذلك إليه ليذكرهم آلاءه، ولم ينسب النقم إليه، وإن كانت منه حقيقة، لأن في نسبتها إليه تخويفاً عظيماً ربما عادل ذلك الفرح بالنعم.
والمقصود : انبساط نفوسهم بذكر ما أنعم الله به عليهم، وإن كان الكلام قد انطوى على ترهيب وترغيب، فالترغيب أغلب عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى