اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
كسرت الذّال من " إذ " لالتقاء الساكنين، والسين للطلب على وجه الدعاء أي : سأل لهم السُّقْيَا، وألف " اسْتَسْقَى " منقلبة عن ياء ؛ لأنه من " السَّقْي "، وتقدَّم معنى " اسْتَفْعَلَ "، ويقال :" سَقَيْتُه " و " أَسْقَيْتُهُ "، بِمَعْنًى ؛ وأنشد :[ الوافر ]
وقيل :" سقيته " : أعطيته ما يشرب، " وأسقيته " : جعلت ذلك له يتناوله كيف شاء.
و " الإسْقاء " أبلغ من " السَّقْي " على هذا.
وقيل : أسقيته : دَلَلْتُه على الماء، وسيأتي عند قوله :﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] وسقى وأسقى متعدّيان لمفعولين، قال تعالى :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] وقال :﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧].
و " لِقَوْمِهِ " متعلّق بالفعل، واللام للعلّة، أي : لأجل، أو تكون للبيان لما كان المراد به الدعاء كالتي في قولهم :" سُقْياً لَكَ " فتتعلّق بمحذوف كنظيرتها.
قوله :﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ الإدغام هنا واجبٌ ؛ لأنه متى اجتمع مثلان في كلمتين ؛ أو كلمة أوّلهما ساكن وجب الإدغام نحو : اضرب بكراً، وألف " عصاك " منقلبة عن واو ؛ لقولهم في النّسب : عَصَوِيٌّ، وفي التثنية عَصَوَان ؛ قال :[ الطويل ]
والجمع :" عُصِيّ " " وَعِصِيّ " بضم العين وكسرها إتباعاً، و " أَعْصٍ " مثل :" زَمَنٍ " " وأَزْمُن "، والأصل :" عُصُوُو " و " أَعْصُو "، فأعلّ. وعَصَوْتُه بالعَصَا، وعَصَيْتُه بالسيف. و " ألقى عَصَاه " يعبر به عن بلوغ المنزل، قال :[ الطويل ]
وانشقت العَصَا بين القوم، أي : وقع الخلاف ؛ قال :[ الطويل ]
قال الفَرَّاء :" أوّل لحن سمع ب " العراق " هذه عَصَاتي "، يعني : بالتاء.
وفي [ المثل ] :" العَصَا من العُصَيَّة " أي : بَعْضُ الأمر من بَعْضٍ.
و " الحَجَر " مفعول. و " أل " فيه للعَهْدِ.
وقيل : للجنس، وهو معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد " أَحْجَار " وفي التكثير :" حِجَارٌ وحِجَارَةٌ ". و " الحِجَارة " نادر، وهو كقولنا :" جَمَل وجِمَالة "، و " ذَكَر وذِكَارة " قاله ابن فارس والجَوْهري.
وكيف يكون نادراً وفي القرآن :﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٢٧]، ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ [الفيل: ٤]، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ [هود: ٨٢].
قوله :﴿فَانفَجَرَتْ﴾ " الفاء " عاطفة على محذوف لا بُدّ من تقديره : فضرب فانفجرت. قال ابن عصفور : إن هذه " الفاء " الموجودة هي الداخلة على ذلك الفعل المحذوف، والفاء الداخلة على " انْفَجَرَتْ " محذوفة، وكأنه يقول : حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفت " الفاء " الثانية لدلالة الأولى عليها. ولا حاجة إلى ذلك، بل يقال : حذفت الفاء، وما عطفته قبلها.
وجعلها الزمخشري جواب شرط [ مقدر ] قال :[ أو ] فإن ضربت فقد انفجرت، قال :" وهي على هذا فاء فَصِيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ". وكأنه يريد تفسير المعنى لا الإعراب.
و " الانْفِجَار " : الانشقاق والتفتُّح، ومنه : الفَجْر لانشقاقه بالضَّوء.
وفي " الأعراف " :﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] فقيل : هما بمعنى.
وقيل :" الانْبِجَاس " أضيق ؛ لأنه يكون أولاً والانفجار ثانياً.
وقيل : انبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق بمعنًى وَاحِدٍ.
قوله :﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ فاعل " انْفَجَرَتْ "، والألف علامة الرفع ؛ لأنه محمول على المُثَنّى، وليس بمثنى حقيقة، إذ لا واحد له من لفظه، وكذلك مذكره " اثنان "، ولا يضاف إلى تمييز، لاستغنائه بذكر المعدود " مثنى " تقول :" رجلان وامرأتان " ولا تقول :" اثنا رَجُل، ولا اثنتا امرأة " إلا ما جاء نادراً فلا يقاس عليه، قال :[ الرجز ]
و " ثنتان " مثل " اثنتين "، وحكم اثنين واثنتين في العدد المركب أن يُعْرَبا بخلاف سائر أخواتهما، قالوا : لأنه حذف معهما ما يحذف في المعرب عند الإضافة، وهي النون، فأشبها المعرب فأعربا كالمثنى بالألف رفعاً والباء نصباً وجرًّا.
وأما " عَشْرة " فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث، ولها أحكام كثيرة.
و " عَيْناً " تمييز. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى :" عَشِرَة " بكسر الشين، وهي لغة تميم.
قال النحَّاس :" وهذا عجيب، فإن لغة تميم " عشرة " بالكسر، وسبيلهم التخفيف، ولغة " عَشْرة " بالسكون، وسبيلهم التثقيل ".
وقرأ الأعمش :" عَشَرَة " بالفتح.
و " العَيْن " : اسم مشترك بين عَيْنِ الإنسان، وعَيْنِ الماء، وعين الرَّكيّة، وعَيْنِ الشمس، وعَيْنِ الذهب، وعين الميزان.
والعين : سحابة تقبل من ناحية القبلة. والعين : المَطَر الدائم ستًّا أو خمساً. والعين : الثقب في المَزَادة، وبلد قليل العين، أي : قليل النَّاس. [ وبها عين، محركة الياء ].
فإن قيل : إذا كانت العين لفظاً مشتركاً بين حقائق، فكيف وقعت هنا تمييزاً ؟
فالجواب : أن قوله :" وَإذِ اسْتَسْقَى "، وقوله :" فَانْفَجَرَتْ "، وقوله :" مَشْرَبَهُمْ " دليل على إرادة عين الماء، فاللفظ مع القرينة مميز، والعَيْن من الماء شبيهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها، كخروج الدَّمع من عين الحيوان.
وقيل : لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبّهت به عين الماء ؛ لأنها أشرف ما في الأرض.
قوله :﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٠] قد تقدّم الكلام على أنّ " أناس " أصل " النّاس ".
وقال الزمخشري في سورة " الأعراف " :" إنه اسم جمع غير تكسير "، ثم قال :" ويجوز أن يكون الأصل الكسر، والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في سُكَارى " من الفتحة وسيأتي البحث معه إن شاء الله تعالى.
قوله :﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ مفعول ل " علم " بمعنى " عرف "، و " المَشْرَب " - هنا موضع الشُّرْب ؛ لأنه روي أنه كان لكل سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرة عيناً، لا يشاركه فيها سبط غيره.
وقيل : هو نفس المشروب، فيكون مصدراً واقعاً موقع المفعول به، وضمير الجمع في قوله :" مشربهم " يعود على معنى " كُلُّ أُنَاسٍ ".
قال جمهور المفسرين : هذا الاستسقاء كان في التِّيْهِ ؛ لأن الله تعالى لما ظَلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المَنّ والسَّلْوَى، وجعل ثيابهم بحيث لا تَبْلَى، ولا تَتَّسِخ خافوا العَطَش، فأعطاهم الله الماء من ذلك الحَجَرِ، وأنكر أبو مسلم ذلك وقال : بل هو كلام مفرد بِذَاتِهِ، ومعنى الاسْتِسْقَاء طلب السُّقْيَا من المطر على عادة الناس إذا [ أقحطوا ]، ويكون ما فعله الله من تَفْجِيرِ الحجر بالماء فوق الإجابة بالسُّقيا، [ وإنزال الغيث ].
[ وقال ابن الخطيب :] وليس في الآية ما يدلّ على أحد القولين، وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التِّيْهِ ؛ لأن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النَّادر، وأيضاً روي أنهم كانوا يحملون الحَجَر معهم ؛ لأنه صار معدًّا لذلك، [ فكما كان ] المَنّ والسّلوى ينزلا من كل غَدَاة، فكذلك الماء يتفجّر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيّامهم في التِّيْهِ.
اختلفوا في العَصَا، فقال الحسن : كانت عَصَا أخذها من بعض الأشجار وقيل : كانت من آسِ الجَنّة طولها عشرة أَذْرُع على طول موسى، ولها شُعْبَتَان تَتَّقِدَان في الظلمة، واسمه عليق، وكان آدم عليه الصلاة والسلام حمله معه من الجَنّة إلى الأرض، فتوارثه صَاغراً عن كَابِرٍ حتى وصل إلى شُعَيْب عليه الصلاة والسلام فأعطاه لموسى عليه الصلاة والسلام.
والذي ينبغي أن يقال : إنها كانت بمقدار يصحّ أن يتوكّأ عليها، وأن تنقلب حَيَّةً عظيمة، وما زاد على ذلك لا دليل عليه.
قال ابن الخطيب :" والسُّكوت عن هذه المباحث واجب ؛ لأنه ليس فيها نَصّ متواتر، ولا يتعلّق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظَّن المستفاد من أخبار الآحاد ".
إن قلنا : الألف واللام في " الحَجَرِ " للعَهْد، فالإشارة إلى حَجَرٍ معلوم، روي أنه حجر طُوري مربّع قدر رأس الشَّاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، ينبع من كل وَجْه ثلاثة أعين لكل سِبْط عين تسيل في جدول إلى ذلك السّبط، فإذا نزلوا وضع في وسط محلّتهم.
وقيل : بل كانوا يجدونه في كل مَرْحَلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا من [ أعظم ] الإعجاز.
وقال سعيد بن جُبَيْرٍ : هو الحَجَرُ الذي وضع عليه موسى ثَوْبَهُ حين اغتسل، فضربه حتى بَرَّأَهُ الله مما رموه به من الأُدْرَة، فقال له جبريل : فيقول الله تعالى لك : ارفع هذا الحَجَرَ، فإن لي فيه قدرة، ولك فيه مُعْجزة، فحمله في مخْلاَتِهِ. قال أبو روق : كان من [ الكدّان ]، وقيل : من الرُّخَام.
[ فإن قلت ] : الألف واللام للجنس، فمعناه :[ اضرب ] أي حجر كان.
قال الحسن : لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال : وهذا أظهر في الحُجّة. وروي أنه كان يضره ضربةً واحدة، فيظهر فيه اثنتا عشر عيناً كل عين مثل ثَدْي المرأة فيعرق، وهو الانْبِجَاس، ثم ينفجر بالأنهار.
قال عطاء : ثم يضربه ضربةً واحدة فَيَيْبَسُ.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني : كان يضربه اثنتا عشرة ضربةً لكل عين ضربة.
قال القرطبي : ما أوتي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من نَبْعِ الماء وانفجاره من بين أصابعه أعظم في المُعْجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار، ومعجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يخرج الماء من بين لَحْمِ ودَمٍ !
وروى الأئمة الثقات عن عبد الله قال : كنا مع النبي ﷺ فلم يجد ماءً فأتي بِتَوْرٍ فأدخل يده فيه، فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، ويقول :" حي على الطّهور (١) ".
قال الأعمش : حدثني سالم بن أبي الجَعْد، قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفاً وخمسمائة. لفظ النَّسَائي.
والحكمة في جَعْلِ الماء اثنتي عشرة عيناً قطع التنازع والتَّشَاجر بينهم، وهذا الانفجار يدلّ على الإعجاز من وجوه.
أحدها : أن نفس ظهور الماء معجزة.
وثانيها : خروج الماء العطيم من الحجر الصغير.
وثالثها : خروج الماء بِقَدْر حاجتهم.
ورابعها : خروج الماء عند الضَّرْب بالعصا.
وخامسها : خروج الماء بالضَّرب بعصا معينة.
وسادسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه لا يمكن تحصيلها إلا بِقُدْرَةٍ تامة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات.
قوله :﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ هاتان ال
| ٥٢١- سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى | نُمَيْراً وَالقَبَائِلَ مِنْ هِلاَلِ |
و " الإسْقاء " أبلغ من " السَّقْي " على هذا.
وقيل : أسقيته : دَلَلْتُه على الماء، وسيأتي عند قوله :﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] وسقى وأسقى متعدّيان لمفعولين، قال تعالى :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] وقال :﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧].
و " لِقَوْمِهِ " متعلّق بالفعل، واللام للعلّة، أي : لأجل، أو تكون للبيان لما كان المراد به الدعاء كالتي في قولهم :" سُقْياً لَكَ " فتتعلّق بمحذوف كنظيرتها.
قوله :﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ الإدغام هنا واجبٌ ؛ لأنه متى اجتمع مثلان في كلمتين ؛ أو كلمة أوّلهما ساكن وجب الإدغام نحو : اضرب بكراً، وألف " عصاك " منقلبة عن واو ؛ لقولهم في النّسب : عَصَوِيٌّ، وفي التثنية عَصَوَان ؛ قال :[ الطويل ]
| ٥٢٢-. . . | عَلَى عَصَوَيْهَا سَابِريٌّ مُشَبْرَقُ |
| ٥٢٣- فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى | كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإيَابِ المُسَافِرُ |
| ٥٢٤- إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ العَصَا | فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ |
وفي [ المثل ] :" العَصَا من العُصَيَّة " أي : بَعْضُ الأمر من بَعْضٍ.
و " الحَجَر " مفعول. و " أل " فيه للعَهْدِ.
وقيل : للجنس، وهو معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد " أَحْجَار " وفي التكثير :" حِجَارٌ وحِجَارَةٌ ". و " الحِجَارة " نادر، وهو كقولنا :" جَمَل وجِمَالة "، و " ذَكَر وذِكَارة " قاله ابن فارس والجَوْهري.
وكيف يكون نادراً وفي القرآن :﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٢٧]، ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ [الفيل: ٤]، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ [هود: ٨٢].
قوله :﴿فَانفَجَرَتْ﴾ " الفاء " عاطفة على محذوف لا بُدّ من تقديره : فضرب فانفجرت. قال ابن عصفور : إن هذه " الفاء " الموجودة هي الداخلة على ذلك الفعل المحذوف، والفاء الداخلة على " انْفَجَرَتْ " محذوفة، وكأنه يقول : حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفت " الفاء " الثانية لدلالة الأولى عليها. ولا حاجة إلى ذلك، بل يقال : حذفت الفاء، وما عطفته قبلها.
وجعلها الزمخشري جواب شرط [ مقدر ] قال :[ أو ] فإن ضربت فقد انفجرت، قال :" وهي على هذا فاء فَصِيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ". وكأنه يريد تفسير المعنى لا الإعراب.
و " الانْفِجَار " : الانشقاق والتفتُّح، ومنه : الفَجْر لانشقاقه بالضَّوء.
وفي " الأعراف " :﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] فقيل : هما بمعنى.
وقيل :" الانْبِجَاس " أضيق ؛ لأنه يكون أولاً والانفجار ثانياً.
وقيل : انبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق بمعنًى وَاحِدٍ.
قوله :﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ فاعل " انْفَجَرَتْ "، والألف علامة الرفع ؛ لأنه محمول على المُثَنّى، وليس بمثنى حقيقة، إذ لا واحد له من لفظه، وكذلك مذكره " اثنان "، ولا يضاف إلى تمييز، لاستغنائه بذكر المعدود " مثنى " تقول :" رجلان وامرأتان " ولا تقول :" اثنا رَجُل، ولا اثنتا امرأة " إلا ما جاء نادراً فلا يقاس عليه، قال :[ الرجز ]
| ٥٢٥- كَأَنَّ خُصْيَيْهِ مِنَ التَّدَلْدُلِ | ظَرْفُ عَجُوزٍ فِيهِ ثِنْتَا حَنْظَلِ |
وأما " عَشْرة " فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث، ولها أحكام كثيرة.
و " عَيْناً " تمييز. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى :" عَشِرَة " بكسر الشين، وهي لغة تميم.
قال النحَّاس :" وهذا عجيب، فإن لغة تميم " عشرة " بالكسر، وسبيلهم التخفيف، ولغة " عَشْرة " بالسكون، وسبيلهم التثقيل ".
وقرأ الأعمش :" عَشَرَة " بالفتح.
و " العَيْن " : اسم مشترك بين عَيْنِ الإنسان، وعَيْنِ الماء، وعين الرَّكيّة، وعَيْنِ الشمس، وعَيْنِ الذهب، وعين الميزان.
والعين : سحابة تقبل من ناحية القبلة. والعين : المَطَر الدائم ستًّا أو خمساً. والعين : الثقب في المَزَادة، وبلد قليل العين، أي : قليل النَّاس. [ وبها عين، محركة الياء ].
فإن قيل : إذا كانت العين لفظاً مشتركاً بين حقائق، فكيف وقعت هنا تمييزاً ؟
فالجواب : أن قوله :" وَإذِ اسْتَسْقَى "، وقوله :" فَانْفَجَرَتْ "، وقوله :" مَشْرَبَهُمْ " دليل على إرادة عين الماء، فاللفظ مع القرينة مميز، والعَيْن من الماء شبيهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها، كخروج الدَّمع من عين الحيوان.
وقيل : لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبّهت به عين الماء ؛ لأنها أشرف ما في الأرض.
قوله :﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٠] قد تقدّم الكلام على أنّ " أناس " أصل " النّاس ".
وقال الزمخشري في سورة " الأعراف " :" إنه اسم جمع غير تكسير "، ثم قال :" ويجوز أن يكون الأصل الكسر، والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في سُكَارى " من الفتحة وسيأتي البحث معه إن شاء الله تعالى.
قوله :﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ مفعول ل " علم " بمعنى " عرف "، و " المَشْرَب " - هنا موضع الشُّرْب ؛ لأنه روي أنه كان لكل سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرة عيناً، لا يشاركه فيها سبط غيره.
وقيل : هو نفس المشروب، فيكون مصدراً واقعاً موقع المفعول به، وضمير الجمع في قوله :" مشربهم " يعود على معنى " كُلُّ أُنَاسٍ ".
فصل في بيان أن الاستسقاء كان في التِّيه
قال جمهور المفسرين : هذا الاستسقاء كان في التِّيْهِ ؛ لأن الله تعالى لما ظَلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المَنّ والسَّلْوَى، وجعل ثيابهم بحيث لا تَبْلَى، ولا تَتَّسِخ خافوا العَطَش، فأعطاهم الله الماء من ذلك الحَجَرِ، وأنكر أبو مسلم ذلك وقال : بل هو كلام مفرد بِذَاتِهِ، ومعنى الاسْتِسْقَاء طلب السُّقْيَا من المطر على عادة الناس إذا [ أقحطوا ]، ويكون ما فعله الله من تَفْجِيرِ الحجر بالماء فوق الإجابة بالسُّقيا، [ وإنزال الغيث ].
[ وقال ابن الخطيب :] وليس في الآية ما يدلّ على أحد القولين، وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التِّيْهِ ؛ لأن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النَّادر، وأيضاً روي أنهم كانوا يحملون الحَجَر معهم ؛ لأنه صار معدًّا لذلك، [ فكما كان ] المَنّ والسّلوى ينزلا من كل غَدَاة، فكذلك الماء يتفجّر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيّامهم في التِّيْهِ.
فصل في جنس الشجرة
اختلفوا في العَصَا، فقال الحسن : كانت عَصَا أخذها من بعض الأشجار وقيل : كانت من آسِ الجَنّة طولها عشرة أَذْرُع على طول موسى، ولها شُعْبَتَان تَتَّقِدَان في الظلمة، واسمه عليق، وكان آدم عليه الصلاة والسلام حمله معه من الجَنّة إلى الأرض، فتوارثه صَاغراً عن كَابِرٍ حتى وصل إلى شُعَيْب عليه الصلاة والسلام فأعطاه لموسى عليه الصلاة والسلام.
والذي ينبغي أن يقال : إنها كانت بمقدار يصحّ أن يتوكّأ عليها، وأن تنقلب حَيَّةً عظيمة، وما زاد على ذلك لا دليل عليه.
قال ابن الخطيب :" والسُّكوت عن هذه المباحث واجب ؛ لأنه ليس فيها نَصّ متواتر، ولا يتعلّق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظَّن المستفاد من أخبار الآحاد ".
فصل في المراد بالحجر
إن قلنا : الألف واللام في " الحَجَرِ " للعَهْد، فالإشارة إلى حَجَرٍ معلوم، روي أنه حجر طُوري مربّع قدر رأس الشَّاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، ينبع من كل وَجْه ثلاثة أعين لكل سِبْط عين تسيل في جدول إلى ذلك السّبط، فإذا نزلوا وضع في وسط محلّتهم.
وقيل : بل كانوا يجدونه في كل مَرْحَلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا من [ أعظم ] الإعجاز.
وقال سعيد بن جُبَيْرٍ : هو الحَجَرُ الذي وضع عليه موسى ثَوْبَهُ حين اغتسل، فضربه حتى بَرَّأَهُ الله مما رموه به من الأُدْرَة، فقال له جبريل : فيقول الله تعالى لك : ارفع هذا الحَجَرَ، فإن لي فيه قدرة، ولك فيه مُعْجزة، فحمله في مخْلاَتِهِ. قال أبو روق : كان من [ الكدّان ]، وقيل : من الرُّخَام.
[ فإن قلت ] : الألف واللام للجنس، فمعناه :[ اضرب ] أي حجر كان.
قال الحسن : لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال : وهذا أظهر في الحُجّة. وروي أنه كان يضره ضربةً واحدة، فيظهر فيه اثنتا عشر عيناً كل عين مثل ثَدْي المرأة فيعرق، وهو الانْبِجَاس، ثم ينفجر بالأنهار.
قال عطاء : ثم يضربه ضربةً واحدة فَيَيْبَسُ.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني : كان يضربه اثنتا عشرة ضربةً لكل عين ضربة.
قال القرطبي : ما أوتي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من نَبْعِ الماء وانفجاره من بين أصابعه أعظم في المُعْجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار، ومعجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يخرج الماء من بين لَحْمِ ودَمٍ !
وروى الأئمة الثقات عن عبد الله قال : كنا مع النبي ﷺ فلم يجد ماءً فأتي بِتَوْرٍ فأدخل يده فيه، فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، ويقول :" حي على الطّهور (١) ".
قال الأعمش : حدثني سالم بن أبي الجَعْد، قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفاً وخمسمائة. لفظ النَّسَائي.
فصل في وجوه الإعجاز في انفجار الحجر
والحكمة في جَعْلِ الماء اثنتي عشرة عيناً قطع التنازع والتَّشَاجر بينهم، وهذا الانفجار يدلّ على الإعجاز من وجوه.
أحدها : أن نفس ظهور الماء معجزة.
وثانيها : خروج الماء العطيم من الحجر الصغير.
وثالثها : خروج الماء بِقَدْر حاجتهم.
ورابعها : خروج الماء عند الضَّرْب بالعصا.
وخامسها : خروج الماء بالضَّرب بعصا معينة.
وسادسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه لا يمكن تحصيلها إلا بِقُدْرَةٍ تامة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات.
قوله :﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ هاتان ال
١ - أخرجه النسائي (١/٦٠)، وأحمد (١/٤٦٠) والدارمي (١/١٥) وابن خزيمة (٢٠٤) وابن أبي شيبة (١١/٤٧٤) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/١٢٩)..