البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الاستسقاء : طلب السقي، والطلب أحد المعاني التي سبق ذكرها في الاستفعال في قوله :﴿وإياك نستعين﴾ العصا : مؤنث، والألف منقلبة عن واو، قالوا : عصوان، وعصوته : أي ضربته بالعصا، ويجمع على أفعل شذوذاً، قالوا : أعص، أصله أعصوو على فعول قياساً، قالوا : عصى، أصله عصوو، ويتبع حركة العين حركة الصاد، قال الشاعر :
ألا إن لا تكن إبل فمعزىكائن قرون جلتها العصى
الحجر : هو هذا الجسم الصلب المعروف عند الناس، وجمع على أحجار وحجار، وهما جمعان مقيسان فيه، وقالوا : حجارة بالتاء، واشتقوا منه، قالوا : استحجر الطين، والاشتقاق من الأعيان قليل جداً.
الانفجار : انصداع شيء من شيء، ومنه انفجر، والفجور : وهو الانبعاث في المعصية كالماء، وهو مطاوع فعل فجره فانفجر، والمطاوعة أحد المعاني التي جاء لها انفعل، وقد تقدّم ذكرها.
اثنتا : تأنيث اثنين، وكلاهما له إعراب المثنى، وليس بمثنى حقيقة لأنه لا يفرد، فيقال : اثن، ولا اثنة، ولامهما محذوفة، وهي ياء، لأنه من ثنيت.
العشرة، بإسكان الشين، لغة الحجاز، وبكسرها لغة تميم، والفتح فيها شاذ غير معروف، وهو أوّل العقود، واشتقوا منه فقالوا : عشرهم يعشرهم، ومنه العشر والعشر، والعشر : شجر لين، والإعشار : القطع لا واحد لها، ووصل بها المفرد، قالوا : برمة أعشار.
العين : لفظ مشترك بين منبع الماء والعضو الباصر، والسحابة تقبل من ناحية القبلة، والمطر يمطر خمساً أو ستاً، لا يقلع، ومن له شرف في الناس، والثقب في المزادة والذهب وغير ذلك، وجمع على أعين شاذ، أو عيون قياساً، وقالوا : في الأشراف من الناس : أعيان، وجاء ذلك قليلاً في العضو الباصر، قال الشاعر :
أسمل أعياناً لها ومآقيا***
أناس : اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإذا سمي به مذكر صرف، وقول الشاعر :
وإلى ابن أمّ أناس أرحل ناقتي***
منع صرفه، إما لأنه علم على مؤنث، وإما ضرورة على مذهب الكوفيين.
مشرب : مفعل من الشراب يكون للمصدر والزمان والمكان، ويطرد من كل ثلاثي متصرف مجرّد، لم تكسر عين مضارعه سواء صحت لامه : كسرت ودخل، أو أعلت : كرمى وغزا.
وشذ من ذلك ألفاظ ذكرها النحويون.
العثو، والعثى : أشدّ الفساد، يقال : عثا يعثو عثواً، وعثى يعثى عثياً، وعثا يعثى عثياً : لغة شاذة، قال الشاعر :
لولا الحياء وأن رأسي قد عثافيه المشيب لزرت أمّ القاسم
وثبوت العثى دليل على أن عثى ليس أصلها عثو، كرضي الذي أصله رضو، خلافاً لزاعمه.
وعاث يعيث عيثاً ومعاثاً، وعث يعث كذلك، ومنه عثة الصوف : وهي السوسة التي تلحسه.
﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ : هذا هو الإنعام التاسع، وهو جامع لنعم الدنيا والدين.
أما في الدنيا فلأنه أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء، ولولا هو لهلكوا في التيه، وهذا أبلغ من الماء المعتاد في الأنعام لأنهم في مفازة منقطعة.
وأما في الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه، وعلى صدق موسى عليه السلام، والاستسقاء طلب الماء عند عدمه وقلته.
وقيل : مفعول استسقى محذوف، أي استسقى موسى ربه، فيكون المستسقى منه هو المحذوف، وقد تعدى إليه الفعل كما تعدى إليه في قوله :﴿إذ استسقاه قومه﴾ أي طلبوا منه السقيا.
وقال بعض الناس : وحذف المفعول تقديره استسقى ماء، فعلى هذا القول يكون المحذوف هو المستسقى، ويكون الفعل قد تعدى إليه كما تعدى إليه في قوله :
«وأبيض يستسقى الغمام بوجهه »***
ويحتاج إثبات تعديه إلى اثنين إلى شاهد من كلام العرب، كان يسمع من كلامهم : استسقى زيد وبه الماء، وقد ثبت تعديه مرة إلى المستسقي منه ومرة إلى المستسقى، فيحتاج تعديه إليهما إلى ثبت من لسان العرب.
وذكر الله هذه النعمة من الاستسقاء غير مقيدة بمكان.
وقد اختلف في ذلك، فقال أبو مسلم : كان ذلك على عادة الناس إذا قحطوا، وما فعله الله تعالى من تفجير الماء من الحجر فوق الإجابة بالسقياء وإنزال الغيث.
وقال أكثر المفسرين : كان هذا الاستسقاء في التيه حين قالوا : من لنا بكذا، إلى أن قالوا : من لنا بالماء، فأمرالله موسى بضرب الحجر.
وقيل ذلك عند خروجهم من البحر الذي انفلق، وقعوا في أرض بيضاء ليس فيها ظل ولا ماء، فسألوا أن يستسقى لهم، واللام قي لقومه لام السبب، أي لأجل قومه وثم محذوف يتم به معنى الكلام، أي لقومه إذ عطشوا، أو ما كان بهذا المعنى ومحذوف آخر : أي فأجبناه.
﴿فقلنا اضرب بعصاك﴾ قالوا : وهذه العصا هي المسؤول عنها في قوله :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ وكانت فيها خصائص تذكر في موضعها.
قيل : كانت نبعة، وقيل : عليقي، وهو شجر له شوك، وقيل : من آس الجنة طولها عشرة أذرع، طول موسى عليه السلام، لها شعبتان يتقدان في الظلمة، وكان آدم حملها معه من الجنة إلى الأرض، فتوارثها أصاغر عن أكابر حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وذلك أنه لما استرعاه قال له : اذهب فخذ عصاً، فذهب إلى البيت، فطارت هذه إلى يده، فأمره بردها، فأخذ غيرها، فطارت إلى يده، فتركها له.
وقيل : دفعها إليه ملك من الملائكة في طريق مدين.
﴿الحجر﴾ : قال الحسن : لم يكن حجراً معيناً بل أي حجر ضرب انفجر منه الماء، وهذا أبلغ في الإعجاز، حيث ينفجر الماء من أي حجر ضرب.
وروي أنهم قالوا : لو فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله إليه : لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون، فكانت تطيعه فلم يعتبروا.
وقال وهب : كان يقرع لهم أقرب حجر فينفجر، فعلى هذا تكون الألف واللام في الحجر للجنس.
وقيل : إن الألف واللام للعهد، وهو حجر معين حمله معه من الطور مربع له أربعة أوجه، ينبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم، وكانوا ستمائة ألف خارجاً عن دوابهم، وسعة العسكر اثنا عشر ميلاً.
وقيل : حجر أهبطه معه آدم من الجنة، فتوارثوه حتى وقع لشعيب، فدفعه إلى موسى مع العصا.
وقيل : هو الحجر الذي وضع موسى عليه ثوبه حين اغتسل، إذ رموه بالأدرة، ففز، قال له جبريل عليه السلام : بأمر الله أرفع هذا الحجر، فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاة، قاله ابن عباس.
وقيل : حجر أخذه من قعر البحر خفيف مربع مثل رأس الرجل، له أربعة أوجه، ينبع من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إليه، وكان يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه.
وقيل : كان رخاماً فيه اثنتا عشرة حفرة، تتبع من كل حفرة عين ماء عذب يأخذونه، فإذا فرغوا ضربه موسى بعصاه فذهب الماء.
وقيل : حجر أخذه من جبل زبيد، طوله أربعة أذرع، قاله الضحاك.
وقيل : حجر مثل رأس الشاة، يلقونه في جانب الجوالق إذا ارتحلوا، فيه من كل ناحية ثلاث عيون بعد أن يستمسك ماؤها بعد رحلتهم، فإذا نزلوا قرعه موسى بعصاه فعادت العيون بحسبها، قاله ابن زيد.
وقيل حجر يحمله في مخلاته، أخذه، إذ قالوا : كيف بنا إذا أفضنا إلى أرض ليست فيها حجارة ؟ فحيثما نزلوا ألقاه فينفجر ماء.
وقيل : حجر من الكذان فيه اثنتا عشرة عيناً، يسقي كل يوم ستمائة ألف، قاله أبو روق، وقيل : حجر ذراع في ذراع، قاله السدّي.
وقيل : حجر مثل رأس الثور.
وقيل : حجر كان ينفجر لهم منه الماء، لم يكونوا يحملونه، بل كانوا أي مكان نزلوا وجدوه فيه، وذلك أعظم في الإعجاز وأبلغ في الخارق، وقال مقاتل والكلبي : كانوا إذا قضوا حاجتهم من الماء اندرست تلك العيون، فإذا احتاجوا إلى الماء انفجرت.
فهذه أقوال المفسرين في الحجر، وظاهرها أو ظاهر أكثرها التعارض.
قال بعض من جمع في تفسير القرآن : الأليق أنِهِ الحجر الذي فرّ بثوب موسى عليه السلام، فإن الله أودع فيه حركة التنقل والسعي، أووكل به ملكاً يحمله ولا يستنكر ذلك.
فقد صح أن رسول الله ﷺ قال :« إني لأعرف حجراً كان يسلم عليّ » وقد رام هذا الرجل الجمع بين هذه الأقوال بأن يكون الحجر غير معين، بل أيّ حجر وجده ضربه، فوجد مرّة مربعاً، ومرّة كذاناً، ومرة رخاماً، وكذا باقيها.
قال : فروى الراوي صفة ذلك الحجر الذي ضربه في تلك المنزلة قال : فيزول التغاير في الكيفيات، ويحصل التوفيق بين الروايات.
وهذا الكلام كما ترى.
وظاهر القرآن : أن الحجر ليس بمعين، إذ لم يتقدم ذكر حجر فيكون هذا معهوداً، وأن الاستسقاء لم يتكرّر، لا هو ولا الضرب ولا الانفجار، وأن هذه الكيفيات التي ذكروها لم يتعرّض لها لفظ القرآن، فيحتمل أن يكون ذلك متكرراً، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة، والواحدة هي المتحققة.
﴿فانفجرت﴾ : الفاء للعطف على جملة محذوفة، التقدير : فضرب فانفجرت، كقوله تعالى :﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ أي فضرب فانفلق.
ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار مرتباً على ضربه، إذ لو كان يتفجر دون ضرب، لما كان للأمر فائدة، ولكان تركه عصياناً، وهو لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وما ذهب إليه بعض الناس من أن الفاء في مثل : فانفلق، هي الفاء التي في ضرب، وأن المحذوف هو المعطوف عليه، وحرف العطف من المعطوف حتى يكون المحذوف قد بقي عليه دليل، إذ قد أبقيت فاؤه وحذفت فاء فانفلق، واتصلت بانفلق فاء فضرب تكلف وتخرص على العرب بغير دليل.
وقد ثبت في لسان العرب حذف المعطوف عليه، وفيه الفاء حيث لا معطوف بالفاء موجود، قال تعالى :﴿فأرسلون يوسف أيّها الصّدّيق﴾ التقدير : فأرسلوه فقال : فحذف المعطوف عليه والمعطوف، وإذا جاز حذفهما معاً، فلأن يجوز حذف كل منهما وحده أولى.
وزعم الزمخشري أن الفاء ليست للعطف، بل هي جواب شرط محذوف، قال : فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله :
﴿فتاب عليكم﴾ وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ، اه كلامه.
وقد تقدّم لنا الردّ على الزمخشري في هذا التقدير في قوله :﴿فتاب عليكم﴾ بأن إضمار مثل هذا الشرط لا يجوز، وبينا ذلك هناك، وفي قوله أيضاً إضمار قد إذ يقدر، فقد تاب عليكم، وقد انفجرت، ولا يكاد يحفظ من لسانهم ذلك، إنما تكون بغير فاء، أو إن دخلت الفاء فلا بد من إظهار قد، وما دخلت عليه قد يلزم أن يكون ماضياً لفظاً ومعنى، نحو قوله :﴿وإن يكذبونك فقد كذبت رسل من قبلك﴾ وإذا كان ماضياً لفظاً ومعنى، استحال أن يكون بنفسه جواب الشرط، فاحتيج إلى تأويل وإضمار جواب شرط.
ومعلوم أن الانفجار على ما قدّر يكون مترتباً على أن يضرب، وإذا كان مترتباً على مستقبل، وجب أن يكون مستقبلاً، وإذا كان مستقبلاً امتنع أن تدخل عليه قد التي من شأنها أن لا تدخل في شبه جواب الشرط على الماضي إلا ويكون معناه ماضياً نحو الآية، ونحو قولهم : إن تحسن إليّ فقد أحسنت إليك، ويحتاج إلى تأويل، كما ذكرنا.
وليس هذا الفعل بدعاء فتدخله الفاء فقط ويكون معناه الاستقبال، وإن كان بلفظ الماضي نحو : إن زرتني فغفر الله لك.
وأيضاً فالذي يفهم من الآية أن الانفجار قد وقع وتحقق، ولذلك قال :{ قد علم كل أناس مشربه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى