فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس المطر. ومعناه في اللغة : طلب السقيا. وفي الشرع ما ثبت عن النبي ﷺ في صفته من الصلاة والدعاء. والحجر يحتمل أن يكون حجراً معيناً، فتكون اللام للعهد، ويحتمل أن لا يكون معيناً، فتكون للجنس، وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة. وقوله :﴿فانفجرت﴾ الفاء مترتبة على محذوف، تقديره : فضرب، فانفجرت، والانفجار : الانشقاق : وانفجر الماء انفجاراً : تفتح، والفجرة : موضع تفتح الماء. قال ابن عطية : ولا خلاف أنه كان حجراً مربعاً يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت. والمشرب : موضع الشرب، وقيل هو : المشروب نفسه، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم. قيل : كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط : ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب. وقوله :﴿كُلُوا﴾ أي : قلنا لهم كلوا المنّ والسلوى، واشربوا الماء المتفجر من الحجر، وعثا يعثي عثيا، وعثا يعثو عثواً، وعاث يعيث عيثاً، لغات بمعنى أفسد. وقوله :﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة. قال في القاموس : عثي كرمي، وسعى ورضي، عثيا، وعثياً، وعَثياناً، وعثَا يَعْثُو عُثُواً : أفسد : وقال في الكشاف :«العثي : أشدّ الفساد. فقيل لهم : لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم ؛ لأنهم كانوا متمادين فيه ». انتهى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ قال ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيها اثنتا عشرة عيناً من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ومجاهد وابن أبي حاتم عن جويبر نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأرض﴾ قال : لا تسعوا في الأرض فساداً. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : يعني : لا تمشوا بالمعاصي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال : لا تسيروا في الأرض مفسدين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد﴾ قال : المنّ والسلوى، واستبدلوا به البقل، وما حكى معه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَفُومِهَا﴾ قال : الخبز، وفي لفظ : البر، وفي لفظ : الحنطة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : الفوم : الثوم. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن مسعود ؛ أنه قرأ :«وثومها» وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه قال : قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود هذا أحدها :«من بقلها وقثائها وثومها». وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿الذى هُوَ أدنى﴾ قال : أردأ. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله :﴿اهبطوا مِصْرًا﴾ قال مصراً من الأمصار. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية : أنه مصر فرعون. وأخرج نحوه ابن أبي داود، وابن الأنباري عن الأعمش.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ قال : هم أصحاب الجزية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن ؛ قال : ضربت عليهم الذلة، والمسكنة أي : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال : المسكنة الفاقة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله :﴿وَبَاءوا بِغَضَبٍ منَ الله﴾ قال : استحقوا الغضب من الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله :﴿وَبَاءوا﴾ قال : انقلبوا. وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبيّ، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى