اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قال ابن عباس : والمراد ب " الذين آمنوا " هم الذين آمنوا قبل [ مبعث ] محمد بعيسى عليهما الصلاة والسلام مع البراءة عن أباطيل اليهود مثل قَسّ بن سَاعِدة، وبحيرى الراهب، وحبيب النَّجَّار، وزيد بن عمرو بن نُفَيل، وَورقَة بن نَوْفَل وسلمان الفَارِسي، وأبو ذر الغفاري، وخَطَر بن مَالِك، ووَفْد النجاشي، فكأنه قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد، والذين كانوا على الأديان الباطلة كلّ من آمن منهم بعد مبعث محمد ﷺ بالله واليوم الآخر ومحمد، فلهم أجرهم.
وقال سفيان الثوري : المراد من قوله :" الذين آمنوا " هم المنافقون ؛ لأنهم يؤمنون باللِّسَان دون القَلْبِ، ثم اليهود والنصارى والصَّابئون، فكأنه قال : هؤلاء المُبطلون كل من آمن منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم أجرهم.
وقال المتكلمون : المراد أنَّ الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله :" من آمَنَ بالله " يقتضي المستقبل، فكأنه قال : إن الذين آمنوا في الماضي، وثبتوا عليه في المستقبل.
و " هَادُوا " في ألفه قولان :
أحدهما : أنه من واو، والأصل " هَادَ يَهُود " أي : تاب ؛ قال الشاعر [ السريع ]
أي : تائب، ومنه سمي اليَهُود، لأنهم تابوا عن عبادة العِجْلِ، وقالوا :
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي : تُبْنَا ورجعنا.
[ قاله ] ابن عباس.
وقيل : هو من التهويد، وهو النطق في سكون ووَقَارٍ ؛ وأنشدوا :[ الطويل ]
وقيل : من " الهَوَادَة "، وهي الخضوع.
الثاني : أنها من ياء، والأصل :" هَادَ يَهِيد "، أي : تَحَرَّك، ومنه سمي اليهود ؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء.
وقيل : سموا يهوداً نسبة ليَهُوذَا بالذال المعجمة وهو ابن يَعْقُوب عليه الصلاة والسلام، فغيَّرته العرب بالدّال المهملة، جرياً على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يَهُودِيّ، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يَهُود.
وكل جمع منسوب إلى جنس، فهو بإسقاط ياء النسب ؛ كقولهم في " زِنْجِيّ " : زَنْجٌ، وفي " رُومِيّ " : رُوم أيضاً. وهيادا : إذا دخل في اليهودية، وتهوَّد إذا [ نسبه إليهم ] وهوّد إذا دعا إلى اليهودية.
والنَّصَارى جمع واحده " نَصْرَان "، و " نَصْرَانة " ك :" نَدْمَان ونَدمانة ونَدَامَى "، قاله سيبويه ؛ وأنشد :[ الطويل ]
وقال عليه الصلاة والسلام :" فأبواه يُهَوِّدَانِهِ(١) ".
وقرأ أبو السمال ومجاهد :" هادَوْا " بفتح الدال، وإسكان الواو كأنها من المفاعلة، والأصل : هادَيُوا فأعلّ كنظائره.
وقيل : سُمُّوا يهوداً لميلهم عن دين الإسلام، وعن دين موسى، فعلى هذا إنما سموا يهوداً بعد أنبيائهم.
وقال ابن الأعرابي : يقال : هَادَ : إذا رجع من خير إلى شَرّ، ومن شَرّ إلى خير، وسمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، نقله النووي في " التهذيب " عن الوَاحِدِيّ.
وأنشد الطبري على " نَصْران " [ قول الشاعر ] :[ الطويل ]
قال سيبويه : إلا أنه لم يستعمل في الكلام إلا بياء النَّسَب.
وقال الخليل :" واحد النصارى نَصْرِيّ، كمَهْرِيٍّ ومَهَارَى ".
وقال الزمخشريُّ : الياء في " نَصْرانِيّ " للمبالغة كالتي في " أًحْمَرِيّ " و " نَصَارَى " نكرةٌ، ولذلك دخلت عليه أل، ووصف بالنكرة في قول الشاعر :[ البسيط ]
وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النَّصَارنيون. وسموا بذلك نسبة إلى قرية يقال لها :" نَاصِرة " كان ينزلها عيسى عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس، وقَتَادة، وابن جُرَيْج. فنسب عيسى إليها، فقيل : عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل : النَّصَارَى.
قال الجوهري : و " نَصْران " قرية ب " الشَّام " ينسب إليها النصارَى. أو لأنهم كانوا يتناصرون ؛ قال الشاعر :[ الرجز ]
كُنْتُ لَهُمْ من النَّصَارَى جَارَا ***. . .
وقيل : لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال للحواريين :﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
و " الصَّابئين " الجمهور على همزه، وقرأه نافع وشيبة والزهري بياء ساكنة غير مهموزة، وعن أبي جعفر بياءين خَالِصَتَيْنِ بدل الهمزة، فمن همزه جعله من صَبَأَ نابُ البعير أي : خرج، وصبأت النجوم : طلعت.
وقال أبو علي : صَبَأْتُ على القوم إذا طَرَأْتُ عليهم. فالصَّابئ : التَّارك لدينه، كالصَّابئ الطارئ على القوم، فإنه تارك لأرضه، ومنتقل عنها.
ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مأخوذاً من المهموز فَأَبْدَلَ من الهمزة حرف علّة إما ياء أو واواً، فصار من باب المنقوص مثل :" قاضٍ أو غازٍ "، والأصل : صاب، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلاَّ في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقاً.
الثَّاني : أنه من باب " صَبَا. . يَصْبُو " إذا مال، ولذلك كانت العرب يسمون النبي ﷺ صابئاً ؛ لأنه أظهر ديناً خلاف أديانهم، فالصَّابي كالغازي أصله :" صَابِوُا " فأعلّ كإعلال غازٍ، وأسند أبو عبيد إلى ابن عباس :" ما الصَّابون إنا هي الصابئون، والخَاطُون إنما هي الخاطئون ". فقد اجتمع في قراءة نافع همز " النبيين "، وترك همز " الصابئين ". [ وقد عُلم أنّ العكس فيهما أفصح ].
[ وللمفسرين في تفسير " الصَّابئين " أقوال ] :
فقال مُجَاهد والحسن : هم طائفة بين اليَهُود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
وقال السّدي : هم فرقة من أهل الكتاب [ وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر ] :
وقال إسْحَاق : لا بأس بذبائح الصابئين ؛ لأنهم طائفة من أهل الكتاب.
وقال أبو حنيفة : لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم.
وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النَّصَارى، إلاَّ أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه الصَّلاة والسَّلام. [ نقله ] القرطبي.
وقال قَتَادَةُ : قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات.
وقال أيضاً : الأديان خمسة أربعة للشَّيطان، وواحد للرحمن، وهم : الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمَجُوس يعبدون النَّار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنَّصَارى، وقال : هم قبيلة نحو " الشام " بين اليهود والنَّصَارى، والمجوس لا دين لهم، وكان مجاهد لا يراهم من أهل الكِتَابِ، وهو منقول عن أبي حنيفة.
وقال قتادة ومُقَاتل : هم قوم يقرون بالله عز وجل، ويعبدون الملائكة، ويقرون بالزَّبُور، ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كلّ دين شيئاً.
وقال [ الكلبي ] :" هم قوم بين اليهود والنَّصارى يحلقون أوساط رؤوسهم، ويجبُّون مذاكيرهم ". وقال عبد العزيز بن يحيى : درجوا وانقرضوا.
وقيل : هم الكلدانيون الذين جاءهم إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام رادًّا عليهم ومبطلاً لقولهم، وكانوا يعبدون الكواكب.
قال ابن الخطيب : وهو الأقرب، ثم لهم قولان :
أحدهما : أنَّ الله خلق هذا العالم، وأمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبْلَةَ الصلاة، والدعاء والتعظيم.
والثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب، وجعل الكواكب مدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر، والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها ؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم.
قوله :﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ آمن : صدق. و " من " في قوله :" مَنْ آمَنَ " في موضع نصب بدل من " الَّذِينَ آمَنُوا ". والفاء في قوله :" فَلَهُمْ " داخلة بسبب الإبهام الذي في " مَنْ ".
وقيل : في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، و " آمن " في موضع جزم بالشرط، و " الفاء " جواب و " لَهُمْ أَجْرُهُمْ " خبر " من " والجملة كلها خبر " إن "، والعائد على " الذين " محذوف تقديره : من آمن منهم بالله، وحمل الضمير على لفظ " مَنْ " فأفرد، وعلى المعنى في قوله :﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فجمع ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٥٥ أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا *** وقُولاَ لَهَا : عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا
وقال الفرزدق :[ الطويل ]
[ فراعى المعنى ] وقد تقدم تحقيق ذلك [ عند ] قوله :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] والأجر في الأصل مصدر يقال : أجره الله يَأْجُرُه أَجْراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المُجَازَى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين.
والمراد بهذه العِنْدِيَّةِ أن أجرهم متيقّن جارٍ مجرى الحاصل عندهم.
قوله :﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فقيل : أراد زوال الخوف [ عنهم ] في الدنيا.
وقيل : الآخرة وهو أصح ؛ لأنه عامّ في النفي، وكذا قوله :" وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "، وهذه لا تحصل في الدنيا ؛ لأنّ المكلف في الدنيا لا ينفك من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا، أو في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعَدَهُمْ في الآخرة بالأجر، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً من الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً ؛ لأنهم لو جوّزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الخوف العظيم.
فإن قيل : فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا :" الصَّابِئين " منصوبة، وفي " المائدة " :﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] مرفوعة. وقال في الحج :﴿وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [الحج: ١٧] فقدم " الصَّابئين " على " النصارى " في آية، وأخَّر " الصَّائبين " في الأخرى، فهل في ذلك حكمة ظاهرة.
قال ابن الخَطِيب : إن أدركنا تلك الحكم فقد فُزْنَا بالكمال، وإن عجزنا أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم.
وقال سفيان الثوري : المراد من قوله :" الذين آمنوا " هم المنافقون ؛ لأنهم يؤمنون باللِّسَان دون القَلْبِ، ثم اليهود والنصارى والصَّابئون، فكأنه قال : هؤلاء المُبطلون كل من آمن منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم أجرهم.
وقال المتكلمون : المراد أنَّ الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله :" من آمَنَ بالله " يقتضي المستقبل، فكأنه قال : إن الذين آمنوا في الماضي، وثبتوا عليه في المستقبل.
و " هَادُوا " في ألفه قولان :
أحدهما : أنه من واو، والأصل " هَادَ يَهُود " أي : تاب ؛ قال الشاعر [ السريع ]
| ٥٤٩-. . . | إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ |
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي : تُبْنَا ورجعنا.
[ قاله ] ابن عباس.
وقيل : هو من التهويد، وهو النطق في سكون ووَقَارٍ ؛ وأنشدوا :[ الطويل ]
| ٥٥٠- وَخُودٌ مِنَ اللاَّئِي تَسَمَّعْنَ بِالضُّحَى | قَرِيضَ الرُّدَافَى بِالغِنَاءِ المُهَوِّدِ |
الثاني : أنها من ياء، والأصل :" هَادَ يَهِيد "، أي : تَحَرَّك، ومنه سمي اليهود ؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء.
وقيل : سموا يهوداً نسبة ليَهُوذَا بالذال المعجمة وهو ابن يَعْقُوب عليه الصلاة والسلام، فغيَّرته العرب بالدّال المهملة، جرياً على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يَهُودِيّ، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يَهُود.
وكل جمع منسوب إلى جنس، فهو بإسقاط ياء النسب ؛ كقولهم في " زِنْجِيّ " : زَنْجٌ، وفي " رُومِيّ " : رُوم أيضاً. وهيادا : إذا دخل في اليهودية، وتهوَّد إذا [ نسبه إليهم ] وهوّد إذا دعا إلى اليهودية.
والنَّصَارى جمع واحده " نَصْرَان "، و " نَصْرَانة " ك :" نَدْمَان ونَدمانة ونَدَامَى "، قاله سيبويه ؛ وأنشد :[ الطويل ]
| ٥٥١- فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا | كَمَا أَسْجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ |
وقرأ أبو السمال ومجاهد :" هادَوْا " بفتح الدال، وإسكان الواو كأنها من المفاعلة، والأصل : هادَيُوا فأعلّ كنظائره.
وقيل : سُمُّوا يهوداً لميلهم عن دين الإسلام، وعن دين موسى، فعلى هذا إنما سموا يهوداً بعد أنبيائهم.
وقال ابن الأعرابي : يقال : هَادَ : إذا رجع من خير إلى شَرّ، ومن شَرّ إلى خير، وسمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، نقله النووي في " التهذيب " عن الوَاحِدِيّ.
وأنشد الطبري على " نَصْران " [ قول الشاعر ] :[ الطويل ]
| ٥٥٢- يَظَلُّ إِذَا دَارَ العِشَا مُتَحَنِّفاً | وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ |
وقال الخليل :" واحد النصارى نَصْرِيّ، كمَهْرِيٍّ ومَهَارَى ".
وقال الزمخشريُّ : الياء في " نَصْرانِيّ " للمبالغة كالتي في " أًحْمَرِيّ " و " نَصَارَى " نكرةٌ، ولذلك دخلت عليه أل، ووصف بالنكرة في قول الشاعر :[ البسيط ]
| ٥٥٣- صَدَّتْ كَمَا صَدَّ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُ | سَاقِي نَصَارَى قُبَيْلَ الفِصْحِ صُوَّامِ |
قال الجوهري : و " نَصْران " قرية ب " الشَّام " ينسب إليها النصارَى. أو لأنهم كانوا يتناصرون ؛ قال الشاعر :[ الرجز ]
| ٥٥٤ - لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا | شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتي الإِزَارَا |
وقيل : لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال للحواريين :﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
و " الصَّابئين " الجمهور على همزه، وقرأه نافع وشيبة والزهري بياء ساكنة غير مهموزة، وعن أبي جعفر بياءين خَالِصَتَيْنِ بدل الهمزة، فمن همزه جعله من صَبَأَ نابُ البعير أي : خرج، وصبأت النجوم : طلعت.
وقال أبو علي : صَبَأْتُ على القوم إذا طَرَأْتُ عليهم. فالصَّابئ : التَّارك لدينه، كالصَّابئ الطارئ على القوم، فإنه تارك لأرضه، ومنتقل عنها.
ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مأخوذاً من المهموز فَأَبْدَلَ من الهمزة حرف علّة إما ياء أو واواً، فصار من باب المنقوص مثل :" قاضٍ أو غازٍ "، والأصل : صاب، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلاَّ في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقاً.
الثَّاني : أنه من باب " صَبَا. . يَصْبُو " إذا مال، ولذلك كانت العرب يسمون النبي ﷺ صابئاً ؛ لأنه أظهر ديناً خلاف أديانهم، فالصَّابي كالغازي أصله :" صَابِوُا " فأعلّ كإعلال غازٍ، وأسند أبو عبيد إلى ابن عباس :" ما الصَّابون إنا هي الصابئون، والخَاطُون إنما هي الخاطئون ". فقد اجتمع في قراءة نافع همز " النبيين "، وترك همز " الصابئين ". [ وقد عُلم أنّ العكس فيهما أفصح ].
فصل في تفسير الصابئين
[ وللمفسرين في تفسير " الصَّابئين " أقوال ] :
فقال مُجَاهد والحسن : هم طائفة بين اليَهُود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
وقال السّدي : هم فرقة من أهل الكتاب [ وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر ] :
وقال إسْحَاق : لا بأس بذبائح الصابئين ؛ لأنهم طائفة من أهل الكتاب.
وقال أبو حنيفة : لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم.
وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النَّصَارى، إلاَّ أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه الصَّلاة والسَّلام. [ نقله ] القرطبي.
وقال قَتَادَةُ : قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات.
وقال أيضاً : الأديان خمسة أربعة للشَّيطان، وواحد للرحمن، وهم : الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمَجُوس يعبدون النَّار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنَّصَارى، وقال : هم قبيلة نحو " الشام " بين اليهود والنَّصَارى، والمجوس لا دين لهم، وكان مجاهد لا يراهم من أهل الكِتَابِ، وهو منقول عن أبي حنيفة.
وقال قتادة ومُقَاتل : هم قوم يقرون بالله عز وجل، ويعبدون الملائكة، ويقرون بالزَّبُور، ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كلّ دين شيئاً.
وقال [ الكلبي ] :" هم قوم بين اليهود والنَّصارى يحلقون أوساط رؤوسهم، ويجبُّون مذاكيرهم ". وقال عبد العزيز بن يحيى : درجوا وانقرضوا.
وقيل : هم الكلدانيون الذين جاءهم إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام رادًّا عليهم ومبطلاً لقولهم، وكانوا يعبدون الكواكب.
قال ابن الخطيب : وهو الأقرب، ثم لهم قولان :
أحدهما : أنَّ الله خلق هذا العالم، وأمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبْلَةَ الصلاة، والدعاء والتعظيم.
والثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب، وجعل الكواكب مدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر، والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها ؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم.
قوله :﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ آمن : صدق. و " من " في قوله :" مَنْ آمَنَ " في موضع نصب بدل من " الَّذِينَ آمَنُوا ". والفاء في قوله :" فَلَهُمْ " داخلة بسبب الإبهام الذي في " مَنْ ".
وقيل : في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، و " آمن " في موضع جزم بالشرط، و " الفاء " جواب و " لَهُمْ أَجْرُهُمْ " خبر " من " والجملة كلها خبر " إن "، والعائد على " الذين " محذوف تقديره : من آمن منهم بالله، وحمل الضمير على لفظ " مَنْ " فأفرد، وعلى المعنى في قوله :﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فجمع ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٥٥ أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا *** وقُولاَ لَهَا : عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا
وقال الفرزدق :[ الطويل ]
| ٥٥٦ - تَعَالَ فإنْ عَاهَدْتَنِي لاَ تَخْونُنِي | نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ |
والمراد بهذه العِنْدِيَّةِ أن أجرهم متيقّن جارٍ مجرى الحاصل عندهم.
قوله :﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فقيل : أراد زوال الخوف [ عنهم ] في الدنيا.
وقيل : الآخرة وهو أصح ؛ لأنه عامّ في النفي، وكذا قوله :" وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "، وهذه لا تحصل في الدنيا ؛ لأنّ المكلف في الدنيا لا ينفك من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا، أو في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعَدَهُمْ في الآخرة بالأجر، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً من الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً ؛ لأنهم لو جوّزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الخوف العظيم.
فإن قيل : فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا :" الصَّابِئين " منصوبة، وفي " المائدة " :﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] مرفوعة. وقال في الحج :﴿وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [الحج: ١٧] فقدم " الصَّابئين " على " النصارى " في آية، وأخَّر " الصَّائبين " في الأخرى، فهل في ذلك حكمة ظاهرة.
قال ابن الخَطِيب : إن أدركنا تلك الحكم فقد فُزْنَا بالكمال، وإن عجزنا أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم.
١ - أخرجه البخاري في الصحيح (٢/٢٠٨) كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين حديث رقم (١٣٨٥).
وأبو داود في السنن حديث رقم (٤٧١٤)، (٤٧١٦).
وأحمد في المسند (٢/٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣، ٤١٠، ٤٨١)، (٣/٣٥٣)- ومالك في الموطأ (١٩٢) كتاب الجنائز والحميدي في مسنده (١١١٣)- وأبو نعيم في الحلية (٩/٢٨٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/١٥٥، ٦/٢٩٨..
وأبو داود في السنن حديث رقم (٤٧١٤)، (٤٧١٦).
وأحمد في المسند (٢/٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣، ٤١٠، ٤٨١)، (٣/٣٥٣)- ومالك في الموطأ (١٩٢) كتاب الجنائز والحميدي في مسنده (١١١٣)- وأبو نعيم في الحلية (٩/٢٨٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/١٥٥، ٦/٢٩٨..