البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
هاد : ألفه منقلبة عن واو، والمضارع يهود، ومعناه : تاب، أو عن ياء والمضارع يهيد، إذا تحرك.
والأولى الأول لقوله تعالى :﴿إنا هدنا إليك﴾ وسيأتي الكلام على لفظه اليهود حيث انتهينا إليها في القرآن، إن شاء الله تعالى.
والنصارى : جمع نصران ونصرانه، مثل ندمان وندمانة.
قال سيبويه وأنشد :
وأنشد الطبري :
منع نصرانا الصرف ضرورة، وهو مصروف لأن مؤنثه على نصرانه.
قال سيبويه : إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلا بياء النسب، فيكون : كلحيان ولحياني وكأحمري.
وقال الخليل : واحد النصارى نصرى، كمهرى ومهاري.
قيل : وهو منسوب إلى نصرة، قرية نزل بها عيسى.
وقال قتادة : نسبوا إلى ناصرة، وهي قرية نزلوها.
فعلى هذا يكون من تغييرات النسب.
والصابئين : الصائبون، قيل : الخارجون من دين مشهور إلى غيره، من صبوء السن والنجم، يقال : صبأت النجوم : طلعت، وصبأت ثنية الغلام : خرجت، وصبأت على القوم بمعنى : طرأت، قال :
ومن قرأ بغير همز فسنتكلم على قراءته.
قال الحسن والسدي : هم بين اليهود والمجوس.
وقال قتادة : والكلبي : هم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويجبون مذاكيرهم.
وقال الخليل : هم أشباه النصارى، قبلتهم مهب الجنوب، يقرون بنوح، ويقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة.
وقال عبد العزيز بن يحيى : لا عين منهم ولا أثر.
وقال المغربي، عن الصابي صاحب الرسائل : هم قريب من المعتزلة، يقولون بتدبير الكواكب.
وقال مجاهد : هم قوم لا دين لهم، ليسوا بيهود ولا نصارى.
قال ابن أبي نجيح : قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم.
وقال ابن زيد : قوم يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بالجزيرة والموصل.
وروي عن الحسن وقتادة أيضاً أنهم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون الخمس للقبلة، ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان، فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة.
وقال ابن عباس : هم قوم من اليهود والنصارى، لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم.
وقال أبو العالية : قوم من أهل الكتاب، ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب، يقرؤون الزبر، ويخالفونهم في بقية أفعالهم.
وقال الحسن والحكم : قوم كالمجوس.
وقيل : قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم، وأنها فعالة.
وأفتى أبو سعيد الأصطخري القادر بالله حين سأله عنهم بكفرهم.
وقيل : قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان : أحدهما : أن خالق العالم هو الله، إلا أنه أمر بتعظيم الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والتعظيم والدعاء.
الثاني : أنه تعالى خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله، وهذا المذهب هو المنسوب للذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم.
الأجر : مصدر أجر بأجر، ويطلق على المأجور به، وهو الثواب.
والأجور : جبر كسر معوج، والأجار : السطح، قال الشاعر :
الرفع : معروف، وهو أعلى الشيء، والفعل منه رفع يرفع،
قوله تعالى :﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية.
نزلت في أصحاب سلمان، وذلك أنه صحب عباداً من النصارى، فقال له أحدهم : إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به.
ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء النبي ﷺ، ذكر له خبرهم وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية، حكى هذه القصة مطوّلة ابن إسحاق والطبري والبيهقي.
وروي عن ابن عباس أنها نزلت في أوّل الإسلام، وقدر الله بها أن من آمن بمحمد ﷺ، ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، فله أجره، ثم نسخ ما قدر من ذلك بقوله :﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ وردّت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ.
وقال غير ابن عباس : ليست بمنسوخة، وهي فيمن ثبت على إيمانه بالنبي ﷺ.
وروى الواحدي، بإسناد متصل إلى مجاهد، قال : لما قص سلمان على النبي ﷺ قصة أصحابه، وقال له هم في النار، قال سلمان : فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت إلى ﴿يحزنون﴾، قال : فكأنما كشف عني جبل.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر الكفرة من أهل الكتاب، وما حل بهم من العقوبة، أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم، دالاً على أنه يجزي كلاً بفعله، والذين آمنوا منافقوا هذه الأمّة، أي آمنوا ظاهراً، ولهذا قرنهم بمن ذكر بعدهم، ثم بين حكم من آمن ظاهراً وباطناً، قاله سفيان الثوري أو المؤمنون بالرسول.
ومن آمن : معناه من داوم على إيمانه، وفي سائر الفرق : من دخل فيه، أو الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول : كزيد بن عمرو بن نفيل، وقيس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، ومن لحقه : كأبي ذر، وسلمان، وبحيرا.
ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون المبعث، فمنهم من أدرك وتابع، ومنهم من لم يدركه، والذين هادوا كذلك، ممن لم يلحق إلا من كفر بعيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والنصارى كذلك، والصابئين كذلك، قاله السدّي أو أصحاب سلمان، وقد سبق حديثهم، أو المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول، قاله ابن عباس، أو المؤمنون بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا بشريعته، إلى أن جاء محمد، قاله السدي عن أشياخه، أو مؤمنوا الأمم الخالية، أو المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله من سائر الأمم.
فهذه ثمانية أقوال في المعنى بالذين آمنوا والذين هادوا وهم اليهود.
وقرأ الجمهور : هادوا بضم الدال.
وقرأ أبو السماك العدوي : بفتحها من المهاداة، قيل : أي مال بعضهم إلى بعض، فالقراءة الأولى مادتها هاء وواو ودال، أو هاء وياء ودال، والقراءة الثانية مادتها هاء ودال وياء، ويكون فاعل من الهداية، وجاء فيه فاعل موافقة فعل، كأنه قيل : والذين هدوا، أي هدوا أنفسهم نحو : جاوزت الشيء بمعنى جزته.
﴿والنصارى﴾ : الألف للتأنيث، ولذلك منع الصرف في قوله :﴿الذين قالوا إنا نصارى﴾ وهذا البناء، أعني فعالى، جاء مقصوراً جمعاً، وجاء ممدوداً مفرداً، وألفه للتأنيث أيضاً نحو : براكاء.
وقرأ الجمهور : والصابئين مهموزاً، وكذا والصابئون، وتقدم معنى صبأ المهموز.
وقرأ نافع : بغير همز، فيحتمل وجهين أظهرهما أن يكون من صبأ : بمعنى مال، ومنه قول الشاعر :
والوجه الآخر يكون أصله الهمز، فسهل بقلب الهمز ألفاً في الفعل وياء في الاسم، كما قال الشاعر :
وقال الآخر :
وقال آخر :
فارعى فزارة لا هناك المرتع***
إلا أن قلب الهمزة ألفاً يحفظ ولا يقاس عليه.
وأما قلب الهمزة ياء فبابه الشعر، فلذلك كان الوجه الأول أظهر.
وذكر بعض المفسرين مسائل من أحكام اليهود والنصارى.
﴿والصابئين﴾ : لا يدل عليها لفظ القرآن هنا، فلم يذكرها، وموضعها كتب الفقه.
﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾، من : مبتدأة، ويحتمل أن تكون شرطية، فالخبر الفعل بعدها، وإذا كانت موصولة، فالخبر قوله :﴿فلهم أجرهم﴾، ودخلت الفاء في الخبر، لأن المبتدأ الموصول قد استوفى شروط جواز دخول الفاء في الخبر، وقد تقدم ذكرها.
واتفق المعربون والمفسرون على أن الجملة من قوله :﴿من آمن﴾ في موضع خبر إن إذا كان من مبتدأ، وإن الرابط محذوف تقديره : من آمن منهم، ولا يتم ما قالوه إلا على تغاير الإيمانين، أعني : الذي هو صلة الذين، والذي هو صلة من، إما في التعليق، أو في الزمان، أو في الإنشاء والاستدامة.
وأما إذا لم يتغايرا، فلا يتم ذلك، لأنه يصير المعنى : إن الذين آمنوا : من آمن منهم، ومن كانوا مؤمنين، لايقال : من آمن منهم إلا على التغاير بين الإيمانين.
وذهب بعض الناس إلى أن ذلك على الحذف، وأن التقدير :﴿إن الذين آمنوا لهم أجرهم عند ربهم﴾، ﴿والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن منهم﴾، أي من الأصناف الثلاثة، فلهم أجرهم، وذلك لما لم يصلح أن يكون عنده من آمن خبراً عن الذين آمنوا، ومن بعدهم.
ومن أعرب من مبتدأ، فإنما جعلها شرطية.
وقد ذكرنا جواز كونها موصولة، وأعربوا أيضاً من بدلاً، فتكون منصوبة موصولة.
قالوا : وهي بدل من اسم إن وما بعده، ولا يتم ذلك أيضاً إلا على تقدير تغاير الإيمانين، كما ذكرنا، إذا كانت مبتدأة.
والذي نختاره أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إن، فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل : إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة، فلهم أجرهم.
ودخلت الفاء في الخبر، لأن الموصول ضمن معنى الشرط، ولم يعتد بدخول إن على الموصول، وذلك جائز في كلام العرب، ولا مبالاة بمن خالف في ذلك.
ومن زعم أن من آمن معطوف على ما قبله، وحذف منه حرف العطف، التقدير : ومن آمن بالله فقوله بعيد عن الصواب، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالرسل، إذ البعث لا يعرف إلا من جهة الرسل.
﴿وعمل صالحاً﴾ : هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ أقوال.
الثاني يروى عن ابن عباس، وقد حمل الصلة أو فعل الشرط والمعطوف على لفظ من، فأفرد الضمير في آمن وعمل ثم قال :﴿فلهم أجرهم﴾ إلى آخر الآية، فجمع حملاً على المعنى.
وهذان الحملان لا يتمان إلا بإعراب من مبتدأ، وأما على إعراب من بدلاً، فليس فيه إلا حمل على اللفظ فقط.
وللحمل على اللفظ والمعنى قيود ذكرت في النحو.
قال أبو محمد بن عطية : وإذا جرى ما بعد على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى، لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام.
انتهى كلامه.
وليس كما ذكر، بل يجوز إذا راعيت المعنى أن تراعي اللفظ بعد ذلك.
لكنّ الكوفيين يشترطون الفصل في الجمع بين هذه الحملين فيقولون : من يقومون في غير شيء، وينظر في أمورنا قومك والبصريون لا يشترطون ذلك، وهذا على ما قرر في علم العربية :
تروى الأحاديث عن كل مسامحة***
وإنما لمعانيها معانيها
وأجرهم : مرفوع بالابتداء، ولهم في موضع الخبر.
وعند الأخفش والكوفيين : إن أجرهم مرفوع بالجار والمجرور.
﴿عند ربهم﴾ : ظرف يعمل فيه الاستقرار الذي هو عامل في لهم، ويحتمل أن ينتصب على الحال، والعامل فيه محذوف تقديره : كائناً عند ربهم.
وقرأ الجمهور :﴿ولا خوف﴾، بالرفع والتنوين.
وقرأ الحسن : ولا خوف، من غير تنوين.
وقد تقدم الكلام على قوله :﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في آخر قصة آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ف
والأولى الأول لقوله تعالى :﴿إنا هدنا إليك﴾ وسيأتي الكلام على لفظه اليهود حيث انتهينا إليها في القرآن، إن شاء الله تعالى.
والنصارى : جمع نصران ونصرانه، مثل ندمان وندمانة.
قال سيبويه وأنشد :
| وكلتاهما خرت وأسجد رأسها | كما سجدت نصرانة لم تحنف |
| يظل إذا دار العشي محنفا | ويضحى لديه وهو نصران شامس |
قال سيبويه : إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلا بياء النسب، فيكون : كلحيان ولحياني وكأحمري.
وقال الخليل : واحد النصارى نصرى، كمهرى ومهاري.
قيل : وهو منسوب إلى نصرة، قرية نزل بها عيسى.
وقال قتادة : نسبوا إلى ناصرة، وهي قرية نزلوها.
فعلى هذا يكون من تغييرات النسب.
والصابئين : الصائبون، قيل : الخارجون من دين مشهور إلى غيره، من صبوء السن والنجم، يقال : صبأت النجوم : طلعت، وصبأت ثنية الغلام : خرجت، وصبأت على القوم بمعنى : طرأت، قال :
| إذا صبأت هوادي الخيل عنا | حسبت بنحرها شرق البعير |
قال الحسن والسدي : هم بين اليهود والمجوس.
وقال قتادة : والكلبي : هم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويجبون مذاكيرهم.
وقال الخليل : هم أشباه النصارى، قبلتهم مهب الجنوب، يقرون بنوح، ويقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة.
وقال عبد العزيز بن يحيى : لا عين منهم ولا أثر.
وقال المغربي، عن الصابي صاحب الرسائل : هم قريب من المعتزلة، يقولون بتدبير الكواكب.
وقال مجاهد : هم قوم لا دين لهم، ليسوا بيهود ولا نصارى.
قال ابن أبي نجيح : قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم.
وقال ابن زيد : قوم يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بالجزيرة والموصل.
وروي عن الحسن وقتادة أيضاً أنهم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون الخمس للقبلة، ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان، فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة.
وقال ابن عباس : هم قوم من اليهود والنصارى، لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم.
وقال أبو العالية : قوم من أهل الكتاب، ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب، يقرؤون الزبر، ويخالفونهم في بقية أفعالهم.
وقال الحسن والحكم : قوم كالمجوس.
وقيل : قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم، وأنها فعالة.
وأفتى أبو سعيد الأصطخري القادر بالله حين سأله عنهم بكفرهم.
وقيل : قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان : أحدهما : أن خالق العالم هو الله، إلا أنه أمر بتعظيم الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والتعظيم والدعاء.
الثاني : أنه تعالى خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله، وهذا المذهب هو المنسوب للذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم.
الأجر : مصدر أجر بأجر، ويطلق على المأجور به، وهو الثواب.
والأجور : جبر كسر معوج، والأجار : السطح، قال الشاعر :
| تبدو هواديها من الغبار | كالجيش الصف على الأجار |
قوله تعالى :﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية.
نزلت في أصحاب سلمان، وذلك أنه صحب عباداً من النصارى، فقال له أحدهم : إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به.
ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء النبي ﷺ، ذكر له خبرهم وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية، حكى هذه القصة مطوّلة ابن إسحاق والطبري والبيهقي.
وروي عن ابن عباس أنها نزلت في أوّل الإسلام، وقدر الله بها أن من آمن بمحمد ﷺ، ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، فله أجره، ثم نسخ ما قدر من ذلك بقوله :﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ وردّت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ.
وقال غير ابن عباس : ليست بمنسوخة، وهي فيمن ثبت على إيمانه بالنبي ﷺ.
وروى الواحدي، بإسناد متصل إلى مجاهد، قال : لما قص سلمان على النبي ﷺ قصة أصحابه، وقال له هم في النار، قال سلمان : فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت إلى ﴿يحزنون﴾، قال : فكأنما كشف عني جبل.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر الكفرة من أهل الكتاب، وما حل بهم من العقوبة، أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم، دالاً على أنه يجزي كلاً بفعله، والذين آمنوا منافقوا هذه الأمّة، أي آمنوا ظاهراً، ولهذا قرنهم بمن ذكر بعدهم، ثم بين حكم من آمن ظاهراً وباطناً، قاله سفيان الثوري أو المؤمنون بالرسول.
ومن آمن : معناه من داوم على إيمانه، وفي سائر الفرق : من دخل فيه، أو الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول : كزيد بن عمرو بن نفيل، وقيس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، ومن لحقه : كأبي ذر، وسلمان، وبحيرا.
ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون المبعث، فمنهم من أدرك وتابع، ومنهم من لم يدركه، والذين هادوا كذلك، ممن لم يلحق إلا من كفر بعيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والنصارى كذلك، والصابئين كذلك، قاله السدّي أو أصحاب سلمان، وقد سبق حديثهم، أو المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول، قاله ابن عباس، أو المؤمنون بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا بشريعته، إلى أن جاء محمد، قاله السدي عن أشياخه، أو مؤمنوا الأمم الخالية، أو المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله من سائر الأمم.
فهذه ثمانية أقوال في المعنى بالذين آمنوا والذين هادوا وهم اليهود.
وقرأ الجمهور : هادوا بضم الدال.
وقرأ أبو السماك العدوي : بفتحها من المهاداة، قيل : أي مال بعضهم إلى بعض، فالقراءة الأولى مادتها هاء وواو ودال، أو هاء وياء ودال، والقراءة الثانية مادتها هاء ودال وياء، ويكون فاعل من الهداية، وجاء فيه فاعل موافقة فعل، كأنه قيل : والذين هدوا، أي هدوا أنفسهم نحو : جاوزت الشيء بمعنى جزته.
﴿والنصارى﴾ : الألف للتأنيث، ولذلك منع الصرف في قوله :﴿الذين قالوا إنا نصارى﴾ وهذا البناء، أعني فعالى، جاء مقصوراً جمعاً، وجاء ممدوداً مفرداً، وألفه للتأنيث أيضاً نحو : براكاء.
وقرأ الجمهور : والصابئين مهموزاً، وكذا والصابئون، وتقدم معنى صبأ المهموز.
وقرأ نافع : بغير همز، فيحتمل وجهين أظهرهما أن يكون من صبأ : بمعنى مال، ومنه قول الشاعر :
| إلى هند صبا قلبي | وهند مثلها يصبي |
| إن السباع لتهدي في مرابضها | والناس ليس بهاد شرهم أبداً |
| وكنت أذل من وتد بقاع | يشجج رأسه بالفهرواج |
فارعى فزارة لا هناك المرتع***
إلا أن قلب الهمزة ألفاً يحفظ ولا يقاس عليه.
وأما قلب الهمزة ياء فبابه الشعر، فلذلك كان الوجه الأول أظهر.
وذكر بعض المفسرين مسائل من أحكام اليهود والنصارى.
﴿والصابئين﴾ : لا يدل عليها لفظ القرآن هنا، فلم يذكرها، وموضعها كتب الفقه.
﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾، من : مبتدأة، ويحتمل أن تكون شرطية، فالخبر الفعل بعدها، وإذا كانت موصولة، فالخبر قوله :﴿فلهم أجرهم﴾، ودخلت الفاء في الخبر، لأن المبتدأ الموصول قد استوفى شروط جواز دخول الفاء في الخبر، وقد تقدم ذكرها.
واتفق المعربون والمفسرون على أن الجملة من قوله :﴿من آمن﴾ في موضع خبر إن إذا كان من مبتدأ، وإن الرابط محذوف تقديره : من آمن منهم، ولا يتم ما قالوه إلا على تغاير الإيمانين، أعني : الذي هو صلة الذين، والذي هو صلة من، إما في التعليق، أو في الزمان، أو في الإنشاء والاستدامة.
وأما إذا لم يتغايرا، فلا يتم ذلك، لأنه يصير المعنى : إن الذين آمنوا : من آمن منهم، ومن كانوا مؤمنين، لايقال : من آمن منهم إلا على التغاير بين الإيمانين.
وذهب بعض الناس إلى أن ذلك على الحذف، وأن التقدير :﴿إن الذين آمنوا لهم أجرهم عند ربهم﴾، ﴿والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن منهم﴾، أي من الأصناف الثلاثة، فلهم أجرهم، وذلك لما لم يصلح أن يكون عنده من آمن خبراً عن الذين آمنوا، ومن بعدهم.
ومن أعرب من مبتدأ، فإنما جعلها شرطية.
وقد ذكرنا جواز كونها موصولة، وأعربوا أيضاً من بدلاً، فتكون منصوبة موصولة.
قالوا : وهي بدل من اسم إن وما بعده، ولا يتم ذلك أيضاً إلا على تقدير تغاير الإيمانين، كما ذكرنا، إذا كانت مبتدأة.
والذي نختاره أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إن، فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل : إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة، فلهم أجرهم.
ودخلت الفاء في الخبر، لأن الموصول ضمن معنى الشرط، ولم يعتد بدخول إن على الموصول، وذلك جائز في كلام العرب، ولا مبالاة بمن خالف في ذلك.
ومن زعم أن من آمن معطوف على ما قبله، وحذف منه حرف العطف، التقدير : ومن آمن بالله فقوله بعيد عن الصواب، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالرسل، إذ البعث لا يعرف إلا من جهة الرسل.
﴿وعمل صالحاً﴾ : هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد ﷺ أقوال.
الثاني يروى عن ابن عباس، وقد حمل الصلة أو فعل الشرط والمعطوف على لفظ من، فأفرد الضمير في آمن وعمل ثم قال :﴿فلهم أجرهم﴾ إلى آخر الآية، فجمع حملاً على المعنى.
وهذان الحملان لا يتمان إلا بإعراب من مبتدأ، وأما على إعراب من بدلاً، فليس فيه إلا حمل على اللفظ فقط.
وللحمل على اللفظ والمعنى قيود ذكرت في النحو.
قال أبو محمد بن عطية : وإذا جرى ما بعد على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى، لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام.
انتهى كلامه.
وليس كما ذكر، بل يجوز إذا راعيت المعنى أن تراعي اللفظ بعد ذلك.
لكنّ الكوفيين يشترطون الفصل في الجمع بين هذه الحملين فيقولون : من يقومون في غير شيء، وينظر في أمورنا قومك والبصريون لا يشترطون ذلك، وهذا على ما قرر في علم العربية :
تروى الأحاديث عن كل مسامحة***
وإنما لمعانيها معانيها
وأجرهم : مرفوع بالابتداء، ولهم في موضع الخبر.
وعند الأخفش والكوفيين : إن أجرهم مرفوع بالجار والمجرور.
﴿عند ربهم﴾ : ظرف يعمل فيه الاستقرار الذي هو عامل في لهم، ويحتمل أن ينتصب على الحال، والعامل فيه محذوف تقديره : كائناً عند ربهم.
وقرأ الجمهور :﴿ولا خوف﴾، بالرفع والتنوين.
وقرأ الحسن : ولا خوف، من غير تنوين.
وقد تقدم الكلام على قوله :﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في آخر قصة آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ف