زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فيهم خمسة أقوال :
أحدها : أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد ﷺ، قاله ابن عباس.
والثاني : أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى، فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السدي عن أشياخه.
والثالث : أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري.
والرابع : أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام، كقس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وسلمان.
والخامس : أنهم المؤمنون من هذه الأمة.
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ قال الزجاج : أصل هادوا في اللغة : تابوا. وروي عن ابن مسعود أن اليهود سموا بذلك، لقول موسى :﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾[الأعراف: ٥٦]، والنصارى لقول عيسى :﴿مَنْ أَنصَارِي إلى اللَّهِ﴾[آل عمران: ٥٢] وقيل : سموا النصارى لقرية نزلها المسيح، اسمها : ناصرة، وقيل : لتناصرهم.
فأما ﴿الصابئون﴾ فقرأ الجمهور بالهمز في جميع القرآن. وكان نافع لا يهمز كل المواضع. قال الزجاج : معنى الصابئين : الخارجون من دين إلى دين، يقال : صبأ فلان : إذا خرج من دينه. وصبأت النجوم : إذا طلعت.
وفي الصابئين سبعة أقوال :
أحدها : أنه صنف من النصارى ألين قولا منهم، وهم السائحون المحلقة أوساط رؤوسهم، روي عن ابن عباس.
والثاني : أنهم قوم بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد.
والثالث : أنهم قوم بين اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير.
الرابع : قوم كالمجوس، قاله الحسن والحكم.
والخامس : فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، قاله أبو العالية.
والسادس : قوم يصلون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، قاله قتادة.
والسابع : قوم يقولون : لا إله إلا الله، فقط، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، قاله ابن زيد.
قوله تعالى :﴿مَنْ آمَنَ﴾ في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله :﴿مَنْ آمَنَ﴾ إليهم. والثاني : أن المعنى من أقام على إيمانه.
والثالث : أن الإيمان الأول نطق المنافقين بالإسلام، والثاني : اعتقاد القلوب.
قوله تعالى :﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾.
قال ابن عباس : أقام الفرائض.

فصل : وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة ؟ فيه قولان :


أحدهما : أنها محكمة، قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها : إن الذين آمنوا، ومن آمن من الذين هادوا.
والثاني : أنها منسوخة بقوله :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾[آل عمران: ٨٥]، ذكره جماعة من المفسرين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى