غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿النصارى﴾ بالإمالة : أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء. وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿سكارى﴾ و﴿أسارى﴾ و﴿يوارى﴾ و﴿أوارى﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿والصابئين﴾ بغير همزة : أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الوقوف :﴿عند ربهم﴾ ( ز ) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين. و﴿يحزنون﴾ ( ه ) ﴿الطور﴾ ( ط ) لأن التقدير : قلنا لكم خذوا ﴿تتقون﴾ ( ه ) ﴿من بعد ذلك﴾ ( ج ) لأن " لولا " للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿الخاسرين﴾ ( ه ) ﴿خاسئين﴾ ( ه ) ( ج ) للآية والعطف بالفاء ﴿المتقين﴾ ( ه ).
قوله عز من قائل ﴿ولقد علمتم﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو : لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو : ليضرب زيد. لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى " قد ". ومعنى " اللام " في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله. عن ابن عباس : إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً. فقيل لهم : لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك. فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا. قال بعضهم : وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك. والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.
وقوله ﴿كونوا﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] ﴿وقردة خاسئين﴾ خبر " إن " أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.
عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ [الجمعة: ٥] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه : كن حماراً. واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً. وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات. وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة. وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ﷺ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى