جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
يعني بقوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ ولقد عرفتم، كقولك : قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه، يعني عرفته ولم أكن أعرفه، كما قال جل ثناؤه : وآخَرِين مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ، يعني : لا تعرفونهم الله يعرفهم. وقوله : الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ أي الذين تجاوزوا حدي وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت وعصوا أمري. وقد دللت فيما مضى على أن الاعتداء أصله تجاوز الحدّ في كل شيء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
قال : وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها، مما عدّد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي ﷺ الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود، وحذّر المخاطبين بها أن يحلّ بهم بإصرارهم على كفرهم ومقامهم على جحود نبوّة محمد ﷺ وتركهم أتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه، مثل الذي حلّ بأوائلهم من المسخ والرّجْف والصّعْق، وما لا قِبَل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذِينَ اعْتَدَوْا مِنُكُمْ فِي السّبْتِ يقول : ولقد عرفتم وهذا تحذير لهم من المعصية، يقول : احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني، اعتدوا يقول اجترءوا في السبت. قال : لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجمعة وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها، فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد ﷺ محمدا قبل الجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت عليها بما أمره الله تعالى به ونبيه ﷺ، ومن لم يفعل ذلك كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه، فقال : وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الّذِينَ اعْتَدُوا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنا لهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ. وذلك أن اليهود قالت لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها : يا موسى كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام وسَبَت له كل شيء مطيعا يوم السبت، وكان آخر الستة ؟ قال : وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم حين أمرهم بالجمعة، قالوا له : كيف تأمرنا بالجمعة، وأوّل الأيام أفضلها وسيدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأول أفضل ؟ فأوحى الله إلى عيسى أن دعهم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقصّ الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال : وكذلك قال الله لموسى حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت : أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره، ولا يعملون شيئا كما قالوا. قال : فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء فهو قوله : إذْ تأتِيهمْ حِيتانُهُمْ يَوْم سَبتِهمْ شُرّعا يقول : ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيام، فهو قوله : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تأتِيهِمْ. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله فلما رأوها كذلك طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، وحذر العقوبة التي حذّرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحلّ بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثروا في ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلاً، وهو قول الله جل ثناؤه : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول : إذا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم تأكل، ولم تشرب، ولم تنسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن شاء كما يشاء، ويحوّله كما يشاء.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم فى عيدكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرّم عليهم ما أحلّ لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها «مَدْيَن »، فحرّم الله عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شُرّعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرّعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرّا يوم السبت فخَزَمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتَد له وتدا في الساحل، فأوثقه ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه أي إني لم آخذه في يوم السبت، ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك. ووجد الناس ريح الحيتان. فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان. ثم عثروا على ما صنع ذلك الرجل. قال : ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرّا زمانا طويلاً لم يعجل الله عليهم بعقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق، وقالت طائفة منهم من أهل التقية : ويحكم اتقوا الله ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا :( لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرة إلى ربّكُمْ ) لسخطنا أعمالهم ولعلهم يتقون.
قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يرونهم، فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنا فانظروا ما هو فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلاً فغلقوها على أنفسهم كما تغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.
قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا : وهي القرية التي قال الله لمحمد ﷺ : واسألْهُمْ عنِ القَرْيَةِ الّتِي كانَتْ حاضرةَ البَحْرِ الآية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قردة خاسِئِينَ أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت بلاءً من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف : فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرَد على المعصية، فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم : كُونُوا قِرَدَة خاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذنابٌ، تَعَاوَى، بعد ما كانوا رجالاً ونساء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أنا معمر، عن قتادة في قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السّبْت قال : نُهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، فكانت تشرع إليهم يوم السبت، وبُلوا بذلك فاعتدوا فاصطادوها، فجعلهم الله قردة خاسئين.
حدثني موسى قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ في السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِردة خاسِئِينَ قال : فهم أهل أيلة، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت وقد حرّم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا لم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت. فذلك قوله : وَاسألْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الّتِي كانَتْ حاضِرَة البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السّبْتِ إذْ تأتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعا ويَوْمَ لا يَسْبِتُون لا تأتِيهِمْ. فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، ويريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره ريحه، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره. حتى إذا فشا فيهم أكل السمك قال لهم علماؤهم : ويحكم إنما تصطادون السمك يوم السبت، وهو لا يحلّ لكم فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء : لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل فقالوا : لا. وعتوا أن ينتهوا، فقال بعض الذين نهوهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : مَعْذِرةً إلَى رَبّكُمْ ولعلّهم يَتّقُون. فلما أبوا قال المسلمون : والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا، ولعنهم داود. فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض. فذلك قول الله عز وجل : فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فذلك حين يقول : لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ على لِسانِ دَاوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فهم القردة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ قال : لم يمسخوا إنما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خَاسِئِينَ قال : مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وهذا القول الذي قاله مجاهد قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف، وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فقلنا لهم) أي: فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوم السبت.
* * *
وأصل"السبت" الهدوّ والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم"مسبوت" لهدوّه وسكون جسده واستراحته، كما قال جل ثناؤه: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) [النبأ: ٩] أي راحة لأجسادكم. وهو مصدر من قول القائل:"سبت فلان يسبت سبتا".
وقد قيل: إنه سمي"سبتا"، لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم الذي قبله - من خلق جميع خلقه.
* * *
وقوله: (كونوا قردة خاسئين)، أي: صيروا كذلك.
* * *
و"الخاسئ" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه:"خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا". قال: ويقال:"خسأته فخسأ وانخسأ". ومنه قول الراجز:
كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ (١)
يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا.
فكذلك معنى قوله: (كونوا قردة خاسئين) أي، مبعدين من الخير أذلاء صغراء، (٢) كما:-
١١٤٥ - حدثنا محمد بن بشار، (٣) قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال،
(٢) صاغر، جمعه صغرة (بفتحات). وهذا ما نصوا عليه، ولم أجد"صغراء" على وزن جهلاء، وهو جمع في بعض الصفات التي على وزن"فاعل"، مثل شاعر وشعراء، وعالم وعلماء. فهم يشبهون"فاعلا" بـ "فعيل" نحو كريم وكرماء، فيجمعونه كجمعه.
(٣) في المطبوعة"حدثنا بشار" وهو خطأ لا شك فيه، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم: ١٠٦٢.