إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أي عرفتم ﴿الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت﴾ رُوي أنهم أُمروا بأن يتمحَّضوا يوم السبت للعبادة ويتجرَّدوا لها ويتركوا الصيدَ فاعتدى فيه أناسٌ منهم في زمن داودَ عليه السلام فاشتغلوا بالصيد، وكانوا يسكُنون قريةً بساحل البحر يقال لها أَيْلة فإذا كان يومُ السبت لم يبقَ في البحر حوتٌ إلا برزَ وأخرج خُرطومه، فإذا مضى تفرقت فحفَروا حِياضاً وشرَعوا إليها الجداولَ وكانت الحيتانُ تدخلُها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فالمعنى وبالله لقد علمتوهم حين فعلوا من قَبيل جناياتكم ما فعلوا فلم نُمهِلْهم ولم نؤخِّرْ عقوبتَهم بل عجلناها ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسئين﴾ أي جامعين بين صورةِ القردةِ والخسُوء، وهو الطرد والصَّغار، على أن خاسئين نعتٌ لقِردة، وقيل : حال من اسم كونوا عند من يُجيز عملَ كان في الظروفِ والحالِ، وقيل : من الضمير المستكنّ في قِردة لأنه في معنى ممسوخين، وقال مجاهد : ما مُسخت صورُهم ولكن قلوبُهم فمُثلوا بالقِردة كما مُثِّلوا بالحمار في قوله تعالى :﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [ الجمعة، الآية ٥ ] والمرادُ بالأمر بيانُ سرعةِ التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده عز وجل وقرئ قَرِدةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى