اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" قَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ " ف " يبيّن " مجزوم على جواب الأمر كقوله :﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١].
قوله :" مَا هِيَ "، " ما " استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، تقديره : أي شيء هي ؟ وما [ الاستفهامية ](١٢) يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو : ما العَنْقَاء ؟ وماهية المسمى أخرى، نحو : ما الحركة ؟.
وقال السكاكي(١٣) :" يسأل ب " ما " عن الجنس، تقول : ما عندك ؟ أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ؟ وجوابه " كتاب " ونحوه، أو عن الوصف، تقول : ما زيد ؟ وجوابه :" كريم "، وهذا هو المراد في الآية.
و " هي " ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبراً ل " ما " والجملة في محلّ نصب ب " يبيّن " ؛ لأنه معلّق عن الجملة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه بأفعال القلوب.
قوله :" لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ " لا " نافية "، و " فارض " صفة ل " بقرة ".
واعترض ب " لا " بين الصفة والموصوف، نحو :" مررت برجل لا طويل ولا قصير ".
وأجاز أبو البقاء : أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي : لا هي فَارِضٌ.
وقوله :" ولا بِكْر " مثل ما تقدّم.
وتكررت " لا " لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أَو حال وجب تكريرها تقول :" زيد لا قائم ولا قاعد "، و " مررت به لا ضحاكاً ولا باكياً ".
ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافاً للمبرِّد وابن كَيْسَان ؛ فمن ذلك :[ الطويل ]
٥٦٨ وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقُتَ لِغَيْرناحَيَاتُكَ لاَ نَفْعٌ ومَوْتُكَ فَاجِعُ
وقوله :[ الطويل ]
٥٦٩ قَهَرْتُ الْعِدَا لاَ مُسْتَعِيناً بِعُصْبَةٍوَلَكِنْ بَأَنْواعِ الْخَدائِعِ وَالمَكْرِ
فلم يكررها في الخبر، ولا في الحال.
و " الفارض " : المُسِنّة الهَرِمَة، قال الزمخشريُّ : كأنها سميْت بذلك ؛ لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي : قَطَعَتْهَا وبلغت آخرها ؛ قال :[ الطويل ]
٥٧٠ لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضاًتُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ
ويقال لكل ما قَدُمَ : فارض ؛ قال [ الرجز ]
٥٧١ شَيَّبَ أَصْدَاعِيْ فَرَأْسِي أَبْيَضُمَحَامِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ
أي : كبار قدماء.
وقال آخر :[ الرجز ]
٥٧٢ يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِلَهُ قُرُوءٌ كَقُروءِ الْحَائِضِ
وقال الرَّاغب : سميت فارضاً ؛ لأنها تقطع الأرض، والْفَرْضُ في الأصل القطع، وقيل : لأنها تحمل الأعمال الشاقة.
وقيل : لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، قال : فعلى هذا تكون الفارض اسماً إسلاميّاً.
وقيل :" الفَارِضُ " : التي ولدت بطوناً كثيرة فيتسّع جوفها لذلك ؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين. ويقال : فَرَضَتْ تَفْرِضُ بالفتح فُرُوضاً.
وقيل : فَرُضَتْ بالضم أيضاً.
وقال المفضَّل بن سَلَمَةَ : الفارض : المُسِنَّة. و " البِكْر " : ما لم تحمل.
وقيل : ما ولَدَتْ بطناً واحداً، وذلك الولد بِكْرٌ أيضاً. قال : الرجز ]
٥٧٣ يَا بِكْرَ بَكْرَين وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْأَصْبَحْتَ مِنِّي كِذِرَاع مِنْ عَضُدْ
و " البِكْر " من الحيوان : من لم يطرقه فحل، و " البَكْر " - بالفتح - الْفَتِيُّ من الإِبِل، والبَكَارة بالفتح المصدر.
وقال المفضَّل بن سلمة : البِكْر : الشابة.
قال القفال - رحمه الله تعالى : اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه الباكورة لأول الثمرة، ومنه : بُكْرَة النهار، ويقال : بكرت عليه البارحة، إذا جاء في أول الليل.
والأظهر أنها هي التي لم تلد ؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني آدم : ما لم يَنْزُ عليها الفحل.
قوله : عَوَانٌ صفة ل " بقرة "، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي : هي عَوانٌ كما تقدم في ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] والعوان : النَّصَف، وهو التوسُّط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه ؛ قال :[ الوافر ]
٥٧٤-. . .نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارِ وَعُون
وقال الشاعر يصف فرساً :[ الطويل ]
٥٧٥ كُمَيْتِ بَهِيمِ اللَّونِ لَيْسَ بِفَارِضٍوَلاَ بِعَوانٍ ذَاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ
" فرس أخصف " إذا ارتفعَ الْبَلَق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة الطويلة : عوان، وهي فيما زعموا لغة عَانِيَة، حكاه القرطبي.
وقيل : هي التي ولدت مرة بعد أخرى ومنه " الحرب العوان " أي التي جاءت بعد حرب أخرى ؛ قال زهير :[ الطويل ]
٥٧٦ إِذَا لَحِقَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاسَ أَنْيَابُهَا عُصْلُ
والعُوْن بسكون الواو الجمع، وقد بضم ضرورة كقوله :[ السريع ]
٥٧٧-. . .في الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ
بضم الواو. ونظيره في الصحيح " قَذال وقُذُل " و " حِمَار وحُمُر ".
قوله :" بين ذلك " صفة ل " عوان " [ فهي ] في محلّ رفع، ويتعلق بمحذوف، أي : كائن بين ذلك، و " بين " إنما تضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضاف هنا إلى مفرد ؛ لأنه يشار به إلى المُثَنَّى والمجموع ؛ كقوله :[ الرمل ]
٥٧٨- إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًىوَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
كأنه قيل : بين ما ذكر من الفارض والبكر. قال الزمخشري :
فإن قلت : كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو لإشارة المذكر ؟
قلت : لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال : وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة : قلت لرؤبة في قوله :[ الرجز ]
٥٧٩- فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْكَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَولِيعُ الْبَهَقْ
إن أردت الخطوط فقل : كأنها، وإن أردت السواد والبَلَق فقل : كأنهما، فقال : أردتُ : ذَاكَ وذَلِكَ. والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، وجمعها، وتأنيثها ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء " الذي " بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله :" عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ " على جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النَّص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين الفَارِض والبِكْر إلا من طريق الاجتهاد.
قوله :﴿مَا تُؤْمَرونَ﴾ " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والعائد محذوف تقديره : تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت " الهاء "، وليس هو نظير :﴿كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] فإن الحذف هناك غير مقيس.
ويضعف أن تكون " ما " نكرة موصوفة.
قال أبو البقاء : لأن المعنى على العموم، وهو ب " الذي " أشبه، ويجوز أن تكون مصدرية أي : أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر ك " ضَرْب الأمير " قاله الزمخشري.
و " تؤمرون " مبني للمفعول، و " الواو " قائم مقام الفاعل، ولا محلّ لهذه الجملة لوقوعها صلة.

فصل في الغاية من وصف البقرة


والمقصود كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصَّغيرة تكون ناقصة ؛ لأنها لم تصل إلى حالة الكمال، والمُسِنّة صارت ناقصةً ؛ لتجاوزها حَدّ الكمال، والمتوسط هو الذي يكون في حال الكمال. قاله الثعلبي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى