تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قالوا ادع لنا ربك﴾ : سبق الكلام على نظيرها ؛ ﴿يبين لنا ما هي﴾ : هذا الطلب ليس له وجه ؛ لأن اللفظ بين : فالبقرة معلومة، والمطلق ليس مجملاً يحتاج إلى بيان. لوضوح معناه ؛ فإذا قيل مثلاً : " أكرم رجلاً " ؛ فلا يحتاج أن تقول : " ما صفة هذا الرجل " ؛ إذا أكرمت أيّ رجل حصل المقصود ؛ فلو أنهم ذهبوا، وذبحوا أيّ بقرة، وامتثلوا ما أمرو به لانتهى الأمر ؛ ولكنهم تعنتوا..
قوله تعالى :﴿قال﴾ أي موسى ﴿إنه يقول﴾ أي الله عزّ وجلّ ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ : " البكر " معروف : التي لم تلد، ولا قرعها الفحل، و " الفارض " تُعرف بمقابلها، فإذا كانت " البكر " هي التي لم يقرعها الفحل، فإن " الفارض " هي المسنة الكبيرة ؛ وهذا. أي تفسير الكلمة، أو معرفة معنى الكلمة بمعرفة ما يقابلها. له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى :﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً﴾ [النساء: ٧١] ؛ فكلمة :﴿ثبات﴾ هنا يتبين معناها بما ذكر مقابلاً لها. وهو قوله تعالى :﴿أو انفروا جميعاً﴾ ؛ فيكون معناها : متفرقين أفراداً..
قوله تعالى :﴿عوان بين ذلك﴾ أي وسط بين ذلك. أي بين كونها فارضاً وبكراً ؛ وفيه إشكال على هذا : لأنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة ؛ واسم الإشارة هنا مفرد مذكر ؟ والجواب عنه أن يقال :﴿بين ذلك﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. أي لا تكون هكذا، ولا هكذا، ولكن عوان بين ذلك المذكور..
قوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ؛ هذا الأمر من موسى ؛ وليس من كلام الله عزّ وجلّ ؛ فموسى يقول لبني إسرائيل : افعلوا ما تؤمرون به من ذبح بقرة لا فارض، ولا بكر، ولا تتعنتوا فيشدد عليكم مرة ثانية ؛ ولو أنهم امتثلوا، وذبحوا بقرة عواناً بين ذلك لحصل المقصود ؛ وكان عليهم أن يفعلوا. وإن لم يأمرهم نبيهم به ؛ ولكنهم أهل عناد، وتعنت ؛ ولهذا أمرهم أمراً ثانياً ؛ ومع ذلك قالوا :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الفوائد :
. ١ من فوائد الآيات : تعظيم الله عزّ وجلّ، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى :﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]..
. ٢ ومنها : أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر ؛ لقوله :﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾..
. ٣ ومنها : استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام :﴿أتتخذنا هزواً﴾ وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة ؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ ؛ لأنه أمر من الله عزّ وجلّ..
. ٤ ومنها : أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه ؛ لقول موسى عليه الصلاة والسلام :( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )
. ٥ ومنها : أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به عزّ وجلّ ؛ فإن موسى صلى الله عليه وسلم كان من أولي العزم من الرسل ؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه تبارك وتعالى ؛ لقوله تعالى :﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ ؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله عزّ وجلّ ؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم :" فمن وجد معاذاً فليعذ به " (١)..
. ٦ ومنها : استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. عليه الصلاة والسلام :﴿ادع لنا ربك﴾ ؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله عزّ وجلّ إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك ؛ فلم يقولوا :" ادع ربنا "، أو " ادع الله " ؛ ومما يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. عليه الصلاة والسلام. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة ؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة..
. ٧ ومنها : تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه ؛ لقوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ؛ ومع ذلك لم يمتثلوا ؛ بل تعنتوا، وطلبوا شيئاً آخر :﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ ؛ فسألوه عن اللون مع أن أيّ لون يمكن أن يكون في البقرة لا يمنع من إجزائها..
. ٨ ومنها : بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم ؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة..
. ٩ ومنها : أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية..
. ١٠ ومنها : تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة ؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً ؛ وأن تكون صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين ؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث ؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب..
وألا يخالط لونها لون آخر ؛ لقوله :( لا شية فيها ).
. ١١ومنها : أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء ؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم ؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم ؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر..
. ١٢ ومنها : أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ على درجات ؛ الدرجة الأولى : ما سبق من قولهم :﴿أتتخذنا هزواً﴾ ؛ الدرجة الثانية : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، الدرجة الثالثة : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ ؛ الدرجة الرابعة : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى
. ١٣. ومنها : استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا :﴿الآن جئت بالحق﴾ ؛ فكأنهم يقولون : الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضـض ؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله عزّ وجلّ..
. ١٤ ومنها : أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله عزّ وجلّ من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الدين يسر ؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه(٢) "..
. ١٥ ومنها : تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم..
. ١٦ ومنها : تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها..
. ١٧ ومنها : أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره ؛ لقوله تعالى :﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾..
. ١٨ منها : أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم ؛ لقوله تعالى :﴿ببعضها﴾ ؛ فقد أبهمه الله ؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع ؛ لأن المقصود الآية..
. ١٩ ومنها : أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه ؛ لقوله تعالى :
﴿ببعضها﴾ ؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم ؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها ؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا رسول الله... " كذا وكذا ؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل ؛ وهذا ليس بلازم ؛ المهم معنى القصة، وموضوعها ؛ أما أن تعرف من هذا الرجل ؟ من هذا الأعرابي ؟ ما هذه الناقة مثلاً ؟ ما هذا البعير ؟ فليس بلازم ؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه ؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين..
. ٢٠ومن فوائد الآية : أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين ؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ؛ فإذا قيل لك :" افعل بعض هذه الأشياء " يكون أسهل مما إذا قيل لك :" افعل هذا الشيء بعينه " ؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم..
. ٢١ ومنها : أن هذه الآية من آيات الله عزّ وجلّ. وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل ؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى..
. ٢٢ ومنها : أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله عزّ وجلّ ؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا ؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع..
. ٢٣ ومنها : أن الله سبحانه وتعالى يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس ؛ لقوله تعالى :﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ؛ واذكروا قول الله تعالى :﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ ( النساء : ١٠٨ )
. ٢٤ومنها : التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله عزّ وجلّ ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله عزّ وجلّ فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه...
قوله تعالى :﴿قال﴾ أي موسى ﴿إنه يقول﴾ أي الله عزّ وجلّ ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ : " البكر " معروف : التي لم تلد، ولا قرعها الفحل، و " الفارض " تُعرف بمقابلها، فإذا كانت " البكر " هي التي لم يقرعها الفحل، فإن " الفارض " هي المسنة الكبيرة ؛ وهذا. أي تفسير الكلمة، أو معرفة معنى الكلمة بمعرفة ما يقابلها. له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى :﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً﴾ [النساء: ٧١] ؛ فكلمة :﴿ثبات﴾ هنا يتبين معناها بما ذكر مقابلاً لها. وهو قوله تعالى :﴿أو انفروا جميعاً﴾ ؛ فيكون معناها : متفرقين أفراداً..
قوله تعالى :﴿عوان بين ذلك﴾ أي وسط بين ذلك. أي بين كونها فارضاً وبكراً ؛ وفيه إشكال على هذا : لأنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة ؛ واسم الإشارة هنا مفرد مذكر ؟ والجواب عنه أن يقال :﴿بين ذلك﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. أي لا تكون هكذا، ولا هكذا، ولكن عوان بين ذلك المذكور..
قوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ؛ هذا الأمر من موسى ؛ وليس من كلام الله عزّ وجلّ ؛ فموسى يقول لبني إسرائيل : افعلوا ما تؤمرون به من ذبح بقرة لا فارض، ولا بكر، ولا تتعنتوا فيشدد عليكم مرة ثانية ؛ ولو أنهم امتثلوا، وذبحوا بقرة عواناً بين ذلك لحصل المقصود ؛ وكان عليهم أن يفعلوا. وإن لم يأمرهم نبيهم به ؛ ولكنهم أهل عناد، وتعنت ؛ ولهذا أمرهم أمراً ثانياً ؛ ومع ذلك قالوا :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾.
. ١ من فوائد الآيات : تعظيم الله عزّ وجلّ، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى :﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]..
. ٢ ومنها : أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر ؛ لقوله :﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾..
. ٣ ومنها : استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام :﴿أتتخذنا هزواً﴾ وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة ؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ ؛ لأنه أمر من الله عزّ وجلّ..
. ٤ ومنها : أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه ؛ لقول موسى عليه الصلاة والسلام :( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )
. ٥ ومنها : أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به عزّ وجلّ ؛ فإن موسى صلى الله عليه وسلم كان من أولي العزم من الرسل ؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه تبارك وتعالى ؛ لقوله تعالى :﴿قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ ؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله عزّ وجلّ ؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم :" فمن وجد معاذاً فليعذ به " (١)..
. ٦ ومنها : استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. عليه الصلاة والسلام :﴿ادع لنا ربك﴾ ؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله عزّ وجلّ إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك ؛ فلم يقولوا :" ادع ربنا "، أو " ادع الله " ؛ ومما يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. عليه الصلاة والسلام. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة ؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة..
. ٧ ومنها : تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه ؛ لقوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ ؛ ومع ذلك لم يمتثلوا ؛ بل تعنتوا، وطلبوا شيئاً آخر :﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ ؛ فسألوه عن اللون مع أن أيّ لون يمكن أن يكون في البقرة لا يمنع من إجزائها..
. ٨ ومنها : بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم ؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة..
. ٩ ومنها : أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية..
. ١٠ ومنها : تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة ؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً ؛ وأن تكون صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين ؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث ؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب..
وألا يخالط لونها لون آخر ؛ لقوله :( لا شية فيها ).
. ١١ومنها : أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء ؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم ؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم ؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر..
. ١٢ ومنها : أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ على درجات ؛ الدرجة الأولى : ما سبق من قولهم :﴿أتتخذنا هزواً﴾ ؛ الدرجة الثانية : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، الدرجة الثالثة : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ ؛ الدرجة الرابعة : قولهم :﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ مرة أخرى
. ١٣. ومنها : استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا :﴿الآن جئت بالحق﴾ ؛ فكأنهم يقولون : الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضـض ؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله عزّ وجلّ..
. ١٤ ومنها : أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله عزّ وجلّ من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الدين يسر ؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه(٢) "..
. ١٥ ومنها : تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم..
. ١٦ ومنها : تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها..
. ١٧ ومنها : أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره ؛ لقوله تعالى :﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾..
. ١٨ منها : أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم ؛ لقوله تعالى :﴿ببعضها﴾ ؛ فقد أبهمه الله ؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع ؛ لأن المقصود الآية..
. ١٩ ومنها : أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه ؛ لقوله تعالى :
﴿ببعضها﴾ ؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم ؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها ؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا رسول الله... " كذا وكذا ؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل ؛ وهذا ليس بلازم ؛ المهم معنى القصة، وموضوعها ؛ أما أن تعرف من هذا الرجل ؟ من هذا الأعرابي ؟ ما هذه الناقة مثلاً ؟ ما هذا البعير ؟ فليس بلازم ؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه ؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين..
. ٢٠ومن فوائد الآية : أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين ؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ؛ فإذا قيل لك :" افعل بعض هذه الأشياء " يكون أسهل مما إذا قيل لك :" افعل هذا الشيء بعينه " ؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم..
. ٢١ ومنها : أن هذه الآية من آيات الله عزّ وجلّ. وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل ؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى..
. ٢٢ ومنها : أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله عزّ وجلّ ؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا ؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع..
. ٢٣ ومنها : أن الله سبحانه وتعالى يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس ؛ لقوله تعالى :﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ؛ واذكروا قول الله تعالى :﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ ( النساء : ١٠٨ )
. ٢٤ومنها : التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله عزّ وجلّ ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله عزّ وجلّ فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه...