البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الفارض : المسن التي انقطعت ولادتها من الكبر.
يقال : فرضت وفرضت تفرض، بفتح العين في الماضي وضمها، والمصدر فروض، والفرض : القطع، قال الشاعر :
كميت بهيم اللون ليس بفارضولا بعوان ذات لون مخصف
ويقال لكل ما قدم وطال أمره : فارض، قال الشاعر :
يا ربّ ذي ضغن عليّ فارضله قروء كقروء الحائض
وكأنّ المسن سميت فارضاً لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، قال خفاف بن ندبة :
لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضاًتساق إليه ما تقوم على رجل
ولم تعطه بكراً فيرضى سمينهفكيف تجازى بالمودة والفضل
البكر : الصغيرة التي لم تلد من الصغر، وقال ابن قتيبة : التي ولدت ولداً واحداً.
والبكر من النساء : التي لم يمسها الرجل، وقال ابن قتيبة : هي التي لم تحمل.
والبكر من الأولاد : الأول، ومن الحاجات : الأولى.
قال الراجز :
يا بكر بكرين ويا خلب الكبدأصبحت مني كذراع من عضد
والبكر، بفتح الباء : الفتى من الإبل، والأنثى : بكرة، وأصله من التقدم في الزمان، ومنه البكرة والباكورة.
والعوان : النصف، وهي التي ولدت بطناً أو بطنين، وقيل : التي ولدت مرة.
وقالت العرب : العوان لا تعلم الخمرة، ويقال : عونت المرأة، وحرب عوان، وهي التي قوتل فيها مرة بعد مرة، وجمع على فعل : قالوا عون، وهو القياس في المعتل من فعأل، ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، منه :
وفي الأكف اللامعات سور***
بين : ظرف مكان متوسط التصرف، تقول : هو بعيد بين المنكبين، ونقي بين الحاجبين.
قال تعالى :﴿هذا فراق بيني وبينك﴾، ودخولها إذا كانت ظرفاً :﴿بين ما تمكن البينية فيه﴾، والمال بين زيد وبين عمرو، ومسموع من كلامهم، وينتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها ما، أو الألف، فيزول عنها الاختصاص بالأسماء، فيليها إذ ذاك الجملة الاسمية والفعلية، وربما أضيفت بيناً إلى المصدر.
ولبين في علم الكوفيين باب معقود كبير.
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، لما قال لهم موسى :﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾، وعلموا أن ما أخبرهم به موسى من أمر الله إياهم بذبح البقرة كان عزيمة وطلباً، جاز ما قالوا له ذلك، وهذا القول أيضاً فيه تعنيت منهم وقلة طواعية، إذ لو امتثلوا فذبحوا بقرة، لكانوا قد أتوا بالمأمور، ولكن شدّدوا، فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما.
وكسر العين من ادع لغة بني عامر، وقد سبق ذكر ذلك في ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾ وجزم يبين على جواب الأمر.
وما هي : مبتدأ وخبر.
وقرأ عبد الله : سل لنا ربك يبين ما هي، ومفعول يبين : هي الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل معلق، لأن معنى يبين لنا يعلمنا ما هي، لأن التبيين يلزمه الإعلام، والضمير في هي عائد على البقرة السابق ذكرها، وكأنهم قالوا : يبين لنا ما البقرة التي أمرنا بذبحها، ولم يريدوا تبيين ماهية البقرة، وإنما هو سؤال عن الوصف، فيكون على حذف مضاف، التقدير : ما صفتها ؟ ولذلك أجيبوا بالوصف، وهو قوله :﴿لا فارض ولا بكر﴾.
وإنما سألوا على طريق التعنت، كما قدّمناه، أو على طريق التعجب من بقرة ميتة يضرب بها ميت فيحيا، إذ ذاك في غاية الاستغراب والخروج عن المألوف، أو على طريق أنهم ظنوا قوله :﴿أن تذبحوا بقرة﴾ من باب المجمل، فسألوا تبيين ذلك، إذ تبين المجمل واجب، أو على رجاء أن ينسخ عنهم تكليف الذبح، لثقل ذلك عليهم، لكونهم لم يعلموا المعنى الذي لأجله أمروا بذلك.
وتقدّم معنى قولهم :﴿أدع لنا ربك﴾، كيف خصوا لفظ الربّ مضافاً إلى موسى، وذلك لما علموا له عند الله من الخصوصية والمنزلة الرفيعة.
وقيل : إنما سألوا موسى استرشاداً لا عناداً، إذ لو كان عناداً لكفروا به وعجلت عقوبتهم، كما عجلت في قولهم :﴿أرنا الله جهرة﴾، وفي عبادتهم العجل، وفي امتناعهم من قبول التوراة، وقولهم :﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ وفي الكلام حذف تقديره : فدعا موسى ربه فأجابه.
﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ : صفة لبقرة، والصفة إذا كانت منفية بلا، وجب تكرارها، كما قال :
وفتيان صدق لا ضعاف ولا عزل***
فإن جاءت غير مكرّرة، فبابها الشعر، ومن جعل ذلك من الوصف بالمجمل، فقدر مبتدأ محذوفاً، أي ﴿لا هي فارض ولا بكر﴾، فقد أبعد، لأن الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أن لا حذف.
﴿عوان﴾ : تفسير لما تضمنه قوله :﴿لا فارض ولا بكر﴾.
﴿بين ذلك﴾ : يقتضي بين أن تكون تدخل على ما يمكن التثنية فيه، ولم يأت بعدها إلا اسم إشارة مفرد، فقيل : أشير بذلك إلى مفرد، فكأنه قيل : عوان بين ما ذكر، فصورته صورة المفرد، وهو في المعنى مثنى، لأن تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس تثنية ولا جمعاً حقيقة، بل كان القياس يقتضي أن يكون اسم الإشارة لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث، قالوا : وقد أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، قال رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق***
كأنه في الجلد توليع البهق
قيل له : كيف تقول كأنه ؟ وهلا قلت : كأنها، فيعود على الخطوط، أو كأنهما، فيعود على السواد والبلق ؟ فقال : أردت كان ذاك، وقال لبيد :
إن للخير وللشرّ مدى***
وكلا ذلك وجه وقبل
قيل : أراد وكلا ذينك، فأطلق المفرد وأراد به المثنى، فيحتمل أن تكون الآية من ذلك، فيكون أطلق ذلك ويريد به ذينك، وهذا مجمل غير الأوّل.
والذي أذهب إليه غير ما ذكروا، وهو أن يكون ذلك مما حذف منه المعطوف، لدلالة المعنى عليه، التقدير : عوان بين ذلك وهذا، أي بين الفارض والبكر، فيكون نظير قول الشاعر :
فما كان بين الخير لو جاء سالما***
أبو حجر إلا ليال قلائل
أي : فما كان بين الخير وباغيه، فحذف لفهم المعنى :﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ أي والبرد.
وإنما جعلت عواناً لأنه أكمل أحوالها، فالصغيرة ناقصة لتجاوزها حالته.
﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ : أي من ذبح البقرة، ولا تكرروا السؤال، ولا تعنتوا في أمر ما أمرتم بذبحه.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة من قول الله، ويحتمل أن تكون من قول موسى، وهو الأظهر.
حرّضهم على امتثال ما أمروا به، شفقة منه.
وما موصولة، والعائد محذوف تقديره : ما تؤمرونه، وحذف الفاعل للعلم به، إذ تقدّم أن الله يأمركم، ولتناسب أواخر الآي، كما قصد تناسب الإعراب في أواخر الأبيات في قوله :
ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائع***
إذ آخر البيت الذي قبل هذا قوله :
وما يدرون أين المصارع***
وأجاز بعضهم أن تكون ما مصدرية، أي : فافعلوا أمركم، ويكون المصدر بمعنى المفعول، أي مأموركم، وفيه بعد ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ لما تعَرّفوا سنّ هذه، شرعوا في تعرف لونها، وذلك كله يدل على نقص فطرهم وعقولهم، إذ قد تقدّم أمران : أمر الله لهم بذبح بقرة، وأمر المبلغ عن الله، الناصح لهم، المشفق عليهم، بقوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾، ومع ذلك لم يرتدعوا عن السؤال عن لونها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة فصولاً عظيمة، ومحاورات كثيرة، وذلك أن موسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، شافههم بأن الله تعالى يأمرهم بذبح البقرة، وذلك امتحان من الله تعالى لهم، فلم يبادروا لامتثال أمر الله تعالى، وأخرجوا ذلك مخرج الهزؤ، إذ لم يفهموا سر الأمر.
وكان ينبغي أن يبادروا بالامتثال، فأجابهم موسى باستعاذته بالله الذي أمره أن يكون ممن جهل، فيخبر عن الله بما لم يأمره به، فردّ عليهم بأن استعمال الهزؤ في التبليغ عن الله تعالى، وفي غيره، وهو يستعيذ منه، فرجعوا إلى قوله، وتعنتوا في البقرة، وفي أوصافها، وكان يجزئهم أن يذبحوا بقرة، إذ المأمور به بقرة مطلقة، فسألوا ما هي ؟ وسألوا موسى أن يدعو الله تعالى أن يبينها لهم، إذ كان دعاؤه أقرب للإجابة من دعائهم، فأخبر عن الله تعالى بسنها.
ثم خاف من كثرة سؤالهم، ومن تعنتهم، كما جاء، إنما أهلك بني إسرائيل كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فبادر إلى أمرهم بأن يفعلوا ما يؤمرون، حتى قطع سؤالهم، فلم يلتفتوا إلى أمره، وسألوا أن يسأل الله تعالى ثانياً عن لونها، إذ قد أخبروا بسنها، فأخبرهم عن الله تعالى بلونها، ولم يأمرهم ثانياً أن يفعلوا ما يؤمرون به، إذ علم منهم تعنتهم، لأنهم خالفوا أمر الله أولاً في قوله :﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، وخالفوا أمر موسى ثانياً في قوله :﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾.
فلم يكن إلا أن أبقاهم على طبيعتهم من كثرة السؤال.
فسألوا ثالثاً أن يسأل الله عنها، فأخبرهم عن الله تعالى بحالها بالنسبة إلى العمل وباقي الأوصاف التي ذكرها، فحينئذ صرحوا بأن موسى جاء بالحق الواضح الذي بين أمر هذه البقرة، فالتمسوها حتى حصلوها وذبحوها امتثالاً لأمر الله تعالى، وذلك بعد ترديد كثير وبطء عظيم، وقبل ذلك ما قاربوا ذبحها، بل بقوا متطلبين أشياء ليتأخر عنهم تحصيلها وذبحها.
ثم أخبر تعالى عنهم بقتل النفس، وتدافعهم فيمن قتلها، واختلافهم في ذلك، فأمروا بأن يضربوا ذلك القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، فضربوه فحيي بإذن الله، وانكشف لهم سرّ أمر الله بذبح البقرة، وأنه ترتب على ذلك من الأمر المعجز الخارق، ما يحصل به العلم الضروري الدال على صدق موسى عليه السلام، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ثم بين تعالى أن مثل هذ الإحياء يحيي الموتى، إذ لا فرق بين الإحياءين في مطلق الإحياء.
ثم أخبر تعالى بأنه يريهم آياته، لينتج عن تلك الإراءة كونهم يصيرون من أولي العقل، الناظرين في عواقب الأمور، المفكرين في المعاد.
ثم أخبر تعالى بعد ذلك أنهم على مشاهدتهم هذا الخارق العظيم، ورؤيتهم الآيات قبل ذلك، لم يتأثروا لذلك، بل ترتب على ذلك عكس مقتضاه من القسوة الشديدة، حتى شبه قلوبهم بالحجارة، أو هي أشد من الحجارة.
ثم استطرد لذكر الحجارة بالتقسيم الذي ذكره، على أن الحجارة تفضل قلوبهم في كون بعضها يتأثر تأثيراً عظيماً، بحيث يتحرك ويتدهده، وكون بعضها يتشقق فيتأثر تأثيراً قليلاً، فينبع منه الماء، وكون بعضها خلق منفرجاً تجري منه الأنهار، وقلوبهم على سجية واحدة، لا تقبل موعظة، ولا تتأثر لذكري، ولا تنبعث لطاعة.
ثم ختم ذلك بأنه تعالى لا يغفل عما اجترحوه في دار الدنيا، بل يجازيهم بذلك في الدار الأخرى.
وكان افتتاح هذه الآيات بأن الله تعالى يأمر، واختتامها بأن الله لا يغفل.
فهو العالم بمن امتثل، وبمن أهمل، فيجازي ممتثل أمره بجزيل ثوابه، ومهمل أمره بشديد عقابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى