إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد هذا البيان الشافي والأمرِ المكرَّرِ ؟ فقيل : قالوا :﴿ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ حتى يتبين لنا البقرةُ المأمور بها ﴿قَالَ﴾ أي موسى عليه السلام بعد المناجاةِ إلى الله تعالى ومجيءِ البيان ﴿إنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لوْنُهَا﴾ إسنادُ البيان في كل مرةٍ إلى الله عز وجل لإظهار كمالِ المساعدةِ في إجابة مسؤولهم بقولهم ( يبينْ لنا ) وصيغةُ الاستقبال لاستحضارِ الصورة، والفُقوعُ نصوعُ الصُّفرةِ وخلوصُها، ولذلك يؤكَّد به ويقال : أصفرُ فاقعٌ كما يقال : أسودُ حالكٌ وأحمرُ قانئ، وفي إسناده إلى اللون مع كونِه من أحوال المُلوَّنِ لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيدٍ كأنه قيل : صفراءُ شديدُ الصُفرةِ صُفرتها كما في جَدّ جِدّه. وعن الحسن رضي الله عنه : سوداءُ شديدةُ السواد، وبه فُسّر قوله تعالى :﴿جمالة صُفْرٌ﴾ [ سورة المراسلات، الآية ٣٣ ] قيل : ولعل التعبير عن السواد بالصُّفرة لما أنها من مقدماته وإما لأن سَواد الإبل يعلوه صُفْرةٌ ويأباه وصفُها بقوله تعالى :﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ كما يأباه وصفُها بفقوع اللون. والسرورُ لذةٌ في القلب عند حصول نفعٍ أو توقُّعِه من السر، عن علي رضي الله عنه : من لبِسَ نعلاً صفراءَ قل همُّه.