التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم كشف الله - تعالى - بعد ذلك عن الغاية التي من أجلها أمروا بذبح البقرة فقال تعالى :﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفساً، فاختلفتم وتنازعتم في قاتلها، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه، والله - عز وجل - مخرج لا محالة ما كتمتم من أمر القاتل، فقد بين - سبحانه - الحق في ذلك فقال على لسان رسوله موسى - عليه السلام - اضربوا القتيل بأي جزء من أجزاء البقرة، فضربتموه ببعضها فعادت إليه الحياة - بإذن الله - وأخبر عن قاتله، وبمثل هذا الإِحياء لذلك القتيل بعد موته، يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة، ويبين لكم الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء رجاء أن تعقلوا الأمور على وجهها السليم.
وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها، حصلت قبل الأمر بذبح البقرة، إلا أن القرآن الكريم أخرها في الذكر ليعدد على بني إسرائيل جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من وراء الأمر بذبحها، فتتقبلها بشغف واهتمام.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما للقصة لم تفص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ؟ قلت : كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولما حدد فيهم من الآيات العظام، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين.
فالأولى : لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة وإلى الامتثال وما يتبع ذلك.
والثانية : للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة، وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه لكانت القصة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها، أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما، بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله :﴿اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع ونيته، بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة ".
وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جمعهم في قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ مع أن القاتل بعضهم، للإِشعار بأن الأمة في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد.
وأسند القتل - أيضاً - إلى اليهود المعاصرين للعهد النبوي، لأنهم من سلالات أولئك الذين حدث فيهم القتل، وكثيراً ما يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب للتنبيه على أن الخلف قد سار على طريقة السلف في الانحراف والضلال.
وقوله تعالى :﴿فادارأتم فِيهَا﴾ بيان لما حصل منهم بعد قتل النفس التي ذكرنا قصتها ومعنى ادارأتم فيها : اختلفتم وتخاصمتم في شأنها لأن المنخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفعه ويزحمه، أي تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فدفع المطروح عليه الطارح، ليدفع الجناية عن نفسه ويتهم غيره.
وقوله تعالى :﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ معناه : والله - تعالى - مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه من أمر القتيل الذي قتلتموه، ثم تنازعتم في شأن قاتله، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره.
وهذه الجملة الكريمة ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ معترضة بين قوله تعالى ﴿فادارأتم﴾ وبين قوله تعالى :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾. وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله، بأن القاتل الحقيقي سنكشف أمره لا محالة.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : " وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال من قتل هذا القتيل - مع أنه، ليس أول قتيل طل دمه في الأمم - إكراماً لموسى - عليه السلام - أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم، وبمرأى ومسمع منه، لا سيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا المكيدة في إظهار المطالبة بدمه، فلو لم يظهر الله - تعالى - هذا الدم ويبين سافكه - لضعف يقين القوم برسولهم موسى - عليه السلام - ولكان ذلك مما يزيد شكهم في صدقة فينقلبوا كافرين، فكان إظهار القاتل الحقيقي إكراماً من الله تعالى - لموسى، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا "
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :
اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك :
١ - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع مرشيدهم، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل، ومما طلة في الانصياع للتكاليف، وانحراف عن الطريق المستقيم.
٢ - دلالتها على أن التنطع في الدين، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
أخرج ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :" لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم.
لكنهم شددوا فشد الله عليهم ".
وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم.
وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ وفي الحديث الشريف :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم ".
قال صاحب المنار :" وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت ".
٤ - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها :
( أ ) - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قابلوا هذا الأمر بقولهم :﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، فلما قال لهم :﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون.
ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم :﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة.
قال الإِمام بن جرير :" وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم ".
( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.
( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات، زيادة في هداية المهتدى، وأعذارا وإنذارا للضال :
( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإِيمان فيها.
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله، أنكروا قتله، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق ".
( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصد ميراث المقتول، ودافع القاتل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى - وهتكه، وحرمه ميراث المقتول.
( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة.
ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل ؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل ".
٥ - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين، والتعنت في الأسئلة، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات. لقساوة قلوبهم، وسوء طباعهم، وانطماس بصيرتهم ﴿ومن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى