زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام : وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها، فسألتم موسى فقال :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ونظيرها قوله تعالى :﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً﴾ [الكهف: ١] أراد : أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، فأخر المقدم وقدم المؤخر، لأنه من عادة العرب. قال الفرزدق :
إن الفرزدق صخرة ملمومةطالت فليس تنالها الأوعالا
أراد : طالت الأوعال. وقال جرير :
طاف الخيال وأين منك لمامافارجع لزورك بالسلام سلاما.
أراد : طاف الخيال لماما، وأين هو منك ؟ وقال الآخر :
خير من القوم العصاة أميرهم-يا قوم فاستحيوا- النساء الجلّس
أراد : خير من القوم العصاة النساء، فاستحيوا من هذا.
ومعنى قوله :﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الزجاج : ادّارأتم، بمعنى : تدارأتم، أي : تدافعتم، وألقى بعضكم على بعض، تقول : درأت فلانا : إذا دفعته، وداريته : إذا لاينته، ودريته إذا ختلته، فأدغمت التاء في الدال، لأنهما من مخرج واحد، فأما الذي كتموه ؛ فهو أمر القتيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى