فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة، فيكون تقدير الكلام :﴿وَإِذَا قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ ما كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال موسى لقومه :﴿إِنَّ الله يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى آخر القصة، وبعدها :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ الآية. وقال الرازي في تفسيره : اعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن أنه لا بدّ أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة، فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى، خطأ ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر، فغير واجب ؛ لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة، فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفساً من قبل، ونسب القتل إليهم بكون القاتل منهم. وأصل ادّارأتم تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال، ولما كان الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ألف الوصل، ومعنى ادّارأتم : اختلفتم وتنازعتم ؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً، أي : يدفعه، ومعنى ﴿مُخْرِجٌ﴾ مظهر : أي : ما كتمتم بينكم من أمر القتل، فالله مظهره لعباده، ومبينه لهم، وهذه الجملة معترضة بين أجزاء الكلام، أي : فادّارأتم فيها فقلنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا﴾ قال : اختلفتم فيها ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال : ما تغيبون. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن المسيب بن رافع قال :«ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله :﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾» وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ :" لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة صماء لا باب لها، ولا كوّة خرج عمله إلى الناس كائناً ما كان " وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال : قال رسول الله ﷺ :" من كانت له سريرة صالحة، أو سيئة أظهر الله منها ردّاءً، يعرف به " ورواه البيهقي أيضاً بنحوه من قول عثمان قال : والموقوف أصح. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي عن أنس مرفوعاً، حديثاً طويلاً في هذا المعنى ومعناه : أن الله يلبس كل عامل عمله حتى يتحدّث به الناس، ويزيدون، ولو عمله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد، وفي إسناده ضعف. وأخرج ابن عديّ من حديث أنس أيضاً مرفوعاً :«إن الله مردّ كل امرئ رداء عمله». ولجماعة من الصحابة، والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ قال : ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أنهم ضربوه بفخذها. وأخرج مثله ابن جرير، عن عكرمة. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن السدي قال : ضرب بالبضعة التي بين الكتفين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة، وصاحبها لا حاجة إلى التطويل بذكرها، وقد استوفاها في الدرّ المنثور.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ من بَعْدِ ذلك﴾ قال : من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل :﴿فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ثم عذر الله الحجارة، ولم يعذر شقيّ بني آدم فقال :﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار﴾ إلى آخر الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ؛ قال : أي : من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ؛ قال :«إن الحجر ليقع على الأرض ولو اجتمع عليه فئام من الناس ما استطاعوه، وأنه ليهبط من خشية الله».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى