تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي : ينقاد(١) لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم(٢) من الآيات البينات ما شاهدوه(٣) ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي : يتأولونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي : فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله ؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣](٤).
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال : ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ، ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم :﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وليس قوله :﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها. ولكن الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق : فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى فقال : نعم، مُرْهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجودًا، وكلمه ربه تعالى، فسمعوا(٥) كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا عنه ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حَرَّف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا. قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله : إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله عز وجل لهم، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.
وقال السدي :﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال : هي التوراة، حرفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه(٦) كما سمعه الكليم موسى بن
عمران، عليه الصلاة والسلام(٧)، وقد قال الله تعالى :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، أي : مبلَّغًا إليه ؛ ولهذا قال قتادة في قوله :﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال : هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد : الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية : عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم، من نعت (٨) محمد ﷺ، فحرفوه عن مواضعه.
وقال السدي :﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب : قال ابن زيد في قوله :﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال : التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقًا ؛ إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل(٩) برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم :﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
١ في جـ، ط: "ينقادوا"..
٢ في جـ: "ما آتاهم"..
٣ في ط: "مما شاهدوه"..
٤ في أ: "من بعد" وهو خطأ..
٥ في جـ، ط، ب: "فلما سمعوا"..
٦ في جـ: "لمن يكون منه"، وفي ط: "لمن تكون منه"..
٧ في جـ: "كما سمعه الكليم عليه السلام"، وفي ط: "كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام"..
٨ في جـ، ط: "من نص".
٩ في جـ: "الباطل"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى