كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ ؛ اختلَفُوا في هذه الأيَّام ما هِيَ ؟ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ :(قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِيْنَةَ وَالْيَهُودُ تَقُولُ : مُدَّةُ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلاَفِ سَنَةٍ ؛ وَإنَّمَا نُعَذَّبُ بكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْماً وَاحِداً، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ عَنَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أيَّامٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقال قتادةُ وعطاءُ :(يَعْنُونَ الأَرْبَعِينَ يَوْماً الَّتِي عَبَدَ آبَاؤُهُمْ فِيْهَا الْعِجْلَ ؛ وَهِيَ مُدَّةُ غَيْبَةِ مُوسَى عليه السلام).
وفي بعضِ التَّفاسيرِ : اختَُلِفَ في مقدار عبادتِهم العجلَ ؛ فقيل : عشرةُ أيام. وَقِيْلَ : سبعةُ أيَّام. وَقِيْلَ : أربعون يوماً. فقَالَ اللهُ تَعَالَى تكذيباً لَهم :﴿قُلْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ :﴿أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً﴾ ؛ أي مَوْثِقاً أنَّ لا يعذِّبُكم إلاَّ هذه المدَّةَ، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
وروي أنه يقالُ لَهم عند مُضِيِّ الأجلِ : يَا أعْدَاءَ اللهِ قَدْ مَضَى الأَجَلُ وَبَقِيَ الأبَدُ.
ولفظُ الـ ﴿مَّعْدُودَةً﴾ للقلَّة كقوله :﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾[يوسف: ٢٠]، وفي الصَّومِ :﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾[البقرة: ١٨٤]. واحتجَّ أصحابُنا بقولهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ :" الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا " وقوله ﷺ :" دَعِي الصَّلاَةَ أيَّامَ أقْرَائِكِ " أن أقلَّ الأيامِ ثلاثةٌ وأكثرها عشرةٌ ؛ لأنه يقالُ لِما دونِ الثلاثة : يومٌ ويومَان، وفيما زادَ على العشرةِ أحدَ عشر ؛ وليس لأحدٍ أن يعترضَ على هذا بقولهِ في ليلة الصِّيام :﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾[البقرة: ١٨٤] أرادَ بها الشهرَ كلَّه ؛ لأنه ظاهرُ لفظ الأيَّامِ من الثلاثة إلى العشرةِ. إلاَّ أنه قد يذكرُ ويراد به الزيادةَ وقد فسَّر الله تعالى أيامَ الصومِ بالشَّهر، فانعقدَ بذلك التفسيرِ. وأما أيامُ الحيضِ فمبهمةٌ ؛ فلا بدَّ أن تكون محصورةً ؛ لأن الأحكامَ تختلفُ بحالِ الحيض والطُّهرِ، فكان حملُ اللفظِ على ظاهرهِ وحقيقته أولَى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى