البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
المسّ : الإصابة، والمسّ : الجمع بين الشيئين على نهاية القرب، واللمس : مثله لكن مع الإحساس، وقد يجيء المسّ مع الإحساس.
وحقيقة المس واللمس باليد.
ونقل من الإحساس إلى المعاني مثل :﴿أني مسني الشيطان﴾ ﴿يتخبطه الشيطان من المسّ﴾ ومنه سمي الجنون مساً، وقيل : المسّ واللمس والجسّ متقارب، إلا أن الجسّ عام في المحسوسات، والمسّ فيما يخفى ويدق، كنبض العروق، والمسّ واللمس بظاهر البشرة، والمسّ كناية عن النكاح وعن الجنون.
المعدود : اسم مفعول من عدّ، بمعنى حسب، والعدد هو الحساب.
الإخلاف : عدم الإيفاء بالشيء الموعود.
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ سبب نزول هذه الآية : أنهم زعموا أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، قالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك.
" روي ذلك عن ابن عباس.
وقيل : إن النبي ﷺ قال :«اليهود من أهل النار » قالوا : نحن ثم تخلفوننا أنتم، فقال :«كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم » " فنزلت هذه الآية.
وروي عنهم أنهم يعذبون سبعة أيام، عدد أيام الدنيا، سبعة آلاف لكل ألف يوم، ثم ينقطع العذاب.
وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوماً، عدد عبادتهم العجل، وقيل : أربعين يوماً تحلة القسم.
وقيل : أربعين ليلة، ثم ينادي : اخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، فنزلت هذه الآية، والضمير في : وقالوا، عائد على الذين يكتبون الكتاب.
جمعوا، إلى تبديل كتاب الله وتحريفه، وأخذهم به المال الحرام، وكذبهم على أنه من عند الله، الإخبار بالكذب البحت عن مدة إقامتهم في النار.
وقد تقدم أن المس هو الإصابة، أي لن تصيبنا النار إلا أياماً، استثناء مفرّغ، أي لن تمسنا النار أبداً إلا أياماً معدودة، وقد تقدم ذكر العدد في الأيام بأنها سبعة أو أربعون.
وقيل : أراد بقوله : معدودة، أي قلائل يحصرها العدّ، لا أنها معينة العد في نفسه.
ثم أخذ في رد هذه الدعوى والأخبار الكاذبة فقال :﴿قل أتخذتم عند الله عهداً﴾ أي مثل هذا الإخبار الجزم لا يكون إلا ممن اتخذ عند الله عهداً بذلك، وأنتم لم تتخذوا به عهداً، فهو كذب وافتراء.
وأمر نبيه ﷺ بأن يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي بدل على إنكار ما قالوه.
وهمزة الوصل من اتخذ، انحذفت لأجل همزة الاستفهام، ومن سهل بنقل حركتها على اللام وحذفها قال : قل اتخذتم، بفتح اللام، لأن الهمزة كانت مفتوحة.
وعند الله : ظرف منصوب باتخذتم، وهي هنا تتعدى لواحد، ويحتمل أن تتعدى إلى اثنين، فيكون الثاني الظرف، فيتعلق بمحذوف، والعهد هنا : بالميثاق والموعد، وقال ابن عباس معناه : هل قلتم لا إله إلا الله، وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار ؟ فعلى التأويل الأول المعنى : هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون ؟ وعلى الثاني : هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون ؟.
﴿فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ : هذه الجملة جواب الاستفهام الذي ضمن معنى الشرط، كقولك : أيقصدنا زيد ؟ فلن نجيب من برنا.
وقد تقدم الخلاف في جواب هذه الأشياء، هل ذلك بطريق التضمين أي يضمن الاستفهام والتمني والأمر والنهي إلى سائر باقيها معنى الشرط ؟ أم يكون الشرط محذوفاً بعدها ؟ ولذلك قال الزمخشري : فلن يخلف متعلق بمحذوف تقديره : إن اتخذتم عنده عهداً فلن يخلف الله عهده، كأنه اختار القول الثاني من أن الشرط مقدر بعد هذه الأشياء.
وقال ابن عطية :﴿فلن يخلف الله عهده﴾، اعتراض في أثناء الكلام، كأنه يريد أن قوله :﴿أم تقولون﴾ معادل لقوله :﴿قل أتخذتم عند الله عهداً﴾، فصارت هذه الجملة، بين هاتين اللتين وقع بينهما التعادل، جملة اعتراضية، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وكأنه يقول : أي هذين واقع ؟ أإتخاذكم العهد عند الله ؟ أم قولكم على الله ما لا تعلمون ؟ وأخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير، وإن كان قد علم وقوع أحدهما، وهو قولهم :﴿على الله ما لا يعلمون﴾، ونظيره :﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ وقد علم أيهما على هدى وأيهما هو في ضلال.
وقيل : أم هنا منقطعة فيتقدر ببل والهمزة، كأنه قال : بل أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ وهو استفهام إنكار، لأنه قد وقع منهم قولهم : على الله ما لا يعلمون، فأنكروا عليهم صدور هذا منهم.
وفي قوله :﴿فلن يخلف الله عهده﴾ دليل على أن الله لا يخلف وعده.
واختلف في الوعيد، فذهب الجمهور إلى أنه لا يخلفه، كما لا يخلف وعده.
وذهب قوم إلى جواز إخلاف إيعاده، وقالوا : خلاف الوعد قبيح، وإخلاف الوعيد حسن، وهي مسألة يبحث فيها في أصول الدين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة استبعاد طمع المؤمنين في إيمان من سبق من آبائه التشريف بسماع كلام الله، ثم مقابلة ذلك بعظيم التحريف، هذا على علم منهم بقبيح ما ارتكبوه.
وهؤلاء المطموع في إيمانهم هم أبناء أولئك المحرفين، فهم على طريقة آبائهم في الكفر، ثم قد انطووا من حيث السريرة على مداجاة المؤمنين، بحيث إذا لقوهم أفهموهم أنهم مؤمنون، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، أنكروا عليهم ما يتكلمون به مع المؤمنين من إخبار بشيء مما في كتبهم، وذلك مخافة أن يحتج المؤمنون عليهم بما في كتابهم، ثم أنكر تعالى عليهم ذلك بأنهم قد علموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم، فلا يناسب ذلك إلا الانقياد إلى كتاب الله، والإخبار بما فيه، واتباع ما تضمنه من الأمر، باتباع رسول الله ﷺ، والإيمان بما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا عناداً وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
ثم لما ذكر حال هؤلاء الذين هم من أهل العلم، ولم ينتفعوا بعلمهم، ذكر أيضاً مقلدتهم وعوامّهم، وأنهم لا يعلمون من الكتاب إلا ألفاظاً مسموعة، وأن طريقهم في أصول دياناتهم إنما هو حسن ظنهم بعلمائهم المحرّفين المبدّلين.
ثم توعد الله تعالى بالهلاك والحسرة، من حرّف كلام الله وادّعى أنه من عند الله، لتحصيل غرض من الدنيا تافه نزر لا يبقي، فباع باقياً بفان.
ثم كرّر الوعيد على ما فعلوه، ثم أخبر عنهم بما صدر عنهم من الكذب البحت، بأن لبثهم في النار أياماً معدودة، وأن ذلك إخبار ليس صادراً عن عهد اتخذوه عند الله، بل قول على الله بما لا علم لهم به، ثم ردّ عليهم دعواهم تلك بقوله :﴿بلى﴾، ثم قسم الناس إلى قسمين كافر، وهو صاحب النار، ومؤمن وهو صاحب الجنة، وأنهم اندرجوا تحت قسم الكافر، لأنهم كسبوا السيئات، وأحاطت بهم الخطيئات، وناهيك ما اقتص الله فيهم من أول السورة إلى هنا، وما يقص بعد ذلك مما ارتكبوه من الكفر والمخالفات.
وحقيقة المس واللمس باليد.
ونقل من الإحساس إلى المعاني مثل :﴿أني مسني الشيطان﴾ ﴿يتخبطه الشيطان من المسّ﴾ ومنه سمي الجنون مساً، وقيل : المسّ واللمس والجسّ متقارب، إلا أن الجسّ عام في المحسوسات، والمسّ فيما يخفى ويدق، كنبض العروق، والمسّ واللمس بظاهر البشرة، والمسّ كناية عن النكاح وعن الجنون.
المعدود : اسم مفعول من عدّ، بمعنى حسب، والعدد هو الحساب.
الإخلاف : عدم الإيفاء بالشيء الموعود.
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ سبب نزول هذه الآية : أنهم زعموا أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، قالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك.
" روي ذلك عن ابن عباس.
وقيل : إن النبي ﷺ قال :«اليهود من أهل النار » قالوا : نحن ثم تخلفوننا أنتم، فقال :«كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم » " فنزلت هذه الآية.
وروي عنهم أنهم يعذبون سبعة أيام، عدد أيام الدنيا، سبعة آلاف لكل ألف يوم، ثم ينقطع العذاب.
وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوماً، عدد عبادتهم العجل، وقيل : أربعين يوماً تحلة القسم.
وقيل : أربعين ليلة، ثم ينادي : اخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، فنزلت هذه الآية، والضمير في : وقالوا، عائد على الذين يكتبون الكتاب.
جمعوا، إلى تبديل كتاب الله وتحريفه، وأخذهم به المال الحرام، وكذبهم على أنه من عند الله، الإخبار بالكذب البحت عن مدة إقامتهم في النار.
وقد تقدم أن المس هو الإصابة، أي لن تصيبنا النار إلا أياماً، استثناء مفرّغ، أي لن تمسنا النار أبداً إلا أياماً معدودة، وقد تقدم ذكر العدد في الأيام بأنها سبعة أو أربعون.
وقيل : أراد بقوله : معدودة، أي قلائل يحصرها العدّ، لا أنها معينة العد في نفسه.
ثم أخذ في رد هذه الدعوى والأخبار الكاذبة فقال :﴿قل أتخذتم عند الله عهداً﴾ أي مثل هذا الإخبار الجزم لا يكون إلا ممن اتخذ عند الله عهداً بذلك، وأنتم لم تتخذوا به عهداً، فهو كذب وافتراء.
وأمر نبيه ﷺ بأن يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي بدل على إنكار ما قالوه.
وهمزة الوصل من اتخذ، انحذفت لأجل همزة الاستفهام، ومن سهل بنقل حركتها على اللام وحذفها قال : قل اتخذتم، بفتح اللام، لأن الهمزة كانت مفتوحة.
وعند الله : ظرف منصوب باتخذتم، وهي هنا تتعدى لواحد، ويحتمل أن تتعدى إلى اثنين، فيكون الثاني الظرف، فيتعلق بمحذوف، والعهد هنا : بالميثاق والموعد، وقال ابن عباس معناه : هل قلتم لا إله إلا الله، وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار ؟ فعلى التأويل الأول المعنى : هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون ؟ وعلى الثاني : هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون ؟.
﴿فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ : هذه الجملة جواب الاستفهام الذي ضمن معنى الشرط، كقولك : أيقصدنا زيد ؟ فلن نجيب من برنا.
وقد تقدم الخلاف في جواب هذه الأشياء، هل ذلك بطريق التضمين أي يضمن الاستفهام والتمني والأمر والنهي إلى سائر باقيها معنى الشرط ؟ أم يكون الشرط محذوفاً بعدها ؟ ولذلك قال الزمخشري : فلن يخلف متعلق بمحذوف تقديره : إن اتخذتم عنده عهداً فلن يخلف الله عهده، كأنه اختار القول الثاني من أن الشرط مقدر بعد هذه الأشياء.
وقال ابن عطية :﴿فلن يخلف الله عهده﴾، اعتراض في أثناء الكلام، كأنه يريد أن قوله :﴿أم تقولون﴾ معادل لقوله :﴿قل أتخذتم عند الله عهداً﴾، فصارت هذه الجملة، بين هاتين اللتين وقع بينهما التعادل، جملة اعتراضية، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وكأنه يقول : أي هذين واقع ؟ أإتخاذكم العهد عند الله ؟ أم قولكم على الله ما لا تعلمون ؟ وأخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير، وإن كان قد علم وقوع أحدهما، وهو قولهم :﴿على الله ما لا يعلمون﴾، ونظيره :﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ وقد علم أيهما على هدى وأيهما هو في ضلال.
وقيل : أم هنا منقطعة فيتقدر ببل والهمزة، كأنه قال : بل أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ وهو استفهام إنكار، لأنه قد وقع منهم قولهم : على الله ما لا يعلمون، فأنكروا عليهم صدور هذا منهم.
وفي قوله :﴿فلن يخلف الله عهده﴾ دليل على أن الله لا يخلف وعده.
واختلف في الوعيد، فذهب الجمهور إلى أنه لا يخلفه، كما لا يخلف وعده.
وذهب قوم إلى جواز إخلاف إيعاده، وقالوا : خلاف الوعد قبيح، وإخلاف الوعيد حسن، وهي مسألة يبحث فيها في أصول الدين.
وهؤلاء المطموع في إيمانهم هم أبناء أولئك المحرفين، فهم على طريقة آبائهم في الكفر، ثم قد انطووا من حيث السريرة على مداجاة المؤمنين، بحيث إذا لقوهم أفهموهم أنهم مؤمنون، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، أنكروا عليهم ما يتكلمون به مع المؤمنين من إخبار بشيء مما في كتبهم، وذلك مخافة أن يحتج المؤمنون عليهم بما في كتابهم، ثم أنكر تعالى عليهم ذلك بأنهم قد علموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم، فلا يناسب ذلك إلا الانقياد إلى كتاب الله، والإخبار بما فيه، واتباع ما تضمنه من الأمر، باتباع رسول الله ﷺ، والإيمان بما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا عناداً وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
ثم لما ذكر حال هؤلاء الذين هم من أهل العلم، ولم ينتفعوا بعلمهم، ذكر أيضاً مقلدتهم وعوامّهم، وأنهم لا يعلمون من الكتاب إلا ألفاظاً مسموعة، وأن طريقهم في أصول دياناتهم إنما هو حسن ظنهم بعلمائهم المحرّفين المبدّلين.
ثم توعد الله تعالى بالهلاك والحسرة، من حرّف كلام الله وادّعى أنه من عند الله، لتحصيل غرض من الدنيا تافه نزر لا يبقي، فباع باقياً بفان.
ثم كرّر الوعيد على ما فعلوه، ثم أخبر عنهم بما صدر عنهم من الكذب البحت، بأن لبثهم في النار أياماً معدودة، وأن ذلك إخبار ليس صادراً عن عهد اتخذوه عند الله، بل قول على الله بما لا علم لهم به، ثم ردّ عليهم دعواهم تلك بقوله :﴿بلى﴾، ثم قسم الناس إلى قسمين كافر، وهو صاحب النار، ومؤمن وهو صاحب الجنة، وأنهم اندرجوا تحت قسم الكافر، لأنهم كسبوا السيئات، وأحاطت بهم الخطيئات، وناهيك ما اقتص الله فيهم من أول السورة إلى هنا، وما يقص بعد ذلك مما ارتكبوه من الكفر والمخالفات.