اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
﴿بلى﴾حرف جواب ك " نعم وجير وأَجَل وإي "، إلا أن " بلى " جواب لنفي متقدم، سواءً دخله استفهام أم لا فيكون إيجاباً له نحو قول القائل ما قام زيد، فتقول : بلى، أي : قد قام، وتقول : أليس زيد قائماً فتقول : بلى أي هو قائم قال تعالى :﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويروى عن ابن عَبّاس أنهم لو قالوا نعم لكفروا.
وقال بعضهم : إن " بلى " قد تقع جواباً لنفي متقدّم وقد تقع جواباً لاستفهام إثبات كما قال عليه الصّلاة والسلام للذي سأله عن عطية أولاده : أَتُحِبُّ أَنْ تُسَاوِيَ بَيْنَ أَوْلاَدِكَ في البِرِّ ؟ قال :" بَلَى ".
وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل : أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتُهُ ب " مكة " ؟ قال :" بلى " فأما قوله :[ الوافر ]
فقيل : ضرورة.
وقيل : نظر إلى المعنى ؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي قرره وبهذا يقال : فيكف نقل عن ابن عباس أنهم لو قالوا نعم لكفروا مع أنّ النفي صار إيجاباً. وقيل : قوله :" نعم " ليس جواباً ل " أليس " إنما هو جواب لقوله :" فَذَاكَ بِنَا تَدانِي " فقوله تعالى :" بَلَى " رد لقولهم :﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي : بلى تمسّكم أبداً، في مقابلة قولهم :﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهو تقدير حسن.
والبصريون يقولون : إن " بلى " حرف بَسِيْط، وزعم الكوفيون أن أصلها " بل " التي للإضراب زيدت عليها " الباء " ليحسن الوَقْف عليها، وضمنت الياء معنى الإيجاب قيل : تدّل على رد النفي، والياء تدلّ على الإيجاب يعنون بالياء الألف. وإنما سموها ياء ؛ لأنها حرف عال وتكتب بالياء.
و " مَنْ " يجوز فيها وَجْهَان.
أحدهما : أن تكون موصولة بمعنى " الذي " والخبر قوله :" فأولئك "، وجاز دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط، ويؤيد كونها موصولة، وذكر قسيمها موصولاً وهو قوله :" وَالَّذِينَ كَفَرُوا "، ويجوز أن تكون شرطية، والجواب قوله :" فَأُوْلَئِكَ "، وعلى كلا القولين فحملّها الرفع بالابتداء، ولكن إذا قلنا : إنها موصولة كان الخبر :" فأولئك " وما بعده بلا خلاف، ولا يكون لقوله :" كَسَبَ سَيِّئَةً " وما عطف عليه محلّ من الإعراب ؛ لوقوعه صلة.
وإذا قلنا : إنها شرطية جاء في خبرها الخلاف المشهور، إما الشرط أو الجزاء، أو هما حسب ما تقدم، ويكون قوله :" كَسَبَ " وما عطف عليه في محلّ جزم بالشرط.
" سَيّئة " مفعول به، وأصلها :" سَيْوِئَة " ؛ لأنها من ساء يسوءُ فوزنها " فَيْعِلَة " فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت إعلال " سَيِّد ومَيِّت " كما تقدم.
وراعى لفظ " مَن " فأفرد في قوله :﴿كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ والمعنى مرة أخرى مجمع في قوله :﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقرأ نافع وأهل " المدينة " " خَطِيئَاتِه " بجمع السلامة والجمهور :" خَطِيْئة " بالإفراد، ووجه القراءتين ينبني على معرفة السّيئة والخطيئة.
وفيهما أقوال :
أحدها : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين.
الثاني : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين.
الثالث :[ عكس الثاني ].
فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أن المراد بالخطيئة الكفر، وهو مفرد، وعلى الوجه الثَّاني أن المراد به جنس الكبيرة، ووجه قراءة نافع على الوَجْه الأول والثالث أن المراد بالخَطِيئات أنواع الكُفْر المتجددة في كلّ وقت، وعلى الوجه الثاني أن المراد به الكبائر وهي جماعة.
وقيل : المراد بالخطيئة نفس السّيئة المتقدمة، فسماها بهذين الاسمين تقبيحاً لها كأنه قال : وأحاطت به خطيئتهُ تلك أي السيئة، ويكون المراد بالسّيئة الكُفْر، أو يراد بهم العُصَاة، ويكون أراد بالخلود المُكث الطويل، ثم بعد ذلك يخرجون.
وقوله :﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ إلى آخره تقدم نظيره.
وقرئ " خطاياه " تكسيراً، وهذه مخالفة لسواد المصحف ؛ فإنه رسم " خطيئتهُ " بلفظ التوحيد، وتقدم القول في تعريف خَطَايا.
قال صاحب " الكشاف(١) " : بلى إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله :﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي : بلى تمسكم أبداً بدليل قوله :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى :﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] " مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " ولما كان من الجائز أن يظن أن كلّ سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أنّ فاعلها يخلد في النَّار لا جرم بَيَّنَ تعالى أن الذي يستحقّ به الخلود أن يكون سيئة مُحِيْطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السُّور بالبلد والكُوز بالماء، وذلك هاهنا ممتنع، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين :
أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالسَّاترة لتلك الطاعات، فكانت المُشَابهة حاصلةً من هذه الجهة.
والثاني : أن الكبيرة إذا أَحْبَطَتْ ثواب الطَّاعات، فكأنها استولت على تلك الطاعات، وأحاطت بها كما يحيط العَسْكر بالإنسان بحيث لا يتمكن من التخلص منه، فكأنه تعالى قال : بلى من كَسَبَ كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ؟
[ فالجواب ] : العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، هذا وجه استدلال المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر.
وقد اختلف أهل القبلة [ فيه ] فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان ؛ منهم من أثبت الوعيد المؤبّد، وهم جمهور المعتزلة والخوارج.
ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً، وهو قول بشر المريسي.
ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذّ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
والقول الثالث : أنّا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العُصَاة ولكنا نتوقف في حقّ كل أحد على التعيين، ونقطع بأنه إذا عَذَّبَ أحداً منهم، فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الأَصْحَاب والتابعين، وأهل السنة والجماعة، وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين.
إحداهما : القطع بالوعيد.
والأخرى : إذا ثبت الوعيد، فهل يكون ذلك على صفة الدوام أم لا ؟ أما المعتزلة فإنهم استدلوا بالعمومات الواردة وهي على قسمين :
أحدهما : صيغة " من " في معرض الشرط.
والثاني : صيغة الجمع. فأما صيغة " من " في الشرط فإنها تفيد العُمُوم على ما ثبت في أصول الفقه، فكلّ آية وردت في القرآن بصيغة " من " في الوعيد، فقد استدلّت المعتزلة بها.
قالوا : لأنها تفيد العموم من وجوه :
أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص، أو مشتركة بينهما، والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم.
أما بطلان كونها موضوعة للخُصُوص، فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلّم أن يعطي الجزاء لكلّ من أتى بالشرط ؛ لأنّ على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشّرط لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كلّ من دخل داره، فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص.
وأما بطلان كونها موضوعة للاشتراك فلأمرين :
الأول : أنَّ الاشتراك خلاف الأصل.
والثاني : أنه لو كان ذلك لما عرف كيفية ترتّب الجزاء على الشرط إلاَّ بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : مَنْ دخل داري أكرمته، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ؟ فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم ؟ فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر ؟ وهلم جرّاً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات المُمْكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قُبْحَ ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل.
الوجه الثاني : صحة الاستثناء منهما، فإن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل.
الوجه الثالث : أنه لما نزل قوله تعالى :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال ابن الزبعرى : لأخصمن محمداً ﷺ ثم قال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة ؟ أليس قد عبد عيسى ابن مريم، فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة لم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على أن هذه الصيغة تفيد العموم.
النوع الثاني من دلائل المعتزلة : التمسّك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام، قال تعالى :﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] فإنها تفيد العموم، ويدل عليه وجوه :
أحدها : قول أبي بكر رضي الله عنه :" الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ(٢) " والأنصار سلموا له صحة تلك الحجة. ولما هَمّ بقتال مانعي الزكاة قال له عمر رضي الله عنه : أليس قال النبي ﷺ " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ(٣) " فاحتج عليه بهذا اللفظ بعمومه، ولم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده، بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال :" إِلاَّ بحَقِّهَا ".
الثاني : أن هذا الجمع يؤكّد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق لقوله تعالى :﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وما كان كذلك فوجب أن يؤكد المؤكد في أصله الاستغراق ؛ لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل.
الثالث : صحّة الاستثناء منه.
الرابع : أن المعرف يقتضي الكثرة فوق المنكر ؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس، ومعلوم أن المنتزع [ منه أكثر من المنتزع ].
النوع الثاني : صيغ الجموع المقرونة بحرف " الذي " كقوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾
[النحل: ٢٨] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس: ٢٧] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾
[النساء: ١٨] فلو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد لم يكن له في التوبة حاجة.
النوع الثالث : لفظة " ما " كقوله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
النوع الرابع : لفظة " كل " كقوله :﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ [يونس: ٥٤].
النوع الخامس : ما يدلّ على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله :﴿لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩] صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دلّ اللفظ عليه، وكذا الكلام في الصّيغ الواردة في الحديث.
والجواب من وجوه :
أحدها : لا نسلم أن صيغة " من " في [ معرض ] الشرط للعموم، ولا نسلّم أن صيغة
وقال بعضهم : إن " بلى " قد تقع جواباً لنفي متقدّم وقد تقع جواباً لاستفهام إثبات كما قال عليه الصّلاة والسلام للذي سأله عن عطية أولاده : أَتُحِبُّ أَنْ تُسَاوِيَ بَيْنَ أَوْلاَدِكَ في البِرِّ ؟ قال :" بَلَى ".
وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل : أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتُهُ ب " مكة " ؟ قال :" بلى " فأما قوله :[ الوافر ]
| ٦١٢- أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو | وَإِيَّانَا، فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي |
| نَعَمْ، وَتَرى الْهِلاَلَ كَمَا أَرَاهُ | وَيعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلاَنِي |
وقيل : نظر إلى المعنى ؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي قرره وبهذا يقال : فيكف نقل عن ابن عباس أنهم لو قالوا نعم لكفروا مع أنّ النفي صار إيجاباً. وقيل : قوله :" نعم " ليس جواباً ل " أليس " إنما هو جواب لقوله :" فَذَاكَ بِنَا تَدانِي " فقوله تعالى :" بَلَى " رد لقولهم :﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي : بلى تمسّكم أبداً، في مقابلة قولهم :﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهو تقدير حسن.
والبصريون يقولون : إن " بلى " حرف بَسِيْط، وزعم الكوفيون أن أصلها " بل " التي للإضراب زيدت عليها " الباء " ليحسن الوَقْف عليها، وضمنت الياء معنى الإيجاب قيل : تدّل على رد النفي، والياء تدلّ على الإيجاب يعنون بالياء الألف. وإنما سموها ياء ؛ لأنها حرف عال وتكتب بالياء.
و " مَنْ " يجوز فيها وَجْهَان.
أحدهما : أن تكون موصولة بمعنى " الذي " والخبر قوله :" فأولئك "، وجاز دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط، ويؤيد كونها موصولة، وذكر قسيمها موصولاً وهو قوله :" وَالَّذِينَ كَفَرُوا "، ويجوز أن تكون شرطية، والجواب قوله :" فَأُوْلَئِكَ "، وعلى كلا القولين فحملّها الرفع بالابتداء، ولكن إذا قلنا : إنها موصولة كان الخبر :" فأولئك " وما بعده بلا خلاف، ولا يكون لقوله :" كَسَبَ سَيِّئَةً " وما عطف عليه محلّ من الإعراب ؛ لوقوعه صلة.
وإذا قلنا : إنها شرطية جاء في خبرها الخلاف المشهور، إما الشرط أو الجزاء، أو هما حسب ما تقدم، ويكون قوله :" كَسَبَ " وما عطف عليه في محلّ جزم بالشرط.
" سَيّئة " مفعول به، وأصلها :" سَيْوِئَة " ؛ لأنها من ساء يسوءُ فوزنها " فَيْعِلَة " فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت إعلال " سَيِّد ومَيِّت " كما تقدم.
وراعى لفظ " مَن " فأفرد في قوله :﴿كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ والمعنى مرة أخرى مجمع في قوله :﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقرأ نافع وأهل " المدينة " " خَطِيئَاتِه " بجمع السلامة والجمهور :" خَطِيْئة " بالإفراد، ووجه القراءتين ينبني على معرفة السّيئة والخطيئة.
وفيهما أقوال :
أحدها : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين.
الثاني : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين.
الثالث :[ عكس الثاني ].
فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أن المراد بالخطيئة الكفر، وهو مفرد، وعلى الوجه الثَّاني أن المراد به جنس الكبيرة، ووجه قراءة نافع على الوَجْه الأول والثالث أن المراد بالخَطِيئات أنواع الكُفْر المتجددة في كلّ وقت، وعلى الوجه الثاني أن المراد به الكبائر وهي جماعة.
وقيل : المراد بالخطيئة نفس السّيئة المتقدمة، فسماها بهذين الاسمين تقبيحاً لها كأنه قال : وأحاطت به خطيئتهُ تلك أي السيئة، ويكون المراد بالسّيئة الكُفْر، أو يراد بهم العُصَاة، ويكون أراد بالخلود المُكث الطويل، ثم بعد ذلك يخرجون.
وقوله :﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ إلى آخره تقدم نظيره.
وقرئ " خطاياه " تكسيراً، وهذه مخالفة لسواد المصحف ؛ فإنه رسم " خطيئتهُ " بلفظ التوحيد، وتقدم القول في تعريف خَطَايا.
فصل في لفظة " بلى "
قال صاحب " الكشاف(١) " : بلى إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله :﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي : بلى تمسكم أبداً بدليل قوله :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى :﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] " مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " ولما كان من الجائز أن يظن أن كلّ سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أنّ فاعلها يخلد في النَّار لا جرم بَيَّنَ تعالى أن الذي يستحقّ به الخلود أن يكون سيئة مُحِيْطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السُّور بالبلد والكُوز بالماء، وذلك هاهنا ممتنع، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين :
أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالسَّاترة لتلك الطاعات، فكانت المُشَابهة حاصلةً من هذه الجهة.
والثاني : أن الكبيرة إذا أَحْبَطَتْ ثواب الطَّاعات، فكأنها استولت على تلك الطاعات، وأحاطت بها كما يحيط العَسْكر بالإنسان بحيث لا يتمكن من التخلص منه، فكأنه تعالى قال : بلى من كَسَبَ كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ؟
[ فالجواب ] : العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، هذا وجه استدلال المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر.
وقد اختلف أهل القبلة [ فيه ] فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان ؛ منهم من أثبت الوعيد المؤبّد، وهم جمهور المعتزلة والخوارج.
ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً، وهو قول بشر المريسي.
ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذّ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
والقول الثالث : أنّا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العُصَاة ولكنا نتوقف في حقّ كل أحد على التعيين، ونقطع بأنه إذا عَذَّبَ أحداً منهم، فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الأَصْحَاب والتابعين، وأهل السنة والجماعة، وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين.
إحداهما : القطع بالوعيد.
والأخرى : إذا ثبت الوعيد، فهل يكون ذلك على صفة الدوام أم لا ؟ أما المعتزلة فإنهم استدلوا بالعمومات الواردة وهي على قسمين :
أحدهما : صيغة " من " في معرض الشرط.
والثاني : صيغة الجمع. فأما صيغة " من " في الشرط فإنها تفيد العُمُوم على ما ثبت في أصول الفقه، فكلّ آية وردت في القرآن بصيغة " من " في الوعيد، فقد استدلّت المعتزلة بها.
قالوا : لأنها تفيد العموم من وجوه :
أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص، أو مشتركة بينهما، والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم.
أما بطلان كونها موضوعة للخُصُوص، فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلّم أن يعطي الجزاء لكلّ من أتى بالشرط ؛ لأنّ على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشّرط لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كلّ من دخل داره، فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص.
وأما بطلان كونها موضوعة للاشتراك فلأمرين :
الأول : أنَّ الاشتراك خلاف الأصل.
والثاني : أنه لو كان ذلك لما عرف كيفية ترتّب الجزاء على الشرط إلاَّ بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : مَنْ دخل داري أكرمته، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ؟ فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم ؟ فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر ؟ وهلم جرّاً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات المُمْكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قُبْحَ ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل.
الوجه الثاني : صحة الاستثناء منهما، فإن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل.
الوجه الثالث : أنه لما نزل قوله تعالى :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال ابن الزبعرى : لأخصمن محمداً ﷺ ثم قال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة ؟ أليس قد عبد عيسى ابن مريم، فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة لم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على أن هذه الصيغة تفيد العموم.
النوع الثاني من دلائل المعتزلة : التمسّك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام، قال تعالى :﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] فإنها تفيد العموم، ويدل عليه وجوه :
أحدها : قول أبي بكر رضي الله عنه :" الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ(٢) " والأنصار سلموا له صحة تلك الحجة. ولما هَمّ بقتال مانعي الزكاة قال له عمر رضي الله عنه : أليس قال النبي ﷺ " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ(٣) " فاحتج عليه بهذا اللفظ بعمومه، ولم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده، بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال :" إِلاَّ بحَقِّهَا ".
الثاني : أن هذا الجمع يؤكّد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق لقوله تعالى :﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وما كان كذلك فوجب أن يؤكد المؤكد في أصله الاستغراق ؛ لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل.
الثالث : صحّة الاستثناء منه.
الرابع : أن المعرف يقتضي الكثرة فوق المنكر ؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس، ومعلوم أن المنتزع [ منه أكثر من المنتزع ].
النوع الثاني : صيغ الجموع المقرونة بحرف " الذي " كقوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾
[النحل: ٢٨] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس: ٢٧] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾
[النساء: ١٨] فلو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد لم يكن له في التوبة حاجة.
النوع الثالث : لفظة " ما " كقوله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
النوع الرابع : لفظة " كل " كقوله :﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ [يونس: ٥٤].
النوع الخامس : ما يدلّ على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله :﴿لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩] صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دلّ اللفظ عليه، وكذا الكلام في الصّيغ الواردة في الحديث.
والجواب من وجوه :
أحدها : لا نسلم أن صيغة " من " في [ معرض ] الشرط للعموم، ولا نسلّم أن صيغة
١ - ينظر الكشاف: ١/١٥٨..
٢ - جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبو برزة الأسلمي.
حديث أنس:
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢١٣٣) وأبو نعيم (٣/١٧١) والبزار (١٥٧٨) وأبو يعلى (٧/٣٢١) رقم (٣٦٤٤) والبيهقي (٨/١٤٤) والطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" (٥/١٩٢) وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وأخرجه الحاكم (٤/٥٠١) عن أنس بلفظ: الأمراء من قريش. وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
حديث علي بن أبي طالب:
أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" ص ٨٥ وأبو نعيم (٧/٢٤٢) والحاكم (٤/٧٥- ٧٦).
وسكت عنه الحاكم والذهبي.
أما حديث أبي برزة الأسلمي:
فأخرجه الطيالسي (٩٢٦) وأحمد (٤/٤٢١) وأبو يعلى والطبراني والبزار كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي (٥/١٦٣) وقال:
ورجال أحمد رجال الصحيح خلا سكين وهو ثقة..
٣ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٢٢) كتاب الإيمان باب فإن تابوا حديث رقم (٢٥)، (١/١٧٤) كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي ﷺ حديث رقم (٢٩٤٦).
ومسلم في الصحيح (١/٥١- ٥٢) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (٨) حديث رقم (٣٢/٢٠، ٣٣/٢١).
وأبو داود في السنن حديث رقم (١٥٥٦)، (٢٦٤٠).
والترمذي في السنن حديث رقم (٢٦٠٦)، (٢٦٠٧).
والنسائي في السنن (٧/٧٧، ٧٨، ٧٩)، (٨/٨١).
وابن ماجه في السنن حديث رقم (٣٩٢٧، ٣٩٢٨، ٣٩٢٩).
وأحمد في المسند (١/١١، ١٩، ٣٥، ٤٨)، (٢/٣٧٧، ٤٢٣).
والطبراني في الكبير: ٢/١٩٨، ٣٤٧، ٦/١٦١..
٢ - جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبو برزة الأسلمي.
حديث أنس:
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢١٣٣) وأبو نعيم (٣/١٧١) والبزار (١٥٧٨) وأبو يعلى (٧/٣٢١) رقم (٣٦٤٤) والبيهقي (٨/١٤٤) والطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" (٥/١٩٢) وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وأخرجه الحاكم (٤/٥٠١) عن أنس بلفظ: الأمراء من قريش. وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
حديث علي بن أبي طالب:
أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" ص ٨٥ وأبو نعيم (٧/٢٤٢) والحاكم (٤/٧٥- ٧٦).
وسكت عنه الحاكم والذهبي.
أما حديث أبي برزة الأسلمي:
فأخرجه الطيالسي (٩٢٦) وأحمد (٤/٤٢١) وأبو يعلى والطبراني والبزار كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي (٥/١٦٣) وقال:
ورجال أحمد رجال الصحيح خلا سكين وهو ثقة..
٣ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٢٢) كتاب الإيمان باب فإن تابوا حديث رقم (٢٥)، (١/١٧٤) كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي ﷺ حديث رقم (٢٩٤٦).
ومسلم في الصحيح (١/٥١- ٥٢) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (٨) حديث رقم (٣٢/٢٠، ٣٣/٢١).
وأبو داود في السنن حديث رقم (١٥٥٦)، (٢٦٤٠).
والترمذي في السنن حديث رقم (٢٦٠٦)، (٢٦٠٧).
والنسائي في السنن (٧/٧٧، ٧٨، ٧٩)، (٨/٨١).
وابن ماجه في السنن حديث رقم (٣٩٢٧، ٣٩٢٨، ٣٩٢٩).
وأحمد في المسند (١/١١، ١٩، ٣٥، ٤٨)، (٢/٣٧٧، ٤٢٣).
والطبراني في الكبير: ٢/١٩٨، ٣٤٧، ٦/١٦١..