البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
بلى : حرف جواب لا يقع إلا بعد نفي في اللفظ أو المعنى، ومعناها : ردّه، سواء كان مقروناً به أداة الإستفهام، أو لم يكن، وقد وقع جواباً للاستفهام في مثل : هل يستطيع زيد مقاومتي ؟ إذا كان منكراً لمقاومة زيد له، لما كان معناه النفي، ومما وقعت فيه جواباً للاستفهام قول الحجاف بن حكيم :
بل سوف نبكيهم بكل مهندونبكي نميراً بالرماح الخواطر
وقعت جواباً للذي قال له، وهو الأخطل :
ألا فاسأل الحجاف هل هو ثائربقتلي أصيبت من نمير بن عامر
وبلى عندنا ثلاثي الوضع، وليس أصله بل، فزيدت عليها الألف خلافاً للكوفيين.
السيئة : فيعلة من ساء يسوء مساءة، إذا حزن، وهي تأنيث السيىء، وقد تقدّم الكلام على هذا الوزن عند الكلام على قوله :﴿أو كصيب﴾ فأغنى عن إعادته.
﴿بلى﴾ : حرف جواب يثبت به ما بعد النفي، فإذا قلت : ما قام زيد، فقلت : نعم، كان تصديقاً في نفي قيام زيد.
وإذا قلت : بلى، كان نقضاً لذلك النفي.
فلما قالوا :﴿لن تمسنا النار﴾، أجيبوا بقوله : بلى، ومعناها : تمسكم النار.
والمعنى على التأبيد، وبين ذلك بالخلود.
﴿من كسب سيئة﴾ من : يحتمل أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون موصولة، والمسوّغات لجواز دخول الفاء في الخبر، إذا كان المبتدأ موصولاً، موجودة هنا، ويحسنه المجيء في قسيمة بالذين، وهو موصول.
والسيئة : الكفر والشرك، قاله ابن عباس ومجاهد.
وقيل : الموجبة للنار، قاله السدي، وعليه تفسير من فسر السيئة بالكبائر، لأنها هي التي توجب النار، أي يستحق فاعلها النار إن لم تغفر له.
﴿وأحاطت به خطيئته﴾ : قرأ الجمهور بالإفراد، ونافع : خطيئاته جمع سلامة، وبعض القراء : خطاياه جمع تكسير، والمعنى أنها أخذته من جميع نواحيه.
ومعنى الإحاطة به أنه يوافي على الكفر والإشراك، هذا إذا فسرت الخطيئة بالشرك.
ومن فسرها بالكبيرة، فمعنى الإحاطة به أن يموت وهو مصر عليها، فيكون الخلود على القول الأول المراد به الإقامة، لا إلى انتهاء.
وعلى القول الثاني المراد به الإقامة دهراً طويلاً، إذ مآله إلى الخروج من النار.
قال الكلبي : أوثقته ذنوبه.
وقال ابن عباس : أحبطت حسناته.
وقال مجاهد : غشيت قلبه.
وقال مقاتل : أصرّ عليها.
وقال الربيع : مات على الشرك.
قال الحسن : بكل ما توعد الله عليه بالنار فهو الخطيئة المحيطة.
ومن، كما تقدم، لها لفظ ومعنى، فحمل أولاً على اللفظ، فقال : من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، وحمل ثانياً على المعنى، وهو قوله :﴿فأولئك﴾، إلى آخره.
وأفرد سيئة لأنه كنى به عن مفرد، وهو الشرك.
ومن أفرد الخطيئة أراد بها الجنس ومقابلة السيئة، لأن السيئة مفردة، ومن جمعها فلأن الكبائر كثيرة، فراعى المعنى وطابق به اللفظ.
وذهب قوم إلى أن السيئة والخطيئة واحدة، وأن الخطيئة وصف للسيئة.
وفرق بعضهم بينهما فقال : السيئة الكفر، والخطيئة ما دون الكفر من المعاصي، قاله مجاهد وأبو وائل والربيع بن أنس.
وقيل : إن الخطيئة الشرك، والسيئة هنا ما دون الشرك من المعاصي.
قال الزمخشري : وأحاطت به خطيئته تلك، واستولت عليه، كما يحيط العدو، ولم ينقص عنها بالتوبة.
انتهى كلامه.
وهذا من دسائسه التي ضمنها كتابه، إذ اعتقاد المعتزلة أن من أتى كبيرة، ولم يتب منها، ومات، كان خالداً في النار.
وفي قوله :﴿أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ : إشارة إلى أن المراد : الكفار، ويدل على ذلك قوله ﷺ :« أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون » وقد رتب كونهم أصحاب النار على وجود أمرين : أحدهما، كسب السيئة، والآخر : إحاطة الخطيئة.
وما رتب على وجود شرطين لا يترتب على وجود أحدهما، فدل ذلك على أن من لم يكسب سيئة، وهي الشرك وإن أحاطت به خطيئته، وهي الكبائر، لا يكون من أصحاب النار، ولا ممن يخلد فيها.
ويعني بأصحاب النار : الذين هم أهلها حقيقة، لا من دخلها ثم خرج منها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة استبعاد طمع المؤمنين في إيمان من سبق من آبائه التشريف بسماع كلام الله، ثم مقابلة ذلك بعظيم التحريف، هذا على علم منهم بقبيح ما ارتكبوه.
وهؤلاء المطموع في إيمانهم هم أبناء أولئك المحرفين، فهم على طريقة آبائهم في الكفر، ثم قد انطووا من حيث السريرة على مداجاة المؤمنين، بحيث إذا لقوهم أفهموهم أنهم مؤمنون، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، أنكروا عليهم ما يتكلمون به مع المؤمنين من إخبار بشيء مما في كتبهم، وذلك مخافة أن يحتج المؤمنون عليهم بما في كتابهم، ثم أنكر تعالى عليهم ذلك بأنهم قد علموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم، فلا يناسب ذلك إلا الانقياد إلى كتاب الله، والإخبار بما فيه، واتباع ما تضمنه من الأمر، باتباع رسول الله ﷺ، والإيمان بما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا عناداً وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
ثم لما ذكر حال هؤلاء الذين هم من أهل العلم، ولم ينتفعوا بعلمهم، ذكر أيضاً مقلدتهم وعوامّهم، وأنهم لا يعلمون من الكتاب إلا ألفاظاً مسموعة، وأن طريقهم في أصول دياناتهم إنما هو حسن ظنهم بعلمائهم المحرّفين المبدّلين.
ثم توعد الله تعالى بالهلاك والحسرة، من حرّف كلام الله وادّعى أنه من عند الله، لتحصيل غرض من الدنيا تافه نزر لا يبقي، فباع باقياً بفان.
ثم كرّر الوعيد على ما فعلوه، ثم أخبر عنهم بما صدر عنهم من الكذب البحت، بأن لبثهم في النار أياماً معدودة، وأن ذلك إخبار ليس صادراً عن عهد اتخذوه عند الله، بل قول على الله بما لا علم لهم به، ثم ردّ عليهم دعواهم تلك بقوله :﴿بلى﴾، ثم قسم الناس إلى قسمين كافر، وهو صاحب النار، ومؤمن وهو صاحب الجنة، وأنهم اندرجوا تحت قسم الكافر، لأنهم كسبوا السيئات، وأحاطت بهم الخطيئات، وناهيك ما اقتص الله فيهم من أول السورة إلى هنا، وما يقص بعد ذلك مما ارتكبوه من الكفر والمخالفات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى