اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية وعيد إلا وذكر في جنبها آية وَعْد، وذلك لفوائد :
أحدها : أن يظهر سبحانه بذلك عدله ؛ لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصّرين على الكفر، وجب أن يحكم بالنَّعيم الدائم على المصرين على الإيمان.
وثانيها : أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام :" المُؤْمِنُ لَوْ وُزِنَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤهُ لاَعْتَدَلاَ " وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق.
وثالثها : أن يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حِكْمته، فيصير ذلك سبباً [ للعرفان ].
فإن قيل : دلّت الآية على أنْ العمل الصالح خارج عن الإيمان ؛ لأنه لو دلّ الإيمان على العمل الصالح لعد الإيمان تكريراً.
أجاب القاضي : بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلاّ أن قوله :" آمن " لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾.
والجواب : أن فعل الماضي يدلّ على حصول المصدر في زمان معين والإيمان هو المصدر فلو دلّ ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله :" آمَنَ " دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه.

فصل في مرتكب الكبيرة


هذه الآية تدلّ على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة ؛ لأنه أتى بالإيمان والأعمال الصالحات، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة، ولم يَتُبْ عنها، فهذا الشَّخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن، وعمل الصالحات [ في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ] وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله :﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فإن قيل قوله تعالى :" وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع [ الأعمال ]، ومن جملة الصَّالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت [ الآية ].
قلنا :[ لو سلمنا أنه قبل ] الإتْيَان بالكبيرة [ صدق ] عليه أنه آمن وعمل الصالحات [ لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ] في كل الأوقات، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات، أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القَدْرُ المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوَعْدِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى