البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الدم : معروف، وهو محذوف اللام، وهي ياء، لقوله :
جرى الدميان بالخير اليقين***
أو : واو، لقولهم : دموان، ووزنه فعل.
وقيل : فعل، وقد سمع مقصوراً، قال :
وقال :
ولكن على أعقابنا يقطر الدما***
في رواية من رواه كذلك، وقد سمع مشدّد الميم، قال الشاعر :
أهان دمّك فرغاً بعد عزته***
يا عمرو نعيك إصراراً على الحسد
الديار : جمع دار، وهو قياس في فعل الاسم، إذا لم يكن مضاعفاً، ولا معتل لام نحو : طلل، وفنى.
والياء في هذا الجمع منقلبة عن واو، إذ أصله دوار، وهو قياس، أعني هذا الإبدال إذا كان جمعاً لواحد معتل العين، كثوب وحوض ودار، بشرط أن يكون فعالاً صحيح اللام.
فإن كان معتله، لم يبدل نحو : واو، قالوا : في جمع طويل : طوال وطيال.
أقرّ بالشيء : اعترف به.
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ : الكلام على :﴿تسفكون﴾، كالكلام على :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ من حيث الإعراب.
وقرأ الجمهور : بفتح التاء وسكون السين وكسر الفاء.
وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي جمزة ؛ كذلك، إلا أنهما ضما الفاء.
وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز : بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء المشددة.
وقرأ ابن أبي إسحاق : كذلك، إلا أنه سكن السين وخفف الفاء، وظاهر قوله :﴿لا تسفكون دماءكم﴾، أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدّة تصيبكم وحنق يلحقكم.
وقد جاء في الحديث أمر الذي وضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه.
وأخبار رسول الله ﷺ أنه من أهل النار.
وصح من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
وتظافرت على تحريم قتل النفس الملل.
وقال تعالى :﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وقيل معناه : لا تسفكوا دماء الناس، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه، وقال :
وقيل : معناه لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك، كالارتداد والزنا بعد الإحصان والمحاربة، وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك، مما يزيل عصمة الدماء.
وقيل : معناه لا يسفك بعضكم دماء بعض، وإليه أشار بقوله :﴿لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض﴾، وكان أهل دين كنفس واحدة، قاله قتادة، واختاره الزمخشري.
قال ابن عطية : إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا ينفيه، ولا يسترقه، ولا يدعه يسترق، إلى غير ذلك من الطاعات.
والخطاب في أخذنا ميثاقكم لعلماء اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ، أو مع أسلافهم.
﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ معناه : لا يخرج بعضكم بعضاً، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو لا تفعلوا ما تخرجون به أنفسكم من الجنة التي هي داركم، أو لا تخرجون أنفسكم، أي إخوانكم، لأنكم كنفس واحدة، أو لا تفسدوا، فيكون سبباً لإخراجكم من دياركم، كأنه يشير إلى تغريب الجاني، أو لا تفسدوا وتشاقوا الأنبياء والمؤمنين، فيكتب عليكم الجلاء.
أقوال ستة.
﴿ثم أقررتم﴾ : أي بالميثاق، واعترفتم بلزومه، أو اعترفتم بقبوله، أو رضيتم به، كما قال البعيث :
﴿وأنتم تشهدون﴾ : أي تعلمون أن الله أخذه عليكم، وأراد على قدماء بني إسرائيل، إن كان الخطاب وارداً عليهم، وإن كان على معاصريه، ﷺ من أبنائهم، فمعناه : وأنتم تشهدون على أسلافكم بما أخذه الله عليهم من العهد، إما بالنقل المتواتر، وإما بما تتلونه من التوراة.
وإن كان معنى الشهادة الحضور، فيتعين أن يكون الخطاب لأسلافهم.
وقال بعض المفسرين : ثم أقررتم عائد إلى الخلف، وأنتم تشهدون عائد إلى السلف، لأنهم عاينوا سفك دماء بعضهم بعضاً.
وقال : وأنتم تشهدون لأن الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذلك أطلق عليهم خطاب الحضرة.
وقيل : إن قوله وأنتم تشهدون للتأكيد، كقولك، فلان مقرّ على نفسه بكذا، أشاهد عليها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة إخبار الله تعالى، أنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بإفراد العبادة، والإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وبالقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم نقضوا الميثاق بتوليهم وإعراضهم، وأنه أخذ عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجون أنفسهم من ديارهم، وأنهم أقروا والتزموا ذلك.
فكان الميثاق الأول يتضمن الأوامر، والميثاق الثاني يتضمن النواهي، لأن التكاليف الإلهية مبنية على الأوامر والنواهي.
وكان البدء بالأوامر آكد، لأنها تتضمن أفعالاً، والنواهي تتضمن تروكاً، والأفعال أشق من التروك.
وكان من الأوامر الأمر بإفراد الله بالعبادة، وهو رأس الإيمان، إذ متعلق أشرف المتعلقات، فكان البدء به أولى.
ثم نعى عليهم التباسهم بما نهوا عنه، وإن كان قد تقدم أخباره أنهم خالفوا في الأمر بقوله :﴿ثم توليتم﴾، لأن فعل المنهيات أقبح من ترك المأمورات، لأنها تروك كما ذكرنا.
ثم قرّعهم بمخالفة نواهي الله، وأنهم مستعينون في ذلك بغير الحق، بل بالإثم والعدوان.
ثم ذكر تناقض آرائهم وسخف عقولهم، بفداء من أتى إليهم منهم، مع أنهم هم السبب في إخراجهم وأسرهم، مع علمهم بتحريم إخراجهم، وبذكر أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
هذا مع أنه كله حق وصدق، فلا يناسب ذلك الكفر ببعض، والإيمان ببعض.
ثم ذكر أن الجزاء لفاعل ذلك هو الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة، وأن الله تعالى لا يغفل عما عملوه، فيجازيهم على ذلك.
ثم أشار إلى من تحلى بهذه الأوصاف الذميمة، وخالف أمر الله ونهيه، هو قد اشترى عاجلاً تافهاً بآجل جليل، وآثر فانياً مكدراً على باق صاف.
وأن نتيجة هذا الشراء أن لا يخفف عنهم ما حل بهم من العذاب، ولا يجدوا ناصراً يدفع عنهم سوء العقاب.
لقد خسروا تجارة، وبدلوا بالنعيم السرمدي ناراً وقودها الناس والحجارة.
وإذا كان التخفيف قد نفى، فالرفع أولى.
وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ؟.
جرى الدميان بالخير اليقين***
أو : واو، لقولهم : دموان، ووزنه فعل.
وقيل : فعل، وقد سمع مقصوراً، قال :
| غفلت ثم أتت تطلبه | فإذا هي بعظام ودما |
ولكن على أعقابنا يقطر الدما***
في رواية من رواه كذلك، وقد سمع مشدّد الميم، قال الشاعر :
أهان دمّك فرغاً بعد عزته***
يا عمرو نعيك إصراراً على الحسد
الديار : جمع دار، وهو قياس في فعل الاسم، إذا لم يكن مضاعفاً، ولا معتل لام نحو : طلل، وفنى.
والياء في هذا الجمع منقلبة عن واو، إذ أصله دوار، وهو قياس، أعني هذا الإبدال إذا كان جمعاً لواحد معتل العين، كثوب وحوض ودار، بشرط أن يكون فعالاً صحيح اللام.
فإن كان معتله، لم يبدل نحو : واو، قالوا : في جمع طويل : طوال وطيال.
أقرّ بالشيء : اعترف به.
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ : الكلام على :﴿تسفكون﴾، كالكلام على :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ من حيث الإعراب.
وقرأ الجمهور : بفتح التاء وسكون السين وكسر الفاء.
وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي جمزة ؛ كذلك، إلا أنهما ضما الفاء.
وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز : بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء المشددة.
وقرأ ابن أبي إسحاق : كذلك، إلا أنه سكن السين وخفف الفاء، وظاهر قوله :﴿لا تسفكون دماءكم﴾، أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدّة تصيبكم وحنق يلحقكم.
وقد جاء في الحديث أمر الذي وضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه.
وأخبار رسول الله ﷺ أنه من أهل النار.
وصح من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
وتظافرت على تحريم قتل النفس الملل.
وقال تعالى :﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وقيل معناه : لا تسفكوا دماء الناس، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه، وقال :
| سقيناهم كأساً سقونا بمثلها | ولكنهم كانوا على الموت أصبرا |
وقيل : معناه لا يسفك بعضكم دماء بعض، وإليه أشار بقوله :﴿لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض﴾، وكان أهل دين كنفس واحدة، قاله قتادة، واختاره الزمخشري.
قال ابن عطية : إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا ينفيه، ولا يسترقه، ولا يدعه يسترق، إلى غير ذلك من الطاعات.
والخطاب في أخذنا ميثاقكم لعلماء اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ، أو مع أسلافهم.
﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ معناه : لا يخرج بعضكم بعضاً، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو لا تفعلوا ما تخرجون به أنفسكم من الجنة التي هي داركم، أو لا تخرجون أنفسكم، أي إخوانكم، لأنكم كنفس واحدة، أو لا تفسدوا، فيكون سبباً لإخراجكم من دياركم، كأنه يشير إلى تغريب الجاني، أو لا تفسدوا وتشاقوا الأنبياء والمؤمنين، فيكتب عليكم الجلاء.
أقوال ستة.
﴿ثم أقررتم﴾ : أي بالميثاق، واعترفتم بلزومه، أو اعترفتم بقبوله، أو رضيتم به، كما قال البعيث :
| ولست كليبياً إذا سيم خطة | أقر كإقرار الحليلة للبعل |
وإن كان معنى الشهادة الحضور، فيتعين أن يكون الخطاب لأسلافهم.
وقال بعض المفسرين : ثم أقررتم عائد إلى الخلف، وأنتم تشهدون عائد إلى السلف، لأنهم عاينوا سفك دماء بعضهم بعضاً.
وقال : وأنتم تشهدون لأن الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذلك أطلق عليهم خطاب الحضرة.
وقيل : إن قوله وأنتم تشهدون للتأكيد، كقولك، فلان مقرّ على نفسه بكذا، أشاهد عليها.
فكان الميثاق الأول يتضمن الأوامر، والميثاق الثاني يتضمن النواهي، لأن التكاليف الإلهية مبنية على الأوامر والنواهي.
وكان البدء بالأوامر آكد، لأنها تتضمن أفعالاً، والنواهي تتضمن تروكاً، والأفعال أشق من التروك.
وكان من الأوامر الأمر بإفراد الله بالعبادة، وهو رأس الإيمان، إذ متعلق أشرف المتعلقات، فكان البدء به أولى.
ثم نعى عليهم التباسهم بما نهوا عنه، وإن كان قد تقدم أخباره أنهم خالفوا في الأمر بقوله :﴿ثم توليتم﴾، لأن فعل المنهيات أقبح من ترك المأمورات، لأنها تروك كما ذكرنا.
ثم قرّعهم بمخالفة نواهي الله، وأنهم مستعينون في ذلك بغير الحق، بل بالإثم والعدوان.
ثم ذكر تناقض آرائهم وسخف عقولهم، بفداء من أتى إليهم منهم، مع أنهم هم السبب في إخراجهم وأسرهم، مع علمهم بتحريم إخراجهم، وبذكر أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
هذا مع أنه كله حق وصدق، فلا يناسب ذلك الكفر ببعض، والإيمان ببعض.
ثم ذكر أن الجزاء لفاعل ذلك هو الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة، وأن الله تعالى لا يغفل عما عملوه، فيجازيهم على ذلك.
ثم أشار إلى من تحلى بهذه الأوصاف الذميمة، وخالف أمر الله ونهيه، هو قد اشترى عاجلاً تافهاً بآجل جليل، وآثر فانياً مكدراً على باق صاف.
وأن نتيجة هذا الشراء أن لا يخفف عنهم ما حل بهم من العذاب، ولا يجدوا ناصراً يدفع عنهم سوء العقاب.
لقد خسروا تجارة، وبدلوا بالنعيم السرمدي ناراً وقودها الناس والحجارة.
وإذا كان التخفيف قد نفى، فالرفع أولى.
وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ؟.