فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿لاَ تَسْفِكُونَ﴾ الكلام فيه كالكلام في لا تعبدون، وقد سبق. وقرأ طلحة بن مُصَرَّف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة. وقرأ أبو نهيك بضم الياء، وتشديد الفاء، وفتح السين، والسفك : الصبّ، وقد تقدّم، والمراد أنه لا يفعل ذلك بعضهم ببعض، والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل : كل موضع حلّه قوم، فهو دار لهم، وإن لم يكن فيه أبنية ؛ وقيل سميت داراً ؛ لدورها على سكانها، كما يسمى الحائط حائطاً ؛ لإحاطته على ما يحويه. وقوله :﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ من الإقرار : أي حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم، في حال شهادتكم على أنفسكم بذلك، قيل الشهادة هنا بالقلوب، وقيل هي بمعنى الحضور : أي : أنكم الآن تشهدون على أسلافكم بذلك. وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا ينفيه، ولا يسترقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ﴾ قال يؤنبهم أي ميثاقكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا﴾ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى البيهقي في الشعب عن عليّ في قوله :﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا﴾ قال : يعني الناس كلهم، ومثله روى عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قال : أي : تركتم ذلك كله. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : معناه أعرضتم عن طاعتي إلا قليلاً منكم، وهم : الذين اخترتهم لطاعتي.
وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ﴾ لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ من دياركم﴾ لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بهذا الميثاق ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وأنتم شهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا منكُم من ديارهم﴾ قال : تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس، والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير، وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿وَإِن يَاتُوكُمْ أسارى تفادوهم﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابكم لإخراجهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفراً بذلك. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة﴾ قال : استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى