البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
غلف : جمع أغلف، كأحمر وحمر، وهو الذي لا يفقه، أو جمع غلاف، وهو الغشاء، فيكون أصله التثقيل، فخفف.
اللعن : الطرد والإبعاد، يقال : شأو لعين، أي بعيد، وقال الشماخ :
﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ : الضمير في قالوا عائد على اليهود، وهم أبناء بني إسرائيل الذين كانوا بحضرة رسول الله ﷺ، قالوا ذلك بهتاً ودفعاً لما قامت عليهم الحجج وظهرت لهم البينات، وأعجزتهم عن مدافعة الحق المعجزات.
نزلوا عن رتبة الإنسانية إلى رتبة البهيمية.
وقرأ الجمهور : غلف، بإسكان اللام.
وتقدم الكلام على سكون اللام، أهو سكون أصلي فيكون جمع أغلف ؟ أم هو سكون تخفيف فيكون جمع غلاف ؟ وأصله الضم، كحمار وحمر.
قال ابن عطية : وهنا يشير إلى أن التخفيف من التثقيل قلما يستعمل إلا في الشعر.
ونص ابن مالك على أنه يجوز التسكين في نحو : حمر جمع حمار، دون ضرورة.
وقرأ ابن عباس، والأعرج، وابن هرمز، وابن محيصن، غلف : بضم اللام، وهي مروية عن أبي عمرو، وهو جمع غلاف، ولا يجوز أن يكون في هذه القراءة جمع أغلف، لأن تثقيل فعل الصحيح العين لا يجوز إلا في الشعر.
يقال غلفت السيف : جعلت له غلافاً.
فأما من قرأ : غلف بالإسكان، فمعناه أنها مستورة عن الفهم والتمييز.
وقال مجاهد : أي عليها غشاوة.
وقال عكرمة : عليها طابع.
وقال الزجاج : ذوات غلف، أي عليها غلف لا تصل إليها الموعظة.
وقيل معناه : خلقت غلفاً لا تتدبر ولا تعتبر.
وقيل : محجوبة عن سماع ما تقول وفهم ما تبين.
ويحتمل عل هذه القراءة أن يكون قولهم هذا على سبيل البهت والمدافعة، حتى يسكتوا رسول الله ﷺ.
ويحتمل أن يكون ذلك خبراً منهم بحال قلوبهم، لأن الأول فيه ذم أنفسهم بما ليس فيها، وكانوا يدفعوا بغير ذلك، وأسباب الدفع كثيرة.
وأما من قرأ بضم اللام فمعناه أنها أوعية للعلم، أقاموا العلم مقام شيء مجسد، وجعلوا الموانع التي تمنعهم غلفاً له، ليستدل بالمحسوس على المعقول.
ويحتمل أن يريدوا بذلك أنها أوعية للعلم، فلو كان ما تقوله حقاً وصدقاً لوعته، قاله ابن عباس وقتادة والسدّي.
ويحتمل أن يكون المعنى : أن قلوبنا غلف، أي مملوءة علماً، فلا تسع شيئاً، ولا تحتاج إلى علم غيره، فإن الشيء المغلف لا يسع غلافه غيره.
ويحتمل أن يكون المعنى : أن قلوبهم غلف على ما فيها من دينهم وشريعتهم، واعتقادهم أن دوام ملتهم إلى يوم القيامة، وهي لصلابتها وقوّتها، تمنع أن يصل إليها غير ما فيها، كالغلاف الذي يصون المغلف أن يصل إليه ما بغيره.
وقيل : المعنى كالغلاف الخالي لا شيء فيه.
﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ : بل : للإضراب، وليس إضراباً عن اللفظ المقول، لأنه واقع لا محالة، فلا يضرب عنه، وإنما الإضراب عن النسبة التي تضمنها قولهم : إن قلوبهم غلف، لأنها خلقت متمكنة من قبول الحق، مفطورة لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه.
ثم أخبر تعالى أنهم لعنوا بسبب ما تقدم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الذي هو اللعن المتسبب عن الذنب الذي هو الكفر.
﴿فقليلاً مّا يؤمنون﴾ : انتصاب قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف، أي فإيماناً قليلاً يؤمنون، قاله قتادة.
وعلى مذهب سيبويه : انتصابه على الحال، التقدير : فيؤمنونه، أي الإيمان في حال قلته.
وجوزوا انتصابه على أنه نعت لزمان محذوف، أي فزماناً قليلاً يؤمنون، لقوله تعالى :﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ وجوزوا أيضاً انتصابه بيؤمنون على أن أصله فقليل يؤمنون، ثم لما أسقط الباء تعدي إليه الفعل، وهو قول معمر.
وجوّزوا أيضاً أن يكون حالاً من الفاعل الذي هو الضمير في يؤمنون، المعنى : أي فجمعاً قليلاً يؤمنون، أي المؤمن منهم قليل، وقال هذا المعنى ابن عباس وقتادة، وملخصه : أن القلة إما للنسبة للفعل الذي هو المصدر، أو للزمان، أو للمؤمن به، أو للفاعل.
فبالنسبة إلى المصدر : تكون القلة بحسب متعلقه، لأن الإيمان لا يتصف بالقلة والكثرة حقيقة.
وبالنسبة إلى الزمان : تكون القلة فيه لكونه قبل مبعثه، ﷺ، قليلاً، وهو زمان الاستفتاح، ثم كفروا بعد ذلك.
وبالنسبة إلى المؤمن به : تكون القلة لكونهم لم يبق لهم من ذلك إلا توحيد الله على غير وجهه، إذ هم مجسمون، وقد كذبوا بالرسول وبالتوراة.
وبالنسبة للفاعل : تكون القلة لكون من آمن منهم بالرسول قليلاً.
وقال الواقدي : المعنى أي لا قليلاً ولا كثيراً، يقال قل ما يفعل، أي ما يفعل أصلاً.
وقال ابن الأنباري : إن المعنى فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً.
وقال المهدوي : مذهب قتادة أن المعنى : فقليل منهم من يؤمن، وأنكره النحويون وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع قليل.
وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم، وما ذهبوا إليه من أن قليلاً يراد به النفي صحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى :﴿فقليلاً لا يؤمنون﴾، لأن قليلاً انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير : قمت قليلاً، أي قياماً قليلاً.
ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلاً منصوباً نعتاً لمصدر ذلك الفعل، يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية.
وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم : أقل رجل يقول ذلك، وقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد، وقليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك.
وإذا تقرر هذا، فحمل القلة هنا على النفي المحض ليس بصحيح.
وأما ما ذكره المهدوي من مذهب قتادة، وإنكار النحويين ذلك، وقولهم : لو كان كذلك للزم رفع قليل.
فقول قتادة صحيح، ولا يلزم ما ذكره النحويون، لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه، ولم يرد شرح الأعراب فيلزمه ذلك.
وإنما انتصاب قليلاً عنده على الحال من الضمير في يؤمنون، والمعنى عنده : فيؤمنون قوماً قليلاً، أي في حالة قلة.
وهذا معناه : فقليل منهم من يؤمن.
وما في قوله : ما يؤمنون، زائدة مؤكدة، دخلت بين المعمول والعامل، نظير قولهم : رويد ما الشعر، وخرج ما أنف خاطب بدم.
ولا يجوز في ما أن تكون مصدرية، لأنه كان يلزم رفع قليل حتى ينعقد منهما مبتدأ وخبر.
والأحسن من هذه المعاني كلها هو الأول، وهو أن يكون المعنى : فإيماناً قليلاً يؤمنون، لأن دلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة، وعلى المفعول، وعلى الفاعل، ولموافقته ظاهر قوله تعالى :﴿فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾.
وأما قول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، وأنهم يريدون لا تنبت شيئاً، فإنما ذلك لأن قليلاً انتصب على الحال من أرض، وإن كان نكرة، وما مصدرية، والتقدير : قليلاً إنباتها، أي لا تنبت شيئاً، وليست ما زائدة، وقليلاً نعت لمصدر محذوف، تقدير الكلام : تنبت قليلاً، إذ لو كان التركيب المقدر هذا لما صلح أن يراد بالقليل النفي المحض، لأن قولك : تنبت قليلاً، لا يدل على نفي الإنبات رأساً، وكذلك لو قلنا : ضربت ضرباً قليلاً، لم يكن معناه ما ضربت أصلاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.
اللعن : الطرد والإبعاد، يقال : شأو لعين، أي بعيد، وقال الشماخ :
| ذعرت به القطا ونفيت عنه | مقام الذئب كالرجل اللعين |
نزلوا عن رتبة الإنسانية إلى رتبة البهيمية.
وقرأ الجمهور : غلف، بإسكان اللام.
وتقدم الكلام على سكون اللام، أهو سكون أصلي فيكون جمع أغلف ؟ أم هو سكون تخفيف فيكون جمع غلاف ؟ وأصله الضم، كحمار وحمر.
قال ابن عطية : وهنا يشير إلى أن التخفيف من التثقيل قلما يستعمل إلا في الشعر.
ونص ابن مالك على أنه يجوز التسكين في نحو : حمر جمع حمار، دون ضرورة.
وقرأ ابن عباس، والأعرج، وابن هرمز، وابن محيصن، غلف : بضم اللام، وهي مروية عن أبي عمرو، وهو جمع غلاف، ولا يجوز أن يكون في هذه القراءة جمع أغلف، لأن تثقيل فعل الصحيح العين لا يجوز إلا في الشعر.
يقال غلفت السيف : جعلت له غلافاً.
فأما من قرأ : غلف بالإسكان، فمعناه أنها مستورة عن الفهم والتمييز.
وقال مجاهد : أي عليها غشاوة.
وقال عكرمة : عليها طابع.
وقال الزجاج : ذوات غلف، أي عليها غلف لا تصل إليها الموعظة.
وقيل معناه : خلقت غلفاً لا تتدبر ولا تعتبر.
وقيل : محجوبة عن سماع ما تقول وفهم ما تبين.
ويحتمل عل هذه القراءة أن يكون قولهم هذا على سبيل البهت والمدافعة، حتى يسكتوا رسول الله ﷺ.
ويحتمل أن يكون ذلك خبراً منهم بحال قلوبهم، لأن الأول فيه ذم أنفسهم بما ليس فيها، وكانوا يدفعوا بغير ذلك، وأسباب الدفع كثيرة.
وأما من قرأ بضم اللام فمعناه أنها أوعية للعلم، أقاموا العلم مقام شيء مجسد، وجعلوا الموانع التي تمنعهم غلفاً له، ليستدل بالمحسوس على المعقول.
ويحتمل أن يريدوا بذلك أنها أوعية للعلم، فلو كان ما تقوله حقاً وصدقاً لوعته، قاله ابن عباس وقتادة والسدّي.
ويحتمل أن يكون المعنى : أن قلوبنا غلف، أي مملوءة علماً، فلا تسع شيئاً، ولا تحتاج إلى علم غيره، فإن الشيء المغلف لا يسع غلافه غيره.
ويحتمل أن يكون المعنى : أن قلوبهم غلف على ما فيها من دينهم وشريعتهم، واعتقادهم أن دوام ملتهم إلى يوم القيامة، وهي لصلابتها وقوّتها، تمنع أن يصل إليها غير ما فيها، كالغلاف الذي يصون المغلف أن يصل إليه ما بغيره.
وقيل : المعنى كالغلاف الخالي لا شيء فيه.
﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ : بل : للإضراب، وليس إضراباً عن اللفظ المقول، لأنه واقع لا محالة، فلا يضرب عنه، وإنما الإضراب عن النسبة التي تضمنها قولهم : إن قلوبهم غلف، لأنها خلقت متمكنة من قبول الحق، مفطورة لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه.
ثم أخبر تعالى أنهم لعنوا بسبب ما تقدم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الذي هو اللعن المتسبب عن الذنب الذي هو الكفر.
﴿فقليلاً مّا يؤمنون﴾ : انتصاب قليلاً على أنه نعت لمصدر محذوف، أي فإيماناً قليلاً يؤمنون، قاله قتادة.
وعلى مذهب سيبويه : انتصابه على الحال، التقدير : فيؤمنونه، أي الإيمان في حال قلته.
وجوزوا انتصابه على أنه نعت لزمان محذوف، أي فزماناً قليلاً يؤمنون، لقوله تعالى :﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ وجوزوا أيضاً انتصابه بيؤمنون على أن أصله فقليل يؤمنون، ثم لما أسقط الباء تعدي إليه الفعل، وهو قول معمر.
وجوّزوا أيضاً أن يكون حالاً من الفاعل الذي هو الضمير في يؤمنون، المعنى : أي فجمعاً قليلاً يؤمنون، أي المؤمن منهم قليل، وقال هذا المعنى ابن عباس وقتادة، وملخصه : أن القلة إما للنسبة للفعل الذي هو المصدر، أو للزمان، أو للمؤمن به، أو للفاعل.
فبالنسبة إلى المصدر : تكون القلة بحسب متعلقه، لأن الإيمان لا يتصف بالقلة والكثرة حقيقة.
وبالنسبة إلى الزمان : تكون القلة فيه لكونه قبل مبعثه، ﷺ، قليلاً، وهو زمان الاستفتاح، ثم كفروا بعد ذلك.
وبالنسبة إلى المؤمن به : تكون القلة لكونهم لم يبق لهم من ذلك إلا توحيد الله على غير وجهه، إذ هم مجسمون، وقد كذبوا بالرسول وبالتوراة.
وبالنسبة للفاعل : تكون القلة لكون من آمن منهم بالرسول قليلاً.
وقال الواقدي : المعنى أي لا قليلاً ولا كثيراً، يقال قل ما يفعل، أي ما يفعل أصلاً.
وقال ابن الأنباري : إن المعنى فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً.
وقال المهدوي : مذهب قتادة أن المعنى : فقليل منهم من يؤمن، وأنكره النحويون وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع قليل.
وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم، وما ذهبوا إليه من أن قليلاً يراد به النفي صحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى :﴿فقليلاً لا يؤمنون﴾، لأن قليلاً انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير : قمت قليلاً، أي قياماً قليلاً.
ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلاً منصوباً نعتاً لمصدر ذلك الفعل، يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية.
وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم : أقل رجل يقول ذلك، وقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد، وقليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك.
وإذا تقرر هذا، فحمل القلة هنا على النفي المحض ليس بصحيح.
وأما ما ذكره المهدوي من مذهب قتادة، وإنكار النحويين ذلك، وقولهم : لو كان كذلك للزم رفع قليل.
فقول قتادة صحيح، ولا يلزم ما ذكره النحويون، لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه، ولم يرد شرح الأعراب فيلزمه ذلك.
وإنما انتصاب قليلاً عنده على الحال من الضمير في يؤمنون، والمعنى عنده : فيؤمنون قوماً قليلاً، أي في حالة قلة.
وهذا معناه : فقليل منهم من يؤمن.
وما في قوله : ما يؤمنون، زائدة مؤكدة، دخلت بين المعمول والعامل، نظير قولهم : رويد ما الشعر، وخرج ما أنف خاطب بدم.
ولا يجوز في ما أن تكون مصدرية، لأنه كان يلزم رفع قليل حتى ينعقد منهما مبتدأ وخبر.
والأحسن من هذه المعاني كلها هو الأول، وهو أن يكون المعنى : فإيماناً قليلاً يؤمنون، لأن دلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة، وعلى المفعول، وعلى الفاعل، ولموافقته ظاهر قوله تعالى :﴿فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾.
وأما قول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، وأنهم يريدون لا تنبت شيئاً، فإنما ذلك لأن قليلاً انتصب على الحال من أرض، وإن كان نكرة، وما مصدرية، والتقدير : قليلاً إنباتها، أي لا تنبت شيئاً، وليست ما زائدة، وقليلاً نعت لمصدر محذوف، تقدير الكلام : تنبت قليلاً، إذ لو كان التركيب المقدر هذا لما صلح أن يراد بالقليل النفي المحض، لأن قولك : تنبت قليلاً، لا يدل على نفي الإنبات رأساً، وكذلك لو قلنا : ضربت ضرباً قليلاً، لم يكن معناه ما ضربت أصلاً.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
| ملأت ببعض حبك كل قلبي | فإن ترد الزيادة هات قلبا |
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.