المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ( ٨٨ )
وقرأ جمهور القراء «غلْف » بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل «حمْر » و «صفْر »، والمعنى قلوبنا عليها غَلَف وغشاوات(١) فهي لا تفقه(٢)، قاله ابن عباس، وقال قتادة :«المعنى عليها طابع »، وقالت طائفة : غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف(٣) بتثقيل اللام فخفف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا(٤) قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن «غلّف » بتثقيل اللام(٥) جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد ﷺ، وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد ﷺ ؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله :﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾، و ﴿بل﴾ في هذه الآية نقض للأول، وإضراب عنه، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب فالذنب أعظم منه(٦)، واللعن الإبعاد والطرد، و ﴿قليلاً﴾ نعت لمصدر محذوف تقديره فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، والضمير في ﴿يؤمنون﴾ لحاضري محمد ﷺ، ويتجه قلة هذا الإيمان : إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة الرجال، قال هذا المعنى قتادة، وإما لأن وقت إيمانهم عندما كانوا يستفتحون به قبل مبعثه قليل، إذ قد كفروا بعد ذلك، وإما لأنهم لم يبق لهم بعد كفرهم غير التوحيد على غير وجهه، إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم التوراة، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير فإيماناً قليلاً(٧)، وعلى الذي قبله فوقتاً قليلاً، وعلى الذي قبله فعدداً من الرجال قليلاً، و ﴿ما﴾ في قوله :﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ زائدة مؤكدة، و ﴿قليلاً﴾ نصب ب ﴿يؤمنون﴾.
١ - وفي بعض النسخ وغشاوات..
٢ - أي لا تفهم ما تقول ولا تعيه، إذ هو مما لا يفهم، وقيل: عليها طابع، لقوله تعالى: [طبع الله على قلوبهم]..
٣ - أي كخمار وخُمُر فهو على هذا مخفف من ثقيل..
٤ - المعنى: وهذا التثقيل قل أن يستعمل إلا في الشعر كقول طرفة:
أيها الفتيان في مجلسنا جرِّدوا منها ورادا وشقرد
فحركت لضرورة الشعر. وفي بعض النسخ: قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قل ما يستعمل الخ..

٥ - أي بتحريكها بالضم، والغرض أن (غلف) بضم اللام جمع غلاف، وكذلك (غلف) بسكون اللام جمع غلاف ولكنه مخفف من الأول، واستعمال المخفف أكثر، واستعمال المثقل أقل، هذا وفي بعض النسخ: (وقرأ بن عباس، والأعرج، وابن محيص، بدل: "وقرأ الأعمش" الخ. والله أعلم..
٦ - يعني أن الله سبحانه جازاهم بالطرد واللعن المتسبب عن الذنب الذي هو الكفر. والإضراب في الآية هو عن النسبة التي تضمنها قولهم: [قلوبنا غلف] خلقت على الفطرة متمكة من قبول الحق، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه- والطرد والإبعاد أعظم ما يصيب المرء في حياته..
٧ - هذا أحسن الوجوه، لأن دلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالته على زمانه ومكانه ومفعوله وفاعله، ولموافقة قوله تعالى: [فلا يؤمنون إلا قليلا]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى