البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
المعرفة : العلم المتعلق بالمفردات، ويسبقه الجهل، بخلاف أصل العلم فإنه يتعلق بالنسب، وقد لا يسبقه الجهل، ولذلك لم يوصف الله تعالى بالمعرفة، ووصف بالعلم.
﴿ولما جاءهم﴾ : الضمير عائد على اليهود، ونزلت فيهم حين كانت غطفان تقاتلهم وتهزمهم، أو حين كانوا يلقون من العرب أذى كثيراً، أو حين حاربهم الأوس والخزرج فغلبتهم.
﴿كتاب﴾ : هو القرآن، وإسناد المجيء إليه مجاز.
﴿من عند الله﴾ : في موضع الصفة، ووصفه بمن عند الله جدير أن يقبل، ويتبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو وارد من عند خالقهم وإلههم الذي هو ناظر في مصالحهم.
﴿مصدّق﴾ : صفة ثانية، وقدّمت الأولى عليها، لأن الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشىء عن كونه من عند الله.
لا يقال : إنه يحتمل أن يكون ﴿من عند الله﴾ متعلقاً بجاءهم، فلا يكون صفة للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما.
وفي مصحف أبيّ مصدقاً، وبه قرأ ابن أبي عبلة ونصبه على الحال من كتاب، وإن كان نكرة.
وقد أجاز ذلك سيبويه بلا شرط، فقد تخصصت بالصفة، فقربت من المعرفة.
﴿لما معهم﴾ : هو التوراة والإنجيل، وتصديقه إما بكونهما من عند الله، أو بما اشتملا عليه من ذكر بعث الرسول ونعته.
﴿وكانوا﴾ : يجوز أن يكون معطوفاً على جاءهم، فيكون جواب لما مرتباً على المجيء والكون.
ويحتمل أن يكون جملة حالية، أي وقد كانوا، فيكون الجواب مرتباً على المجيء بقيد في مفعوله، وهم كونهم يستفتحون.
وظاهر كلام الزمخشري أن قوله : وكانوا أليست معطوفة على الفعل بعد لما، ولا حالاً لأنه قدّر جواب لما محذوفاً قبل تفسيره يستفتحون، فدل على أن قوله : وكانوا، جملة معطوفة على مجموع الجملة من قوله : ولما.
﴿من قبل﴾ : أي من قبل المجيء، وبني لقطعه عن الإضافة إلى معرفة.
﴿يستفتحون﴾ : أي يستحكمون، أو يستعلمون، أو يستنصرون، أقوال ثلاثة.
يقولون، إذا دهمهم العدو : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة.
واختلفوا في جواب ولما الأولى، فذهب الأخفش والزجاج إلى أنه محذوف لدلالة المعنى عليه، واختاره الزمخشري وقدره نحو : كذبوا به واستهانوا بمجيئه، وقدره غيره : كفروا، فحذف لدلالة كفروا به عليه، والمعنى قريب في ذلك.
وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله :﴿فلما جاءهم﴾ جواب لما الأولى، وكفروا جواب لقوله : فلما جاءهم.
وهو عنده نظير قوله :﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف﴾ قال : ويدل على أن الفاء هنا ليست بناسقة أن الواو لا تصلح في موضعها.
وذهب المبرد إلى أن جواب لما الأولى هو : كفروا به، وكرر لما لطول الكلام، ويقيد ذلك تقريراً للذنب وتأكيداً له.
وهذا القول كان يكون أحسن لولا أن الفاء تمنع من التأكيد.
وأما قول الفراء فلم يثبت من لسانهم، لما جاء زيد، فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن كون الجواب محذوفاً لدلالة المعنى عليه، وأن يكون التقدير :﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم﴾ كذبوه، ويكون التكذيب حاصلاً بنفس مجيء الكتاب من غير فكر فيه ولا روّية، بل بادروا إلى تكذيبه.
ثم قال تعالى :﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾، أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم، أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث قد قرب وقت بعثه، فكانوا يخبرون بذلك.
﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ : وما سبق لهم تعريفه للمشركين.
﴿كفروا به﴾ : ستروه وجحدوه، وهذا أبلغ في ذمهم، إذ يكون الشيء المعروف لهم، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده، قال تعالى :﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ وقال أبو القاسم الراغب : ما ملخصه الاستفتاح، طلب الفتح، وهو ضربان : إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم المؤدية إلى الثواب، ومنه ﴿إنا فتحنا لك﴾ فعسى أن يأتي بالفتح.
ودنيوي، وهو النصرة بالوصول إلى اللذات البدنية، ومنه ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ فمعنى يستفتحون : أي يعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة.
وقيل : يطلبون من الله بذكره الظفر.
وقيل : كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد ﷺ على عبدة الأوثان.
وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح. انتهى.
وظاهر قوله : ما عرفوا أنه الكتاب، لأنه أتى بلفظ ما، ويحتمل أنه يراد به النبي ﷺ.
فإن ما قد يعبر بها عن صفات من يعقل، ويجوز أن يكون المعنى : ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه، وما تضمنه.
﴿فلعنة الله على الكافرين﴾ : لما كان الكتاب جائياً من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به.
قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة.
﴿قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله﴾ ﴿ومن يعلن الله فلن تجد له نصيراً﴾ ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل :﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فرداً من أفراد العموم.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون للجنس، ويكون فيه دخولاً أولياً.
ونعني بالجنس العموم، وتخيله أنهم يدخلون فيه دخولاً أولياً ليس بشيء، لأن دلالة العلة على إفراده ليس فيها بعض الإفراد أولى من بعض، وإنما هي دلالة على كل فرد فرد، فهي دلالة متساوية.
وإذا كانت دلالة متساوية، فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.
﴿ولما جاءهم﴾ : الضمير عائد على اليهود، ونزلت فيهم حين كانت غطفان تقاتلهم وتهزمهم، أو حين كانوا يلقون من العرب أذى كثيراً، أو حين حاربهم الأوس والخزرج فغلبتهم.
﴿كتاب﴾ : هو القرآن، وإسناد المجيء إليه مجاز.
﴿من عند الله﴾ : في موضع الصفة، ووصفه بمن عند الله جدير أن يقبل، ويتبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو وارد من عند خالقهم وإلههم الذي هو ناظر في مصالحهم.
﴿مصدّق﴾ : صفة ثانية، وقدّمت الأولى عليها، لأن الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشىء عن كونه من عند الله.
لا يقال : إنه يحتمل أن يكون ﴿من عند الله﴾ متعلقاً بجاءهم، فلا يكون صفة للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما.
وفي مصحف أبيّ مصدقاً، وبه قرأ ابن أبي عبلة ونصبه على الحال من كتاب، وإن كان نكرة.
وقد أجاز ذلك سيبويه بلا شرط، فقد تخصصت بالصفة، فقربت من المعرفة.
﴿لما معهم﴾ : هو التوراة والإنجيل، وتصديقه إما بكونهما من عند الله، أو بما اشتملا عليه من ذكر بعث الرسول ونعته.
﴿وكانوا﴾ : يجوز أن يكون معطوفاً على جاءهم، فيكون جواب لما مرتباً على المجيء والكون.
ويحتمل أن يكون جملة حالية، أي وقد كانوا، فيكون الجواب مرتباً على المجيء بقيد في مفعوله، وهم كونهم يستفتحون.
وظاهر كلام الزمخشري أن قوله : وكانوا أليست معطوفة على الفعل بعد لما، ولا حالاً لأنه قدّر جواب لما محذوفاً قبل تفسيره يستفتحون، فدل على أن قوله : وكانوا، جملة معطوفة على مجموع الجملة من قوله : ولما.
﴿من قبل﴾ : أي من قبل المجيء، وبني لقطعه عن الإضافة إلى معرفة.
﴿يستفتحون﴾ : أي يستحكمون، أو يستعلمون، أو يستنصرون، أقوال ثلاثة.
يقولون، إذا دهمهم العدو : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة.
واختلفوا في جواب ولما الأولى، فذهب الأخفش والزجاج إلى أنه محذوف لدلالة المعنى عليه، واختاره الزمخشري وقدره نحو : كذبوا به واستهانوا بمجيئه، وقدره غيره : كفروا، فحذف لدلالة كفروا به عليه، والمعنى قريب في ذلك.
وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله :﴿فلما جاءهم﴾ جواب لما الأولى، وكفروا جواب لقوله : فلما جاءهم.
وهو عنده نظير قوله :﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف﴾ قال : ويدل على أن الفاء هنا ليست بناسقة أن الواو لا تصلح في موضعها.
وذهب المبرد إلى أن جواب لما الأولى هو : كفروا به، وكرر لما لطول الكلام، ويقيد ذلك تقريراً للذنب وتأكيداً له.
وهذا القول كان يكون أحسن لولا أن الفاء تمنع من التأكيد.
وأما قول الفراء فلم يثبت من لسانهم، لما جاء زيد، فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن كون الجواب محذوفاً لدلالة المعنى عليه، وأن يكون التقدير :﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم﴾ كذبوه، ويكون التكذيب حاصلاً بنفس مجيء الكتاب من غير فكر فيه ولا روّية، بل بادروا إلى تكذيبه.
ثم قال تعالى :﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾، أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم، أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث قد قرب وقت بعثه، فكانوا يخبرون بذلك.
﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ : وما سبق لهم تعريفه للمشركين.
﴿كفروا به﴾ : ستروه وجحدوه، وهذا أبلغ في ذمهم، إذ يكون الشيء المعروف لهم، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده، قال تعالى :﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ وقال أبو القاسم الراغب : ما ملخصه الاستفتاح، طلب الفتح، وهو ضربان : إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم المؤدية إلى الثواب، ومنه ﴿إنا فتحنا لك﴾ فعسى أن يأتي بالفتح.
ودنيوي، وهو النصرة بالوصول إلى اللذات البدنية، ومنه ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ فمعنى يستفتحون : أي يعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة.
وقيل : يطلبون من الله بذكره الظفر.
وقيل : كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد ﷺ على عبدة الأوثان.
وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح. انتهى.
وظاهر قوله : ما عرفوا أنه الكتاب، لأنه أتى بلفظ ما، ويحتمل أنه يراد به النبي ﷺ.
فإن ما قد يعبر بها عن صفات من يعقل، ويجوز أن يكون المعنى : ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه، وما تضمنه.
﴿فلعنة الله على الكافرين﴾ : لما كان الكتاب جائياً من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به.
قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة.
﴿قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله﴾ ﴿ومن يعلن الله فلن تجد له نصيراً﴾ ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل :﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فرداً من أفراد العموم.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون للجنس، ويكون فيه دخولاً أولياً.
ونعني بالجنس العموم، وتخيله أنهم يدخلون فيه دخولاً أولياً ليس بشيء، لأن دلالة العلة على إفراده ليس فيها بعض الإفراد أولى من بعض، وإنما هي دلالة على كل فرد فرد، فهي دلالة متساوية.
وإذا كانت دلالة متساوية، فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
| ملأت ببعض حبك كل قلبي | فإن ترد الزيادة هات قلبا |
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.