البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوّة﴾ : تقدم تفسير هذه الجمل، وإنما كررت هنا لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم، وهم كاذبون في ذلك.
ألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة ؟ بل فيها أن يفرد الله بالعبادة، ولأن عبادة غير الله أكبر المعاصي، فكرر عبادة العجل تنبيهاً على عظيم جرمهم.
ولأن ذكر ذلك قبل، أعقبه تعداد النعم بقوله :﴿ثم عفونا عنكم﴾ و ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ وهنا أعقبه التقريع والتوبيخ.
ولأن في قصة الطور ذكر توليهم عما أمروا به، من قبول التوراة وعدم رضاهم بأحكامها اختياراً، حتى ألجئوا إلى القبول اضطراراً، فدعواهم الإيمان بما أنزل إليهم غير مقبولة.
ثم في قصة الطور تذييل لم يتقدم ذكره.
والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء أو تعظيمه، كررته.
وفي هذا التكرار أيضاً من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم ونقمه منهم، ليزدجر الأخلاف بما حل بالأسلاف.
﴿واسمعوا﴾ أي : اقبلوا ما سمعتم، كقوله :﴿سمع الله لمن حمده﴾، أو ﴿اسمعوا متدبرين لما سمعتم﴾، أو ﴿اسمعوا وأطيعوا﴾ لأن فائدة السماع الطاعة، قاله المفضل.
والمعنى في هذه الأقوال الثلاثة قريب.
قال الماتريدي : معنى اسمعوا : افهموا.
وقيل : اعملوا، ووجهه أن السمع يسمع به، ثم يتخيل، ثم يعقل، ثم يعمل به إن كان مما يقتضي عملاً.
ولما كان السماع مبتدأ، والعمل غاية، وما بينهما وسائط، صح أن يراد بعض الوسائط، وصح أن يراد به الغاية.
﴿قالوا﴾ : هذا من الالتفات، إذ لو جاء على الخطاب لقال : قلتم ﴿سمعنا وعصينا﴾ : ظاهره أن كلتا الجملتين مقولة، ونطقوا بذلك مبالغة في التعنت والعصيان.
ويؤيده قول ابن عباس : كانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا :﴿سمعنا وأطعنا﴾، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا :﴿سمعنا وعصينا﴾.
وقيل : القول هنا مجاز، ولم ينطقوا بشيء من الجملتين، ولكن لما لم يقبلوا شيئاً مما أمروا به، جعلوا كالناطقين بذلك.
وقيل : يعبر بالقول للشيء عما يفهم به من حاله، وإن لم يكن نطق.
وقيل : المعنى سمعنا بآذاننا وعصنيا بقلوبنا، وهذا راجع لما قاله الزمخشري، قال : قالوا سمعنا قولك وعصينا أمرك.
فإن قلت : فكيف طابق قوله جوابهم ؟ قلت : طابقه من حيث أنه قال لهم اسمعوا، وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة، انتهى كلامه.
والقول الأوّل أحسن، لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره، لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه.
﴿وأشربوا﴾ : عطف على قالوا سمعنا وعصينا.
فيكون معطوفاً على قالوا، أي خذوا ما آتيناكم بقوّة، قلتم كذا وكذا وأشربتم، أو عطف مستأنف لا داخل في باب الالتفات، بل إخبار من الله عنهم بما صدر منهم من عبادة العجل، أو الواو للحال، أي وقد أشربوا والعامل قالوا، ولا يحتاج الكوفيون إلى تقدير قد في الماضي الواقع حالاً، والقول الأول هو الظاهر.
﴿في قلوبهم﴾ : ذكر مكان الإشراب، كقوله :﴿إنما يأكلون في بطونهم﴾ ﴿العجل﴾ : هو على حذف مضافين، أي حب عبادة العجل من قولك : أشربت زيداً ماء، والإشراب مخالطة المائع الجامد، وتوسع فيه حتى صار في اللونين، قالوا : وأشربت البياض حمرة، أي خلطتها بالحمرة، ومعناه أنه داخلهم حب عبادته، كما داخل الصبغ الثوب، وأنشدوا :
إذا ما القلب أشرب حب شيءفلا تأمل له عند انصرافاً
وقال ابن عرفة : يقال أشرب قلبه حب كذا، أي حل محل الشراب ومازجه.
انتهى كلامه.
وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، ولهذا قال بعضهم :
جرى حبها مجرى دمي في مفاصليفأصبح لي عن كل شغل بها شغل
وأما الطعام فقالوا : وهو مجاور لها، غير متغلغل فيها، ولا يصل إلى القلب منه إلا يسير، وقال :
تغلغل حبّ عثمة في فؤاديفباديه مع الخافي يسير
وحسن حذف ذينك المضافين، وأسند الإشراب إلى ذات العجل مبالغة كأنه بصورته أشربوه، وإن كان المعنى على ما ذكرناه من الحذف.
وقيل : معنى اشربوا : أي شدّ في قلوبهم حب العجل لشغفهم به، من أشربت البعير : إذا شددت حبلاً في عنقه.
وقيل : هو من الشرب حقيقة، وذلك أنه نقل أن موسى عليه السلام برد العجل بالمبرد ورماه في الماء وقال لهم : اشربوا، فشرب جميعهم.
فمن كان يحب العجل خرجت برادته على شفتيه، وهذا قول يردّه في قوله :﴿في قلوبهم﴾.
وروي أن الذين تبين لهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن.
وبناؤه للمفعول في قوله : وأشربوا، دليل على أن ذلك فعل بهم، ولا يفعله إلا الله تعالى.
وقالت المعتزلة : جاء مبنياً للمفعول لفرط ولوعهم بعبادته، كما يقال : معجب برأيه، أو لأن السامري وإبليس وشياطين الأنس والجنّ دعوهم إليه، ولما كان الشرب مادّة لحياة ما تخرجه الأرض، نسب ذلك إلى المحبة، لأنها مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال.
﴿بكفرهم﴾ : الظاهر أن الباء للسبب، أي الحامل لهم على عبادة العجل هو كفرهم السابق، قيل : ويجوز أن يكون الباء بمعنى مع، يعنون أن يكون للحال، أي مصحوباً بكفرهم، فيكون ذلك كفراً على كفر.
﴿قل﴾ يا محمد، أو قل يا من يجالهم.
﴿بئسما ما يأمركم به إيمانكم﴾ : تقدم الكلام في بئس، وفي المذاهب في ما، فأغنى عن إعادته.
وقرأ الحسن ومسلم بن جندب : بهو إيمانكم، بضم الهاء ووصلها بواو، وهي لغة، والضم في الأصل، لكن كسرت في أكثر اللغات لأجل كسرة الباء، وعني بإيمانهم الذي زعموا في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وأضاف الأمر إلى إيمانهم على طريق التهكم، كما قال أصحاب شعيب : أصلواتك تأمرك أن نترك ؟ وقيل : ثم محذوف تقديره صاحب إيمانكم، وهو إبليس.
وقيل : ثم صفة محذوفة التقدير إيمانكم الباطل، وأضاف : الإيمان إليهم لكونه إيماناً غير صحيح، ولذلك لم يقل الإيمان، قاله بعض معاصرينا رحمهم الله.
والمخصوص بالذمّ محذوف بعدما، فإن كانت منصوبة، فالتقدير : بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء والعصيان وعبادة العجل، فيكون يأمركم صفة للتمييز، أو يكون التقدير : بئس شيئاً شيء يأمركم به إيمانكم، فيكون يأمركم صفة للمخصوص بالذمّ المحذوف، أو يكون التقدير : بئس شيئاً ما يأمركم، أي الذي يأمركم، فيكون يأمركم به إيمانكم.
والمخصوص مقدر بعد ذلك، أي قتل الأنبياء، وكذا وكذا.
فيكون ما موصولة، أو يكون التقدير : بئس الشيء شيء يأمركم به إيمانكم، فيكون ما تامّة.
وهذا كله تفريع على قول من جعل لما وحدها موضعاً من الإعراب.
﴿إن كنتم مؤمنين﴾، قيل : إن نافية، وقيل : شرطية.
قال الزمخشري : تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم.
انتهى كلامه.
وقال ابن عطية : وقد يأتي الشرط، والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين، كما قال الله عن عيسى عليه السلام :﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾، وقد علم عيسى عليه السلام أنه لم يقله، وكذلك ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين، لكنه أقام حجة لقياس بين.
انتهى كلامه، وهو يؤول من حيث المعنى إلى نفي الإيمان عنهم، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم.
وقيل تقديره : إن كنتم مؤمنين فلا تقتلوا الأنبياء، ولا تكذبوا الرسل، ولا تكتموا الحق.
وتقدير الحذف الأول أعرب وأقوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ملأت ببعض حبك كل قلبيفإن ترد الزيادة هات قلبا
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى