فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قد تقدّم تفسير أخذ الميثاق، ورفع الطور. والأمر بالسماع معناه : الطاعة والقبول، وليس المراد مجرد الإدراك بحاسة السمع، ومنه قولهم :«سمع الله لمن حمده » أي : قبل وأجاب، ومنه قول الشاعر :
دعوت الله حتى خفت أن لايكون الله يسمع ما أقول
أي يقبل، وقولهم في الجواب ﴿سَمِعْنَا﴾ هو : على بابه، وفي معناه ؛ أي : سمعنا قولك بحاسة السمع، وعصيناك، أي : لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم :«سمعنا » ما هو معهود من تلاعبهم، واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى :﴿اسمعوا﴾ على معناه الحقيقي أي : السماع بالحاسة، ثم أجابوا بقولهم :﴿سَمِعْنَا﴾ أي : أدركنا ذلك بأسماعنا، عملاً بموجب ما تأمر به، ولكنهم لما كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله عزّ وجلّ، بل مراده بالأمر بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا :﴿وَعَصَيْنَا﴾. وفي قوله :﴿واشربوا﴾ تشبيه بليغ، أي : جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، ومثله قول زهير :
فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخلوالحبُّ يشربِهُ فؤادك داء
وإنما عبر عن حبّ العجل بالشرب دون الأكل ؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاوزها، ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله :﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ سببية : أي : كان ذلك بسبب كفرهم عقوبة لهم، وخذلاناً. وقوله :﴿قُلْ بِئْسَمَا يَامُرُكُم بِهِ إيمانكم﴾ أي : إيمانكم الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع، وهو قولكم :﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ في جواب ما أمرتم به في كتابكم، وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاق ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل، ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم :﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] لا صادقون، فإن زعمتم أن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا، فبئسما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم بهم ما لا يخفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ العجل﴾ قال : أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، أن اليهود لما قالوا :﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١]، نزل قوله تعالى :﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الاخرة﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، مثله عن قتادة. وأخرج البيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، أن قوله :﴿خَالِصَةً من دُونِ الناس﴾ يعني المؤمنين :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ فقال لهم رسول الله :" إن كنتم في مقالتكم صادقين، فقولوا :" اللهم أمتنا "، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غصّ بريقه، فمات مكانه " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ أي : ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهوديّ إلا مات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال :«لو تمنى اليهود الموت لماتوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج البخاري، وغيره من حديثه مرفوعاً :«لو أن اليهود تمنوا لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار». وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله :﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة﴾ قال اليهود :﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا﴾ قال : وذلك أن المشركين لا يرجون بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما عنده من العلم :﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ قال : بمنحيه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه في قوله :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال : هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم «ده هز ارسال» يعني عش ألف سنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى