البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿ولقد أنزلنا آيات بينات﴾ : سبب نزولها، فيما ذكر الطبراني، أن ابن صوريا قال للنبي ﷺ : ما جئت بآية بينة، فنزلت.
وقال الزمخشري : قال ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها، فنزلت انتهى.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه لما ذكر تعالى جملاً من قبائح اليهود وذمهم على ذلك، وكان فيما ذكر من ذلك معاداتهم لجبريل، فناسب ذلك إنكارهم لما نزل به جبريل، فأخبر الله تعالى بأن الرسول عليه السلام أنزل عليه آيات بينات، وأنه لا يجحد نزولها إلا كل فاسق، وذلك لوضوحها.
والآيات البينات، أي القرآن، أو المعجزات المقرونة بالتحدّي، أو الإخبار عما خفي وأخفي في الكتب السالفة، أو الشرائع، أو الفرائض، أو مجموع كل ما تقدّم، أقوال خمسة.
والظاهر مطلق ما يدل عليه آيات بينات غير معين شيء منها، وعبر عن وصولها إلى رسول الله ﷺ بالإنزال، لأن ذلك كان من علوّ إلى ما دونه.
﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ : المراد بالفاسقين هنا : الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال.
وقال الحسن : إذا استعمل الفسق في شيء من المعاصي، وقع على أعظمه من كفر أو غيره. انتهى.
وناسب قوله : بينات لفظ الكفر، وهو التغطية، لأن البين لا يقع فيه إلباس، فعدم الإيمان به ليس لشبهة لأنه بين، وإنما هو تغطية وستر لما هو واضح بين.
وستر الواضح لا يقع إلا من متمرد في فسقه، والألف واللام في الفاسقون، إما للجنس، وإما للعهد، لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود.
وكنى بالفسق هنا عن الكفر، لأن الفسق : خروج الإنسان عما حدّ له.
وقد تقدّم قول الحسن أنه يدل على أعظم ما يطلق عليه، فكأنه قيل : وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي فيه إلى أقصى غاية.
وإلا الفاسقون : استثناء مفرغ، إذ تقديره : وما يكفر بها أحد، فنفى أن يكفر بالآيات الواضحات أحد.
ثم استثنى الفساق من أحد، وأنهم يكفرون بها.
ويجوز في مذهب الفراء أن ينصب في نحو من هذا الاستثناء، فأجاز : ما قام إلا زيداً، على مراعاة ذلك المحذوف، إذ لو كان لم يحذف، لجاز النصب، ولا يجيز ذلك البصريون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه اليهود من خبث السريرة، وعدم التوفيق والطواعية لأنبياء الله، ونصب المعاداة لهم، حتى انتهى ذلك إلى عداوتهم من لا يلحقه ضرر عداوتهم، وهو من لا ينبغي أن يعادى، لأنه السفير بين الله وبين خلقه، وهو جبريل.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.
وقال الزمخشري : قال ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها، فنزلت انتهى.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه لما ذكر تعالى جملاً من قبائح اليهود وذمهم على ذلك، وكان فيما ذكر من ذلك معاداتهم لجبريل، فناسب ذلك إنكارهم لما نزل به جبريل، فأخبر الله تعالى بأن الرسول عليه السلام أنزل عليه آيات بينات، وأنه لا يجحد نزولها إلا كل فاسق، وذلك لوضوحها.
والآيات البينات، أي القرآن، أو المعجزات المقرونة بالتحدّي، أو الإخبار عما خفي وأخفي في الكتب السالفة، أو الشرائع، أو الفرائض، أو مجموع كل ما تقدّم، أقوال خمسة.
والظاهر مطلق ما يدل عليه آيات بينات غير معين شيء منها، وعبر عن وصولها إلى رسول الله ﷺ بالإنزال، لأن ذلك كان من علوّ إلى ما دونه.
﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ : المراد بالفاسقين هنا : الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال.
وقال الحسن : إذا استعمل الفسق في شيء من المعاصي، وقع على أعظمه من كفر أو غيره. انتهى.
وناسب قوله : بينات لفظ الكفر، وهو التغطية، لأن البين لا يقع فيه إلباس، فعدم الإيمان به ليس لشبهة لأنه بين، وإنما هو تغطية وستر لما هو واضح بين.
وستر الواضح لا يقع إلا من متمرد في فسقه، والألف واللام في الفاسقون، إما للجنس، وإما للعهد، لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود.
وكنى بالفسق هنا عن الكفر، لأن الفسق : خروج الإنسان عما حدّ له.
وقد تقدّم قول الحسن أنه يدل على أعظم ما يطلق عليه، فكأنه قيل : وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي فيه إلى أقصى غاية.
وإلا الفاسقون : استثناء مفرغ، إذ تقديره : وما يكفر بها أحد، فنفى أن يكفر بالآيات الواضحات أحد.
ثم استثنى الفساق من أحد، وأنهم يكفرون بها.
ويجوز في مذهب الفراء أن ينصب في نحو من هذا الاستثناء، فأجاز : ما قام إلا زيداً، على مراعاة ذلك المحذوف، إذ لو كان لم يحذف، لجاز النصب، ولا يجيز ذلك البصريون.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.